فجّرت مشاركة عمدة نيويورك زهران ممداني في صلاة عيد الأضحى، أمس الأربعاء، بحديقة ماكومبس دام في حي برونكس، موجة هجوم واسعة من أوساط يمينية ومحافظة، بعدما ظهر خلال المناسبة مرتديا زيا تقليديا مستوحى من قميص نادي أرسنال الإنجليزي، إلى جانب النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز التي ارتدت الحجاب خلال الفعالية.
وتحوّل الحدث سريعا إلى جدل سياسي واسع في الأوساط الأمريكية، تجاوز الطابع الاحتفالي للمناسبة، ليتمحور حول حضور الهوية الإسلامية في الفضاء العام، وحدود التعبير عن التضامن مع الجاليات المسلمة، وطريقة تعامل التيارات اليمينية مع الرموز الدينية حين ترتبط بشخصيات سياسية تقدمية.
وشارك ممداني -وهو أول عمدة مسلم لنيويورك- صباح الأربعاء في صلاة عيد الأضحى إلى جانب أفراد من الجالية المسلمة في حي برونكس، حيث أقيمت الصلاة في ملعب لكرة القدم بحديقة ماكومبس دام القريبة من ملعب يانكي.
وبدا العمدة مرتديا "كورتا" صُممت على هيئة قميص نادي أرسنال الإنجليزي، في إشارة إلى تعلقه المعروف بالفريق اللندني، وهو ما أضفى طابعا غير تقليدي على المناسبة الدينية.
ولفت الزي -الذي جمع بين اللباس التقليدي والهوية الرياضية- الأنظار على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن يتحول سريعا إلى مادة جدل وهجوم من معلقين وسياسيين ينتمون إلى التيار اليميني.
وقالت فانيسا غيبسون، رئيسة حي برونكس، إن مكتبها أسهم في تنسيق الفعالية بالتعاون مع الأئمة وقادة المساجد وإدارة الحدائق وشرطة نيويورك، مشيرة إلى أن عددا كبيرا من المساجد المحلية لا يتسع لاستيعاب الأعداد المتزايدة خلال صلاة العيد، وقدّرت الحضور بنحو ألفي عائلة.
وأضافت غيبسون أن إقامة الصلاة في مساحة عامة مثل حديقة ماكومبس دام تهدف إلى توفير بيئة مفتوحة وآمنة للجالية المسلمة، خصوصا مع الكثافة السكانية التي يشهدها الحي وتزايد الإقبال على أداء صلاة العيد جماعيا.
ونشر ممداني صورا من مشاركته في صلاة العيد عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، مرفقة برسالة تهنئة بمناسبة عيد الأضحى، قال فيها إن التضحية تمثل فرصة للانتماء إلى ما هو أكبر من الفرد، مؤكدا أن "تضامننا هو قوتنا".
وحصدت الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت مشاركته ملايين المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تفاعل واسع بين مؤيدين رأوا ظهوره رسالة انفتاح وتضامن، وآخرين عدّوه خطوة ذات أبعاد سياسية ورمزية لافتة.
لم تمر رسالة ممداني -التي قدّمها بوصفها دعوة إلى التضامن الاجتماعي- دون موجة استقطاب سياسي داخل المشهد الأمريكي، إذ شن عدد من المعلقين والسياسيين المحسوبين على التيار اليميني هجوما حادا عليه، وقالوا إن ظهوره في صلاة عامة بهذا الشكل يعكس تصاعد حضور الرموز الإسلامية في الفضاء السياسي بمدينة نيويورك.
ونشر النائب الجمهوري راندي فاين مقطعا من الفعالية، وهاجم فيه ممداني ونيويورك بعبارات حادة، مدعيا أن المدينة "سقطت" في يد ما وصفه بـ"الإسلام السائد"، ومحذرا من أن "أمريكا ستكون التالية" إذا لم ينتبه الأمريكيون إلى هذا التحول، في خطاب وُصف بالتحريضي.
ويعكس هذا الخطاب أن الهجوم لم يتناول سياسات ممداني أو برنامجه المحلي، بقدر ما استند إلى هويته الدينية، في محاولة لتقديم حضوره في منصب العمدة بوصفه تهديدا ثقافيا وسياسيا.
في المقابل، دافع النائب الديمقراطي ريتشي توريس عن مشاركة ممداني، مؤكدا أن الصلاة ليست أمرا معيبا، وأن حرية ممارسة الدين تمثل قيمة أمريكية أصيلة، مشددا على أن الحرية التي كرسها التعديل الأول للدستور الأمريكي إما أن تكون حقا مكفولا لجميع الأمريكيين أو لا تكون حقا لأحد.
ورأى ناشطون أن محاولات توظيف المشهد في سياق سياسي أو أيديولوجي ضيق تتجاهل جوهر القيم الأمريكية القائمة على التعددية واحترام الأديان، مشيرين إلى أن استهداف المشاركين في مناسبات دينية علنية يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام داخل المجتمع الأمريكي بدلا من تعزيز التعايش.
وكان ظهور النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز بالحجاب خلال فعالية صلاة عيد الأضحى الأكثر إثارة للجدل على منصات التواصل الاجتماعي، إذ وجّه معلقون يمينيون إليها اتهاما بـ"المجاملة السياسية واستعراض الهوية أمام الجالية المسلمة"، في حين ذهب آخرون إلى التشكيك في انسجام ذلك مع خطابها الدائم بشأن حقوق النساء والنسوية.
وركزت حسابات محافظة ومؤيدة لإسرائيل على تصوير الحجاب بوصفه رمزا لـ"قمع المرأة" في بعض المجتمعات، متهمة ألكساندريا كورتيز بتجاهل هذا السياق عند ارتدائه في مناسبة عامة إلى جانب عمدة مسلم تقدمي.
في المقابل، وصف معلقون ظهورها بالحجاب بأنه "أداء سياسي" موجه للكاميرات، في حين رأى آخرون أنه يندرج في إطار الاحترام الثقافي والديني لمناسبة إسلامية تشارك فيها مسؤولة منتخبة مع أبناء دائرتها ومجتمعها المحلي.
ومع تصاعد الجدل، بدا أن الهجوم على ألكساندريا كورتيز يرتبط أيضا بموقعها داخل التيار اليساري الديمقراطي، لكونها واحدة من أبرز الأصوات التقدمية في الولايات المتحدة، مما جعل لقطتها بالحجاب تتحول إلى مادة جديدة في الصراع السياسي مع التيار المحافظ بشأن "سياسات الهوية".
وتعكس الواقعة -بحسب مدونين ومعلقين- حالة من التباين في الخطاب الأمريكي تجاه الحرية الدينية، إذ تتحول الممارسات المرتبطة بالمسلمين في كثير من الأحيان إلى موضع جدل وتشكيك عند ظهورها في المجال العام، رغم كونها جزءا من حق ممارسة الشعائر الدينية.
وفي هذا السياق، رأى منتقدون أن مشاركة مسؤول مسلم في صلاة العيد جرى التعامل معها من قِبل بعض الأطراف بوصفها قضية سياسية تتجاوز كونها ممارسة دينية طبيعية لمسؤول منتخب.
في المقابل، امتد الهجوم إلى تعليقات ذات طابع مُعادٍ للإسلام، إذ كتبت المدونة سناء إبراهيمي ليدين أن ما لا يفهمه كثيرون في الغرب -بحسب تعبيرها- هو أن "الإسلام لا ينفصل عن السياسة"، مدعية أنه "مصمَّم ليحكم كل جانب من جوانب الحياة البشرية"، وهو ما عدَّه مراقبون خطابا يرسّخ صورا نمطية ويعمّق الاستقطاب.
كما فتح ارتداء ألكساندريا كورتيز الحجاب خلال الفعالية جبهة إضافية من الجدل، بين من رأوه تعبيرا عن الاحترام لمناسبة دينية وجالية محلية، ومن عدّوه تناقضا مع خطابها النسوي.
لكن حدة الهجوم ولغته -وفق مراقبين- تعكسان أن المسألة تجاوزت الرموز ذاتها إلى استهداف أوسع للتحالفات التقدمية مع الأقليات الدينية والعرقية.
ويرى مراقبون أن الجدل الذي رافق صلاة العيد في برونكس يعكس انقساما أوسع في المشهد السياسي الأمريكي بشأن قضايا الهوية والدين والتمثيل السياسي، إذ يُنظر إلى صعود شخصيات من الأقليات إلى مواقع النفوذ بوصفه تعبيرا عن اتساع التعددية لدى مؤيديهم، في حين يتحول لدى خصومهم إلى مادة للاستقطاب السياسي والثقافي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة