بعد نحو 50 يوما على وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، لا تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران تسير في طريق مليء بالتصريحات المتضاربة والتسريبات المتناقضة.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه "غير راض" بعد عن الاتفاق، تتحدث طهران عن مسودة من 14 بندا لما تسميه "تفاهم إسلام آباد" يصفها البيت الأبيض بأنها "مفبركة بالكامل"، بينما تستمر الضربات الميدانية بين حين وآخر.
فما الذي نعرفه فعلا عن هذه المفاوضات، وأين تختبئ العُقد التي قد تفجر الاتفاق قبل أن يولد؟
خلال اجتماع لحكومته في البيت الأبيض الأربعاء، أبدى ترمب امتعاضه من المفاوضات، وقال إن إيران "ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق" لكنها "لم تصل إلى ذلك بعد"، وأوضح بنبرة تهديدية "إما أن نصل إلى ذلك أو سنضطر إلى إتمام المهمة".
وقال إن مضيق هرمز "سيكون مفتوحا للجميع ولن يسيطر عليه أحد".
أما على صعيد العقوبات، فقال إن واشنطن "لا تتحدث عن تخفيف العقوبات على إيران"، مؤكدا في الوقت نفسه أنه "لن تعاد أي أموال للإيرانيين حتى يحسّنوا سلوكهم"، في إشارة إلى الأصول الإيرانية المجمدة.
وفي الملف النووي، أبدى ترمب قلقا صريحا من فكرة أن يذهب مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى روسيا أو الصين، مشددا على أنه "لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، فهي ستستخدمه فورا ودون تردد".
بدوره، نشر التلفزيون الرسمي الإيراني ما وصفه بـ"الإطار الأولي لتفاهم إسلام آباد"، في إشارة إلى الوساطة الباكستانية.
الوثيقة المؤلفة من 14 بندا تنص -بحسب التلفزيون- على رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران منذ 13 أبريل/نيسان، ووقف مضايقة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية.
في المقابل، تلتزم طهران بإعادة حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر.
لكنّ السفن العسكرية مستثناة، وإدارة الممرات وتفتيش السفن واستيفاء الرسوم تبقى بيد إيران بالتنسيق مع سلطنة عمان، وفقا لنفس المصدر.
أحد أبرز البنود يتعلق بالضمانات، وينص أنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوما، يُتوقع أن يصادق عليه مجلس الأمن بقرار ملزم، وهو ما تعتبره طهران "أعلى مستوى من الضمانات في القانون الدولي".
لكنّ الرد الأمريكي جاء قاطعا من البيت الأبيض الذي قال إن التقرير "ليس حقيقيا"، والمذكرة "مفبركة بالكامل"، ولا يجب تصديق "كلمة واحدة" مما تنشره وسائل الإعلام الإيرانية.
وفي ما يعكس حجم الهوة بين الطرفين، كانت صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن 3 مسؤولين إيرانيين رفيعين أن التفاهم يشمل وقف القتال على جميع الجبهات -بما فيها لبنان- ورفع الحصار، والإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.
أما مسؤول أمريكي رفيع فنقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز قوله إن واشنطن لا تعرض حاليا الإفراج عن أي أصول، وإنها مستعدة لبدء العملية فقط مقابل تخلي إيران عن اليورانيوم عالي التخصيب.
وتمتلك إيران نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
بدوره قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن المفاوضات قد تستغرق "بضعة أيام"، مشيرا إلى "أخذ ورد بشأن صياغات محددة في الوثيقة الأولية". وكرر أن إعادة فتح هرمز "غير قابلة للتفاوض".
الاتفاق الأولي إذا تم يرجئ الملفات الأشد تعقيدا، وأبرزها ملفان:
الملف النووي: يبقى مصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب من أبرز عقد المفاوضات، فبينما يُطرح مجددا نموذج 2015 القائم على نقل المخزون إلى روسيا، يجري الحديث أيضا عن خيار خفض نسبة التخصيب بدلا من إخراجه. مع تأكيد علي باقري أن هذا المخزون "ليس مطروحا على جدول المفاوضات".
ويتصل الخلاف كذلك بمدة تجميد البرنامج النووي، إذ سعت واشنطن إلى فترة لا تقل عن 20 عاما، في حين تفضل طهران زمنا أقصر.
الترسانة الصاروخية: المسودة لا تتطرق إليها، وهي ملف بالغ الحساسية بالنسبة لإسرائيل التي تقع في مرمى الصواريخ الباليستية الإيرانية.
داخل الولايات المتحدة، واجه ترمب انتقادات جمهورية حادة، إذ وصف السيناتور توم تيليس التزام إيران بإعادة فتح هرمز بأنه "موضع تساؤل" دون اتفاق سلام نهائي.
ولتهدئة المتشددين، طالب ترمب قطر والسعودية بالانضمام إلى " اتفاقيات أبراهام" للتطبيع مع إسرائيل كجزء من الاتفاق الأولي، وهو طلب تبدو فرص قبوله محدودة في ضوء المواقف المعلنة حتى الآن.
بدوره، التزم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصمت نحو 18 ساعة قبل أن يصدر بيانا مقتضبا بعد مكالمة مع ترمب.
وفُسِّر هذا الصمت في إسرائيل على أنه مؤشر قلق من أن الاتفاق قد يقصر عن أهداف تل أبيب بتفكيك البرنامج النووي وكبح القدرات الصاروخية.
في موازاة المفاوضات، تقدمت الضربات مرة أخرى على الكلمات، فليلة الاثنين أعلنت واشنطن أن قواتها استهدفت مواقع لإطلاق الصواريخ داخل إيران وزوارق قالت إنها كانت تحاول زرع ألغام بحرية، ووصفت القيادة المركزية الأمريكية هذه الضربات بأنها "دفاعية".
وسريعا اتهمت الخارجية الإيرانية الولايات المتحدة بـ"انتهاك وقف إطلاق النار"، بينما أعلن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أن القواعد الأمريكية "لم تعد آمنة"، مؤكدا أن دول المنطقة "لن تكون بعد اليوم دروعا للقواعد الأمريكية".
بدوره توعد الحرس الثوري بـ"رد قاس"، وأكد ممثل المرشد فيه أن هدف المفاوضات "ليس تقديم تنازلات للعدو".
في الجهة المقابلة، لوح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن الإدارة "مستعدة للقيام بعملية عسكرية" إذا لم يضمن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مضيفا أن "اقتصاد إيران يتكبد خسائر فادحة ما دفعها للجلوس إلى طاولة المفاوضات".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة