من أبرز التحولات الأخيرة في الصراع اليمني القطيعة بين السعودية والإمارات في جنوب اليمن، وقد كشف هذا التطور عن صراع على النفوذ أنهى الوجود العسكري الإماراتي في البلاد، وسلّط الضوء على دورها الضار الذي يستدعي المساءلة لكنه لا يزال يُتجاهل.
وأضاف تقرير حديث صادر عن منظمة "الديمقراطية الآن للعالم العربي" (DAWN) للباحثة اليمنية أفراح ناصر ترجمه موقع مأرب برس " لطالما دعمت الرياض وأبوظبي فصائل متنافسة تسعى للسيطرة على جنوب اليمن، مما أدى إلى تقويض تماسك التحالف. وبحلول أواخر عام 2025، تصاعد هذا التنافس إلى مواجهة سياسية وعسكرية مفتوحة بعد أن اتهمت السعودية علنًا الإمارات بتأجيج الاضطرابات في جنوب وشرق اليمن وتجاوز حدود التنسيق مع التحالف، فيما رفضت الإمارات هذه الاتهامات مؤكدةً دورها في تعزيز أمن واستقرار اليمن.
لكن بالنسبة لمعظم اليمنيين، كان تجاوز الإمارات للسلطة واضحًا منذ زمن. فمنذ بدء الحملة العسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية عام 2015، قدّمت أبوظبي دعمًا عسكريًا ولوجستيًا وسياسيًا لجماعات مسلحة تعمل خارج سيطرة الحكومة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته المتحالفة في جنوب وغرب اليمن.
عمليًا، مارست الإمارات حكمًا بالوكالة وأعادت تشكيل هياكل السلطة التي أصبحت لاحقًا أدوات للانتهاكات. وفي عام 2017، اتهم الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي الإمارات صراحةً بالتصرف كقوة احتلال.
منذ بداية الحرب، اتسم دور الإمارات في اليمن بالسيطرة القسرية والانتهاكات الممنهجة، وقد وثّقت لجان خبراء الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية ومحلية هذه الممارسات على نطاق واسع. ففي وقت مبكر من عام 2015، تورطت القوات المدعومة من الإمارات في جنوب اليمن في اعتقالات تعسفية واختفاءات قسرية وتعذيب نُفذ عبر شبكة من السجون السرية خارج نطاق الرقابة القضائية، واستهدف صحفيين ونقادًا سياسيين ومعارضين. وتوفي بعض المعتقلين تحت التعذيب أو إثر تهديدات نُسبت مباشرة إلى مسؤولين إماراتيين. وخلصت تحقيقات الأمم المتحدة اللاحقة إلى أن هذه الانتهاكات لم تكن نتيجة أفراد محليين مارقين، بل جرت ضمن هيكل قيادي تشكّل بفعل الدعم المادي والتوجيه العملياتي من أبوظبي، وفي بعض الحالات بأوامر مباشرة من قادة عسكريين إماراتيين على الأرض.
في الشهر الماضي، سمحت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بدعم سعودي، لوسائل الإعلام الدولية بالوصول إلى مواقع عسكرية كانت تديرها الإمارات سابقًا في جنوب اليمن، كاشفةً عن مرافق احتجاز مرتبطة بسجون سرية. قبل القطيعة بين الرياض وأبوظبي، كانت السعودية والحكومة اليمنية على علم بهذه المواقع لكنهما امتنعتا عن توجيه انتقادات علنية، ويعكس الكشف عنها الآن إعادة تقييم للموقف مدفوعةً بتصاعد الخلاف الإعلامي والسياسي بين الشريكين السابقين أكثر من كونها مدفوعةً بالمساءلة.
كشفت وسائل الإعلام الدولية عن جوانب من هذه السجون، بما في ذلك زنازين أشبه بحاويات الشحن، ووحدات عزل، وشهادات عن تعذيب واعتداءات جنسية وحالات اختفاء قسري تُعزى إلى أفراد إماراتيين وقوات يمنية متحالفة معهم.
وعقب هذه الكشوفات طالبت عائلات المعتقلين – الذين احتُجز بعضهم لسنوات دون تهمة – علنًا بمعلومات عن مصير ذويهم، وقد دأبت هذه العائلات على التحدث عن هذه السجون لسنوات.
في بيان صدر مؤخرًا، زعمت جمعية أمهات المختطفين امتلاكها شهادات موثقة تؤكد وجود مراكز احتجاز سرية في عدن وحضرموت وسقطرى، حيث يُحتجز المعتقلون تعسفيًا ويتعرضون للتعذيب ويُخفون قسرًا خارج أي إطار قانوني. وحذرت الجمعية من أن إغلاق هذه المراكز دون تحقيقات مستقلة يُعرّض الأدلة للخطر ويُمكّن الجناة من الإفلات من العقاب.
وتبرز هنا مجموعة من التساؤلات الملحّة: هل يحق للإمارات أو لأي دولة أخرى دخول اليمن والخروج منه متى شاءت تاركةً ضحايا انتهاكاتها؟ ما مصير سجل أبوظبي في انتهاكات حقوق الإنسان؟ ألا ينبغي محاسبتها؟ ألا يستحق ضحاياها العدالة؟ والأهم، من يملك سلطة محاسبتها؟
دور الإمارات في اليمن يقدم اختبارًا مهمًا: هل يمكن لأي طرف الإفلات من المساءلة عن الضرر الذي لحق بالشعب اليمني؟
الحقيقة واضحة: لقد اختبأت الإمارات إلى حد كبير خلف التحالف الذي تقوده السعودية للتهرب من أي مساءلة. فمنذ بداية الحرب، وفّر التحالف غطاءً قانونيًا وسياسيًا استغلته أبوظبي للتنصل من مسؤوليتها عن سلوكها في اليمن. واتسمت عمليات التحالف بالغموض، حيث لم يكن هناك حصر واضح للدول التي نفذت أي عمل في كثير من الأحيان، ولم يكن هذا الغموض محض صدفة.
بموجب القانون الدولي، تُلزم الدول بالتحقيق في الانتهاكات المزعومة التي ترتكبها قواتها وضمان احترام قوانين الحرب من قبل الوحدات العاملة تحت إشرافها أو سيطرتها. إلا أن الإمارات وأعضاء آخرين في التحالف دأبوا على حجب المعلومات المتعلقة بأدوارهم الفردية، محولين بذلك التدقيق إلى التحالف ككل.
فشل النظام الدولي في محاسبة أبوظبي رغم وجود أدلة واسعة النطاق وذات مصداقية، وتفاقم هذا الفشل ليصبح بنيويًا في عام 2021، عندما تم إنهاء عمل فريق خبراء الأمم المتحدة البارزين المعني باليمن – الآلية الدولية المستقلة الوحيدة التي توثق الانتهاكات بشكل منهجي – بعد ضغوط متواصلة من أعضاء التحالف، بما في ذلك الإمارات. ومنذ ذلك الحين، لم يتم تكليف أي هيئة مماثلة بالتحقيق في الانتهاكات أو توثيقها، مما أدى إلى فراغ متعمد في المساءلة.
لقد كشفت آليات حقوق الإنسان الدولية عن قصورها في أماكن أخرى. فإذا كان العالم قد تقاعس عن التحرك في غزة، فكيف يُعقل أن تُحاسب الإمارات في اليمن بهذه الأدوات في ظل التساؤلات الحقيقية حول الإرادة السياسية؟ يبدو أنه لم تعد هناك آليات واقعية متاحة اليوم. وبينما توقف فريق خبراء الأمم المتحدة عن توثيق الانتهاكات، تواصل اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان (NCIAVHR) التابعة للحكومة والمعترف بها دوليًا هذا العمل.
بإمكان اليمن الاستفادة من هذه السجلات لمقاضاة أبوظبي سعيًا لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا. ويتعين على وزيرة الشؤون القانونية المعينة حديثًا، إشراق المقطري، التي ترأست اللجنة الوطنية للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ووثّقت الانتهاكات بلا كلل منذ بداية الحرب، أن تقود هذه المهمة الصعبة. إن مستقبل اليمن مرهون بالمساءلة والتوثيق الشامل وضمان عدم إفلات أي طرف من عواقب أفعاله، بما في ذلك الإمارات على وجه الخصوص. فمستقبل يشوبه الظلم غير المعالج وانعدام المساءلة ليس مستقبلًا على الإطلاق لعشرات الملايين من اليمنيين الذين يستحقون معاملة أفضل من المجتمع الدولي.
المصدر:
مأرب برس