في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 15 مارس/آذار 2019، اقتحم متطرف أبيض يدعى برينتون تارانت، مسجدين في مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، وفتح النار على المصلين في بث مباشر لمجزرته التي راح ضحيتها 51 مصليا. قام تارانت تزامنا بنشر بيان على الإنترنت عنوانه "الاستبدال العظيم"، شن فيه هجوما لاذعا على المسلمين والهجرة والتعددية الثقافية، محذرا مما أسماه "الإبادة الجماعية للبيض".
شكل الهجوم الإرهابي صدمة عالمية، لاسيما وأنه لفت النظر إلى استشراء العنف اليميني المتطرف المستند إلى نظريات وأفكار تدور حول "مؤامرة كبرى لإبادة البيض واستبدالهم لصالح أعراق أخرى". كما أعاد إلى دائرة الضوء تحديدا نظرية "الاستبدال العظيم"، التي طرحها الكاتب الفرنسي رينو كامو عام 2010، والتي تزعم وجود عملية استبدال مخطط لها تجري في فرنسا للسكان الفرنسيين والأوروبيين لصالح سكان غير أوروبيين، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والمغرب العربي، وأنها ستؤدي إلى تحول حضاري تدعمه نخبة سياسية وفكرية وإعلامية مدفوعة برؤى أيديولوجية أو مصالح اقتصادية.
"نظرية الاستبدال العظيم طرحها الفرنسي رينو كامو، وتزعم وجود عملية استبدال مخطط لها تجري في فرنسا للسكان الفرنسيين والأوروبيين"
ورغم أن هذه النظرية بدت هشة أمام الأرقام ومعطيات الواقع، إلا أنها وجدت موطئ قدم لها بين الأحزاب السياسية الشعبوية اليمينية في أوروبا، حيث أصبحت جزءا من الخطاب السياسي لقادة اليمين المتطرف مثل الزعيمة السابقة لحزب الشعب الدنماركي، بيا كيرسغارد، ورئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، ونائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني، إضافة إلى السياسية الفرنسية مارين لوبان. كما انتشر تأثيرها إلى خارج أوروبا، ولاسيما إلى الولايات المتحدة، وتحولت إلى أحد أسانيد "الإرهاب اليميني المتطرف" الأساسية.
يفسر رينو كامو مفهوم "الاستبدال العظيم" بأنه التغيير الجذري والمفاجئ في التركيبة السكانية الذي تشهده فرنسا وأوروبا منذ الربع الأخير من القرن العشرين، وهو تغيير تزايدت شدته بمرور الوقت، وفق زعمه. ويشير هذا المفهوم إلى عملية "استبدال عرقي" يتم فيها تعويض السكان الأصليين بفيض من المهاجرين، معظمهم من أصول أفريقية وغالبا من المسلمين. لكن كامو يؤكد أن هذا الاستبدال ليس نظرية أو مفهوما مجردا، بل هو "حقيقة غاشمة ومأساة مروعة لاحظها عيانا أثناء سفره في جنوب فرنسا، حيث رأى قرى عمرها آلاف السنين قد تغير سكانها بالكامل".
يزعم كامو أن ما يحدث الآن يختلف تماما عن الهجرات التاريخية؛ فبينما كانت الهجرات السابقة أوروبية ومسيحية وبأعداد محدودة، فإن الموجات الحالية تمثل "تسونامي هجرة" أو "غزوا" نظرا لأعدادها الكبيرة، واختلافاتها الثقافية والدينية التي تجعل الاندماج مستحيلا في نظره.
"يشير مفهوم الاستبدال العظيم إلى عملية إحلال عرقي مزعومة يتم فيها تعويض السكان الأصليين بفيض من المهاجرين، معظمهم من المسلمين"
لذلك، يحدد كامو ثلاثة أطراف في هذه الدراما السكانية: أولا المستبدِلون، وهم المهاجرون والوافدون الجدد. وثانيا، المستبدَلون وهم السكان الأصليون، الذين يتم تغيير هويتهم ووجودهم. وأخيرا، الاستبداليون وهي النخب الحاكمة والإعلام والسياسيون الذين يروجون لهذا التغيير ويفرضونه تحت شعارات "التعددية الثقافية" و"العيش المشترك"، والذين يصفهم كامو بأنهم "الجناة الحقيقيون".
ويربط كامو الاستبدال العظيم بأيديولوجية يسميها "الاستبدالية العالمية" وهي بحسب رأيه، نظام يهدف إلى جعل البشر "مادة إنسانية غير متمايزة"، وقابلة للتبديل والمقايضة كأي منتج صناعي لخدمة مصالح التمويل العالمي أو ما يسميه "الدافوكراطية" والتي تعني باختصار "حكم الكوكب من قبل نادي دافوس"، حيث يجتمع كبار الممولين والمصرفيين وعمالقة التمويل والمليارديرات لتقرير كيفية إدارة العالم وفقا لمصالحهم.
يرى كامو أن الدافوكراطية لم تعد تستورد ملايين المهاجرين فقط كأيدي عاملة رخيصة، بل الأهم من ذلك هو استيرادهم كـ "مستهلكين". فالمستبدِلون (المهاجرون) سيحتاجون إلى مساكن وطرق ومستشفيات وسلع، وغالبا ما يتم تمويل هذه الاحتياجات من خلال "المنافع العرقية" التي تسمى منافع اجتماعية، وهي مقتطعة بحسب زعمه من السكان الأصليين.
"يرى كامو أن الدافوكراطية لم تعد تستورد ملايين المهاجرين فقط كأيدي عاملة رخيصة، بل الأهم من ذلك هو استيرادهم كمستهلكين"
كما تسعى الدافوكراطية حسب زعمه إلى تدمير الثقافة المحلية والحدود الوطنية لأنها تعيق عملية التنميط الشامل، لذلك تنفذ ما يسميه بـ"الاستبدال الصغير"، وهو إحلال ثقافة الترفيه الجماهيري محل الثقافة الرفيعة، لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها الثقافية تصبح أكثر طواعية للقبول بعملية الاستبدال السكاني دون مقاومة.
كما يتهم كامو الدافوكراطية بعقد تحالف استراتيجي مع أيديولوجيا "مكافحة العنصرية"، فبينما يوفر التمويل العالمي القوة والمال والسيطرة الإعلامية، توفر "مكافحة العنصرية" الغطاء الأخلاقي والفضيلة المدعاة، مما يجعل أي انتقاد لعملية الاستبدال السكاني يبدو كأنه هجوم على القيم الإنسانية. وفي الوقت نفسه، يطرح كامو مفهوم "الأذى" كأداة لهذا الاستبدال، زاعما أن الجرائم وانعدام الأمن التي يرتكبها بعض الوافدين تجعل حياة السكان الأصليين لا تطاق، مما يدفعهم للفرار من مناطقهم ويسمح للمستبدلين بالسيطرة عليها.
ولا يفصل كامو بين الجرائم الجنائية العادية وبين "الأعمال الإرهابية"، فهو يرى أن الإرهابيين هم "رأس الحربة" لقوة غازية ومحتلة موجودة بالفعل على الأرض، ينفذون عمليات قتل جماعي كنوع من أخذ الرهائن أو فرض الإرادة كما تفعل أي قوة محتلة عبر التاريخ، واصفا ذلك بأنه نوع من "الاستعمار الاستيطاني"، لأنه يعتمد على التغيير الديموغرافي والإزاحة السكانية، وهو في نظره أخطر من الاستعمار العسكري التقليدي لأنه قد يكون غير قابل للانعكاس.
لكن نظرية كامو ليست اختراعا جديدا، بل إعادة إنتاج لأفكار وهواجس عنصرية بيضاء تقلبت عبر العقود الماضية وتجد جذورها الأعمق في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا خلال الصدمة التي أعقبت الهزيمة العسكرية الفرنسية أمام بروسيا عام 1870، حيث عزي الضعف الفرنسي حينها إلى انخفاض معدل المواليد مقارنة بالجيران الأوروبيين، وخاصة الألمان.
نشأ في تلك الفترة سرد يحذر من اختفاء فرنسا بسبب تراجع سكانها أمام نمو سكان الدول المجاورة. وفي عام 1896، أسس جاك برتيلون التحالف الوطني لزيادة السكان الفرنسيين، محذرا مما وصفه بـ"الغزو السلمي للأجانب" الذين زعم أنهم "يأخذون مكان غير المولودين". استشهد برتيلون بكتابات منسوبة لألمان – تبين لاحقا أنها مزيفة أو محرفة – تصف ضغط السكان كتيار يولد غزوا طبيعيا.
كما ظهرت مخاوف الغزو السكاني في ذروة الإمبريالية الأوروبية، عندما حكمت أقليات بيضاء أراضي شاسعة ذات أغلبية غير بيضاء. وقد أدى هذا الخلل الديموغرافي إلى خلق خوف متفش بين المستوطنين الاستعماريين، وهو الخوف من "الغرق" أو "الاضمحلال" في حال انهيار النظام الاستعماري، وهو الخوف نفسه الذي خلق نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
"ظهرت مخاوف الغزو السكاني في ذروة الإمبريالية الأوروبية، عندما حكمت أقليات بيضاء أراضي شاسعة ذات أغلبية غير بيضاء"
في الجزائر مثلا، عاش المستوطنون الأوروبيون (الأقدام السوداء) في خوف دائم من أن يطغى عليهم السكان المسلمون الأصليون. وقد غذى هذا القلق أيديولوجية "الجزائر الفرنسية"، التي أصرت على الحفاظ على الهيمنة الفرنسية في مواجهة "طوفان" من السكان الأصليين. وبالمثل، في الولايات المتحدة، بررت سياسات الفصل العنصري بضرورة منع "طغيان" الناخبين السود على البيض.
كان المنطق واضحا، فالديمقراطية في مجتمع متعدد الأعراق دون ضوابط ديموغرافية صارمة تعتبر خطرا على الطبقة الحاكمة من الأقلية. وقد ولدت هذه الحقبة منطقا عنصريا خاصا هو منطق "الدم والأرض"، الذي تبناه النازيون لاحقا، وفي نهاية المطاف، دعاة اليمين المتطرف المعاصرون.
شهدت أوائل القرن العشرين ترسيخ هذه المخاوف من خلال علم تحسين النسل. في الولايات المتحدة، شكل نشر كتاب ماديسون غرانت "زوال العرق العظيم" عام 1916 نقطة تحول حاسمة. فقد حذر غرانت من أن السلالة "النوردية" في أمريكا تستبدل بمهاجرين "أدنى" من جنوب وشرق أوروبا. وقد أثر هذا العمل بشكل مباشر على قانون الهجرة لعام 1924 الذي أسهم بفعالية في الحد من تدفق المهاجرين.
شكلت هذه الفترة تطور المخطط الهيكلي لنظرية الاستبدال العظيم، من خلال استخدام بيانات "علمية" لإثبات انخفاض معدلات المواليد بين العرق "المتفوق" والتكاثر "المختل" للأعراق "الدنيا". وقد أظهرت المحرقة، التي غذتها الأيديولوجية العنصرية النازية، النتيجة الكارثية لهذا المنطق. ولعقود تلت الحرب العالمية الثانية، تم تهميش خطاب الاستبدال الصريح وإبقاؤه على هامش الخطاب السياسي، لارتباطه بالإبادة الجماعية.
قبل أن يضع كامو مفهوم الاستبدال، كانت المجموعات اليمنية المتطرفة تناقش هواجسها باستخدام مصطلحات مثل "الشتاء الديموغرافي" أو "الإبادة الجماعية للبيض". كما ظهرت هذه الهواجس من خلال الأدب والصحافة، مثل رواية "معسكر القديسين" (The Camp of the Saints) لجان راسباي، التي نشرت عام 1973، وصورت وصول أسطول من المهاجرين الهنود إلى الشواطئ الفرنسية كبداية لـ"الهجرة الكبرى" التي ستدمر الغرب، وقد اعتبر هذا العمل الأدبي لاحقا أحد الأسس الفكرية لنظرية "الاستبدال العظيم".
"أصبحت رواية معسكر القديسين لجان راسباي ملهما لأفكار اليمين حول قضايا الهجرة"
وليس غريبا أن تتحول هذه الرواية إلى أحد العناصر المؤثرة في الرؤية الأيديولوجية لسياسات الهجرة المتشددة في الولايات المتحدة، خاصة داخل دوائر اليمين الجديد اليوم. حيث يعتبر ستيفن ميلر، مستشار الأمن الداخلي ومهندس سياسات الهجرة في عهد ترمب، من أشد المعجبين برواية راسباي. وقد كشفت رسائل إلكترونية مسربة توصيته لموقع "بريتبارت" (Breitbart) اليميني المتطرف، والذي كان يقوده ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس ترمب، بكتابة مقالات تربط بين تصريحات البابا حول المهاجرين وأحداث الرواية.
كما تعتبر سياسات مثل "حظر دخول مواطني دول إسلامية"، وبناء الجدار الحدودي، وبرامج فصل العائلات، بمثابة رد فعل عملي على "السيناريو المنفر" الذي قدمه راسباي في روايته، حيث ينظر إلى الحكومة القوية على أنها الأداة الوحيدة لمنع وقوع الكارثة الموصوفة في أحداث الرواية.
تزامنا مع رواية راسباي، بدأت الصحافة الفرنسية منذ مطلع الثمانينيات في الحديث عن التراجع الديموغرافي في مقابل تصاعد موجات الهجرة. على سبيل المثال، نشرت مجلة "لو فيغارو ماغازين" عام 1985 ملفا بعنوان "هل سنظل فرنسيين بعد 30 عاما؟" مع صورة لماريان (رمز فرنسا) وهي ترتدي النقاب.
"لعبت التغطية الإعلامية دورا حاسما في تشكيل تصورات الفرنسيين تجاه الهجرة، وأسهمت في تحويل مشاعر القلق العفوية إلى قناعات سياسية"
وهكذا، لعبت التغطية الإعلامية دورا حاسما في تشكيل تصورات الفرنسيين تجاه الهجرة، وأسهمت في تحويل مشاعر القلق العفوية إلى "قناعات" سياسية، غالبا ما تتعارض مع الواقع الإحصائي، وذلك من خلال التعميم التعسفي للحالات الاستثنائية، والميل إلى التركيز على أحياء محددة ذات تركيز سكاني عال للمهاجرين، وتصويرها كأنها "الغابة التي تخفي الشجرة"، مما يوهم الجمهور بأن هذه الحالات الاستثنائية هي القاعدة العامة التي ستعم البلاد بأكملها. ظلت هذه المخاوف الضمنية تأخذ مسميات متعددة، حتى جاء كامو وقدم لهم مصطلحا يبدو مقبولا بما يكفي للانتقال من أقصى التطرف إلى الخطاب المحافظ السائد.
في السنوات الـ15 الماضية، تطورت نظرية الاستبدال العظيم من مجرد سردية هامشية محصورة في دوائر هوية صغيرة إلى مفهوم يربط بين عوالم اجتماعية مختلفة. فهي تربط بين الفصائل المتباينة داخل مصفوفة اليمين المتطرف الحديث؛ بين دعاة تفوق العرق الأبيض والفاشيين الجدد والمحافظين الدينيين والسياسيين الشعبويين.
وقد لعبت عوامل كثيرة في دفعها من الهامش إلى المركز، أبرزها الآثار الوخيمة للأزمة المالية العالمية لعام 2008 على قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى البيضاء في الغرب التي خسرت الكثير من مكانتها الاجتماعية ووضعها الرمزي، مما جعلها تسقط بسهولة أمام الخطاب اليميني الشعبوي الذي يضع مسؤولية المظالم التي يسببها النظام الرأسمالي على عاتق المهاجرين والأجانب ويحرف الأزمة من طابعها الطبقي إلى الصراع الثقافي.
"وضع الخطاب اليميني مظالم النظام الرأسمالي على عاتق المهاجرين وحول الأزمة من طابعها الطبقي إلى صراع ثقافي"
مع ذلك، أسهمت موجة الهجمات التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية أو أفراد مرتبطون به في كثير من المدن الغربية في توسيع قاعدة الأحزاب اليمينية المتطرفة، وتاليا في توسيع قاعدة المقتنعين بوجاهة "الاستبدال العظيم". فضلا عن موجة الهجرة الكبيرة التي شهدتها أوروبا وكندا في أعقاب اندلاع الثورة السورية، ولاسيما بعد 2015، فقد قدمت صور ملايين اللاجئين الذين يعبرون إلى أوروبا ما بدا لأنصار رينو كامو تأكيدا مرئيا لتحذيراته.
وعلى الإنترنت، تحولت إشارات كامو الأدبية المعقدة إلى وسوم وميمات انتشرت بسرعة البرق. وأصبح مصطلح "الاستبدال" اختصارا للتحول الديموغرافي في الغرب. وهنا يحضر دور التسريع الرقمي، حيث يرتبط صعود هذه النظرية ارتباطا وثيقا ببنية خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، لكونها ملائمة تماما لبيئة الميمات. فهي تعتمد على ثنائيات متناقضة (نحن ضد هم)، ومحفزات عاطفية (الخوف من الانقراض). وأدت هذه البيئة الرقمية المغلقة إلى تطرف جيل من الشباب، ووفرت لهم إطارا فكريا يفسر صراعاتهم الشخصية، مثل انعدام الأمن الاقتصادي والعزلة الاجتماعية، كجزء من معركة تاريخية كبرى من أجل البقاء.
تخدم نظرية الاستبدال العظيم اليمين المتطرف للتغطية على عقيدته البيولوجية الفاشية، من خلال تصوير التغيير الديموغرافي ليس كتحول اجتماعي طبيعي، بل كعملية "استبدال عرقي" متعمدة تهدد الوجود البيولوجي للشعوب البيضاء. وتعتمد هذه الرؤية على عدة ركائز أساسية، أهمها "أصلنة" الأمة بيولوجيا، حيث يعتقد منظرو اليمين المتطرف أن جوهر الأمة يكمن في "الجيرمن"، وهو مصطلح يشير إلى الهوية البيولوجية والعرقية التي تشكل قاعدة الثقافة. وبناء على ذلك، ينظر إلى الهوية الوطنية كإرث جيني يتجاوز مجرد الانتماء القانوني أو المواطنة.
"ينظر المتطرفون اليمينيون إلى الهوية الوطنية كإرث جيني يتجاوز مجرد الانتماء القانوني أو المواطنة"
كذلك من بين تلك الركائز التحذير من الانفجار البيولوجي الداخلي، أي الزعم بأن اختلاط السكان يؤدي إلى "انهيار جيني" يقطع صلة الشعب بجذوره الطبيعية، مما يمنع الأمة من الاستمرار في المستقبل. وينظر إلى هذا التمازج كجريمة تفوق في خطورتها القتل الفردي لأنها "تقتل أجيال المستقبل".
بجانب ذلك، يجري "تسييس الإنجاب"، حيث يصور التغيير الديموغرافي كـ"حرب جينية". وتعتبر معدلات الخصوبة العالية للمهاجرين سلاحا لهذا الغزو المتخيل، بينما ينظر إلى انخفاض مواليد السكان الأصليين كـ "شتاء ديموغرافي" ينذر بالفناء. في هذا السياق، تصبح أجساد النساء "بوابات لمستقبل العرق" وتتحول الأمومة إلى "عمل ثوري" لمواجهة المحو الوشيك.
كما يتبنى اليمين المتطرف ما يسمى بـ"الواقعية العرقية"، التي تفترض أن المجموعات العرقية في حالة تنافس بيولوجي دائم على الموارد والبقاء. ومن هذا المنظور، لا يوجد مجال للتعايش السلمي، بل تصبح النتيجة إما "السيادة" أو "الانقراض".
بعد قتله 51 مصليا، نفى برينتون تارانت ارتباطه بأي منظمة، لكن اعترف بأنه أجرى اتصالا وجيزا مع الإرهابي النرويجي أندرس بريفيك في سجنه، وقال إنه أعطاه موافقته على هجومه. في عام 2011 نفذ بريفيك عملين إرهابيين منسقين استهدف الأول مكتب وزير الدولة ينس ستولتنبرغ ومباني حكومية أخرى، وأسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 15 آخرين. واستهدف الثاني مخيما صيفيا للشباب نظمته رابطة شباب حزب العمل النرويجي.
وفي بيان مطول نشر على الإنترنت قبيل الهجمات، ندد بريفيك بـ"الماركسيين الثقافيين" الذين، بحسب قوله، يسمحون باستعمار الإسلام لأوروبا. ربما كانت هذه أول عملية إرهابية تحركها أوهام "الاستبدال العظيم"، والتي ستعقبها عمليات كثيرة في أكثر من مكان. ففي 3 أغسطس/آب 2019، أطلق باتريك كروسيوس النار في متجر وول مارت بمدينة إل باسو، بولاية تكساس الأمريكية، مما أسفر عن مقتل 23 شخصا وإصابة 22 آخرين، في حادث وصف بأنه الهجوم الأكثر دموية على اللاتينيين في التاريخ الأمريكي الحديث. وقد نشر المهاجم بيانا قبل الهجوم بوقت قصير، يستشهد فيه بحادثة إطلاق النار على مسجدي كرايستشيرش في نيوزيلندا مستلهما نظرية "الاستبدال العظيم" كدافع لهجومه.
"ربطت هيئات دولية بشكل صريح بين خطاب نظرية الاستبدال والتطرف العنيف على أرض الواقع"
وفي 14 مايو/أيار 2022، هاجم بايتون جيندرون سوبر ماركت "توبس فريندلي ماركتس"، في مدينة بوفالو بولاية نيويورك الأمريكية، مخلفا وراءه 10 قتلى، جميعهم من ذوي البشرة السوداء. ثم نشر بيانا وصف فيه نفسه بأنه قومي عرقي ومؤيد لتفوق البيض، وأن دافعه هو "الاستبدال العظيم" والخوف من إبادة جماعية للبيض.
وربطت هيئات دولية، بما فيها ممثلو الأمم المتحدة، بشكل صريح بين خطاب نظرية الاستبدال والتطرف العنيف على أرض الواقع. وخلال خطاب ألقاه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2024، صرح بأن نظريات المؤامرة، مثل نظرية الاستبدال العظيم، قد أثرت بشكل مباشر على الجهات الفاعلة العنيفة في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية.
يستغل اليمين المتطرف فكرة الهوية البيولوجية لتحويل القضايا السياسية والاجتماعية إلى صراعات وجودية محتومة، مما يجعل العنف يبدو كأنه "ضرورة طبيعية" للدفاع عن النفس. وتلعب مسألة "الواقعية العرقية" دورا أساسيا في ذلك، حيث تحول الصراع الاجتماعي إلى حرب بقاء بيولوجية لا تقبل الحلول الوسط. ومن خلال تصوير التهديد الديموغرافي كـ "غزو" أو "إبادة جماعية بيضاء"، يدعي اليمين المتطرف أنه "لا يوجد حل ديمقراطي" لهذه الأزمة.
"عندما يتم إقناع الناس أن العملية السياسية فشلت وأن عرقهم يواجه محوا وشيكا، يصبح العمل العنيف هو المسار الوحيد العقلاني لضمان البقاء"
وعندما يتم إقناع الأتباع بأن العملية السياسية قد فشلت وأن عرقهم يواجه "المحو الوشيك"، يصبح العمل العنيف والمباشر هو المسار الوحيد "العقلاني" والمبرر لضمان البقاء. كما يتم استخدام لغة بيولوجية تصف المهاجرين كـ "أنواع غازية" تستنزف النظام البيئي الثقافي للمضيف. وهذا التدليس الأيديولوجي يصور العنف كفعل "دفاع ثقافي عن النفس" ضد حرب جينية غير معلنة تشنها النخب والوافدون ضد السكان الأصليين. فضلا عن إعفاء المرتكب من المسؤولية، حيث يقع تبرير العنف من خلال إلقاء اللوم على "النخب" التي أجبرت مجموعات عرقية "غير متوافقة" على العيش معا.
وبذلك، لا يعتبر الشخص الذي يمارس العنف مسؤولا عنه، بل يصور فعله كاستجابة غريزية وطبيعية لتلك الحرب غير المعلنة التي شنت ضده. وأكثر من ذلك تستخدم "الواقعية العرقية" لتصوير المجتمع كساحة معركة دائمة، فيصبح الاستعداد "لسفك الدماء" هو الاختبار الحقيقي لجدية الشعوب في الدفاع عن هويتها البيولوجية. ويتم تمجيد مرتكبي العنف الجماعي كـ "قديسين" وضباط في جيش يدافع عن مستقبل العرق. كما تعامل البيانات التي يتركها الجناة كأدوات تعليمية وإلهامية، فيتم تداولها بكثافة لتجنيد وتحفيز "الذئاب المنفردة" الجدد.
رغم الهواجس والخيالات الكثيرة التي تدور حول نظرية "الاستبدال العظيم"، فإنها لا تصمد كثيرا أمام الواقع الديموغرافي. في كتابه "ليس هناك استبدال عظيم"، يتتبع عالم الديموغرافيا الفرنسي هيرفي لو برا، مسار التدليس الذي مورس للترويج للنظرية. فقد لعبت الأخطاء المتعمدة في الاقتباسات والتلاعب بالأرقام دورا محوريا في تحويل "الاستبدال العظيم" من مجرد هواجس إلى "عقيدة" سياسية قادرة على إقناع قطاع عريض من الجمهور، وذلك عبر عدة آليات.
أول تلك الآليات هو اختلاق وتزييف الاقتباسات التاريخية، فقد استخدم المروجون لهذه الفكرة اقتباسات محرفة أو مخترعة تماما لإضفاء صبغة "تآمرية" أو "تنبؤية" على الهجرة. مثلا يكرر رينو كامو اقتباسا منسوبا للرئيس الجزائري السابق هواري بومدين يدعي فيه أن المهاجرين سيغزون الشمال بـ"أرحام نسائهم". وبالعودة لخطاب بومدين الأصلي في الأمم المتحدة عام 1974، يتبين أن هذا الكلام لا وجود له، بل كان حديثه عن التعاون الدولي ومكافحة الفقر.
"لعبت الأخطاء المتعمدة في الاقتباسات والتلاعب بالأرقام دورا محوريا في تحويل الاستبدال العظميم إلى عقيدة سياسية"
أما الآلية الثانية فهي لي أعناق الأرقام والتقارير الدولية، فقد تم تحويل تقارير علمية تقنية إلى أدلة على مؤامرة غزو سكاني. من ذلك تقرير الأمم المتحدة لعام 2000، الذي استخدم مصطلح "هجرة التعويض"، كحل تقني للحفاظ على حجم السكان العاملين. لكن قادة اليمين المتطرف مثل مارين لوبان وفيليب دي فيلييه تلاعبوا بالصياغة، فادعت لوبان أن الأمم المتحدة "تخطط لجلب 120 مليون مهاجر"، بينما كان الرقم في التقرير يمثل إجمالي الحاجة النظرية التراكمية لأوروبا كلها على مدى 50 عاما لتجنب الانهيار السكاني، وليس خطة للهجرة.
فضلا عن ذلك، هناك تضخيم مستمر ومتعمد لأعداد القادمين، فكثيرا ما روج اليمين المتطرف لرقم 400 ألف وافد سنويا عبر جمع تصاريح الإقامة مع طلبات اللجوء، متجاهلين أن الكثير من هذه الإقامات مؤقتة (طلاب، عمال موسميون) وأن هناك حركة خروج كبيرة لا تحتسب، مما يجعل الزيادة الحقيقية في عدد المهاجرين أقل بكثير.
والآلية الثالثة هي تجاهل الواقع الديموغرافي، من خلال غض النظر الأصول المختلطة، حيث يتم احتساب أطفال الأزواج المختلطين (أب أبيض وأم مهاجرة أو العكس) كجزء من "الغزاة" أو "المستبدلين"، مما يضخم أرقام "الآخر" بشكل وهمي.
وللخروج من تحدي الأرقام، يتم اللجوء إلى آلية رفض المنهج العلمي والإحصائي. فقد وصل الأمر برينو كامو إلى إعلان احتقاره للإحصاءات والعلوم الاجتماعية، واصفا إياها بأنها "كاذبة"، وبدلا من ذلك، يدعو الناس لـ "تصديق أعينهم فقط"، أي الاعتماد على الانطباع البصري العابر، وهو منهج غير علمي يسهل تعميم الحالات الاستثنائية، مثل رؤية شخص غير أبيض وحيد في محطة مترو، واعتبارها قاعدة عامة لـ "استبدال الشعب".
وقد أسهمت هذه الآليات في تحويل الهجرة من "ظاهرة اجتماعية" قابلة للقياس إلى "أسطورة سياسية" غير قابلة للتفنيد بالحقائق، لأنها تقوم على اقتباسات مختلقة وأرقام منزوعة من سياقها.
"أعلن رينو كامو احتقاره للإحصاءات والعلوم الاجتماعية، واصفا إياها بأنها كاذبة، وبدلا من ذلك، يدعو الناس لتصديق أعينهم فقط"
في المقابل تشير التوقعات الديموغرافية لفرنسا مثلا بحلول عام 2050، بناء على البيانات الرسمية من المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية والتحليلات العلمية، إلى استقرار هيكلي بعيد تماما عن سيناريوهات "الاستبدال"، حيث يتوقع أن يصل إجمالي عدد السكان إلى حوالي 74 مليون نسمة. وبناء على وتيرة الهجرة الحالية (زيادة سنوية متوسطة قدرها 97 ألفا)، سيصل عدد المهاجرين من أفريقيا وآسيا إلى حوالي 7.1 ملايين شخص في عام 2050.
وحتى في حالة تبني فرضية تسارع وتيرة الهجرة، فإن الرقم لن يتجاوز 10.2 ملايين مهاجر، مقابل 63.8 مليون شخص من أصول أخرى. وبشكل عام، لن تتخطى نسبة المهاجرين في عام 2050 حاجز 12% من إجمالي السكان إذا استمرت المعدلات الحالية. ووفقا للسيناريو الذي وضعه هيرفي لو برا، ستكون تركيبة السكان كالتالي: 80.4% من السكان الأصليين (غير المهاجرين)، و9.4% من المهاجرين، و10.2% من أبناء المهاجرين (الجيل الثاني). وحتى لو أدرجنا الزيجات المختلطة فإن نسبة السكان الأصليين ستظل في حدود 76.6%.
لذلك يرى لو برا أن حدوث "استبدال" سكاني بحلول منتصف القرن الحالي هو أمر مستحيل من الناحية الحسابية. فحتى مع افتراض وتيرة هجرة عالية، تشير التوقعات لعام 2050 إلى أن المهاجرين وأبناءهم لن يشكلوا سوى جزء محدود من المجتمع، بينما ستظل الغالبية العظمى من السكان البيض. والحقيقة أن نظرية رينو كامو الهشة لا تصمد في أي مكان من بلاد الغرب، ومع ذلك تبدو قابلة للتطبيق في النموذج الفلسطيني، حيث تؤكد الأرقام والسياسات والممارسات اليومية للاحتلال الإسرائيلي وجود عملية استبدال مديدة للشعب الفلسطيني.
رغم انتشارها الواسع، لا تكاد نظرية الاستبدال العظيم تصمد أمام أي تدقيق علمي أو منهجي ومع ذلك، يمثل الاستبدال العظيم أداة سياسية قوية. فمن خلال تصوير الهجرة كتهديد وجودي للهوية الوطنية، يستطيع القادة تحويل دفة النقاش بعيدا عن إخفاقات الحكم. وبالنسبة لليمين الأوروبي تحديدا، تمثل هذه القضية سلما مثاليا للارتقاء السياسي فوق أكتاف جماهير البيض الغاضبين بسبب تدهور معيشتهم. لقد طُحن هؤلاء بين تروس الرأسمالية، لكن قادتهم لن يخبروهم بذلك طالما أن بإمكانهم إلقاء اللوم على المهاجرين دون عواقب، وحصد المكافأة مزيدا من أصوات الناخبين في صناديق الاقتراع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة