قد نتفق على أن الولايات المتحدة أقوى من أوروبا، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الانفصال بين الحليفين التقليديين لن يضر أيضا بالطرف الأقوى، ويكفي أنه إذا خسرت الولايات المتحدة ثقة الحليف الأكبر أوروبا، فستكون مهددة بالمصير نفسه مع حلفاء آخرين أو محتملين في بقية أنحاء العالم.
الحكاية بدأت ظاهريا بتراشق بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي صعد لهجته مع الأمريكيين وقال إنهم تعرضوا للإذلال من جانب إيران، بينما رد ترمب بتصريحات غاضبة وبقرارات شملت رفع الرسوم الجمركية وخطة لسحب 5000 جندي أمريكي من ألمانيا.
هو رقم صغير بالنسبة لحجم الوجود العسكري هناك والذي وصل في ديسمبر/كانون الأول الماضي إلى أكثر من 36 ألف جندي، لكنها بالتأكيد كانت رسالة كبيرة من ترمب، ليس لألمانيا فقط بل لأوروبا كلها خصوصا وأن ترمب قال صراحة إن وضعا مشابها قد ينطبق على إسبانيا وإيطاليا.
في الموضوع الأول من هذا الملف، عرضنا لتفاصيل الخلاف الأمريكي الألماني، ثم وسعنا الزاوية في الموضوع الثاني لتشمل أوروبا سواء فيما يتعلق بتاريخ العلاقة بين الجانبين ثم أسباب التوتر الراهن وتداعياته على القارة العجوز وما الذي بإمكانها أن تفعله.
ونختم الملف بهذا الموضوع الثالث الذي يركز على الجانب الأمريكي، وهل هو جاد في المضي بطريق الانعزال عن الحليف الأوروبي، ومدى تأثره إن سارت الأمور في هذا الاتجاه.
في الحقيقة، لم يكن التراشق السياسي والإعلامي بين ترمب وميرتس مجرد خلاف عابر بين زعيمين غربيين، بل بدا في نظر كثيرين مؤشرا إضافيا على تصدع متزايد داخل العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد ترمب خطاب “أمريكا أولا” إلى الواجهة بصورة أكثر حدة، مهاجما الحلفاء الأوروبيين، ومكررا اتهامات قديمة بأن القارة العجوز تعيش أمنيا واقتصاديا تحت المظلة الأمريكية من دون أن تدفع الثمن الكافي.
لكن السؤال الأهم لم يعد يتعلق فقط بمستقبل أوروبا، بل بمستقبل الولايات المتحدة نفسها: هل تمضي واشنطن فعلا نحو تقليص ارتباطها الاستراتيجي بأوروبا؟ وهل يمثل ترمب تحولا عميقا داخل التفكير الأمريكي أم مجرد حالة سياسية مؤقتة؟ ثم ماذا ستربح أمريكا أو تخسر إذا ابتعدت عن حلفائها التاريخيين؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الإستراتيجية الأمريكية على منع ظهور قوة مهيمنة في أوروبا، وربط أمن القارة ومصالحها بالولايات المتحدة عبر حلف شمال الأطلسي ( الناتو) والمؤسسات الاقتصادية الغربية.
ولذلك، لم يكن الوجود الأمريكي في أوروبا مجرد “حماية للحلفاء”، بل كان أيضا أداة لضمان النفوذ الأمريكي العالمي، ومنع روسيا سابقا ثم الصين لاحقا من ملء أي فراغ إستراتيجي.
غير أن ترمب سواء في فترته الأولى أو هذه، أظهر أنه ينظر إلى تلك المعادلة بعين مختلفة. فهو يعتقد أن بلاده تتحمل أعباء مالية وعسكرية ضخمة بينما تستفيد أوروبا اقتصاديا من السوق الأمريكية وتحتمي أمنيا بالمظلة الأطلسية.
ولهذا ضغط مرارا على الدول الأوروبية لرفع إنفاقها الدفاعي، ولوّح أكثر من مرة بإعادة النظر في التزامات واشنطن داخل حلف الناتو.
وجاءت الإستراتيجية الأمريكية الأخيرة لتظهر تركيزا أمريكيا على مناطق أخرى كالصين وأمريكا الجنوبية على حساب أوروبا.
لكن رغم حدة خطاب ترمب، يرى كثير من الباحثين أن الحديث عن “انسحاب أمريكي كامل” من أوروبا لا يزال مبالغا فيه. فحتى داخل التيار الجمهوري نفسه، توجد أصوات تعتبر أوروبا جزءا أساسيا من توازن القوة العالمي، وترى أن أي تراجع أمريكي واسع سيصب في مصلحة روسيا والصين.
بمعنى آخر، قد يكون ترمب راغبا في “إعادة صياغة” العلاقة مع أوروبا، لكنه لا يملك بسهولة تفكيك بنية إستراتيجية بنتها واشنطن على مدى نحو ثمانية عقود.
ومن الناحية الدستورية، فإن الانسحاب من حلف الناتو مثلا لا يمكن أن يتم بمجرد قرار من الرئيس بل يحتاج إلى قانون من الكونغرس أو موافقة ثلثي الأصوات في مجلس الشيوخ.
وفي الحقيقة، فإن النقاش بشأن التوجه الانعزالي للولايات المتحدة عن أوروبا ليس جديدا، وفقا ما يؤكد الأكاديمي الفرنسي بيير لوي ريمون لقسم المقابلات بالجزيرة نت، حيث تناولتها إدارات أمريكية سابقة ارتباطا بالأوضاع الداخلية وكذلك بالإستراتيجية الأمريكية تجاه دول آسيا.
ويؤكد ذلك أيضا تيفيك أوزكان رئيس حزب دافا الألماني، الذي قال للجزيرة نت إن النقاش بشأن أوروبا بدأ قبل فترة طويلة من مجيء ترمب، ومن المرجح أن يستمر حتى بعد رحيله عن السلطة.
أوزكان أشار في تصريحاته إلى أنه ليس خافيا أن أوروبا لم تعد تحظى بنفس الأولوية التي كانت تتمتع بها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أو خلال الحرب الباردة، لكن المثير أن ترمب يثير الأمر بطريقة أكثر حدة وبمنطق الصفقات.
كما يلفت السياسي الألماني النظر إلى نقطة غالبا ما يستخف بها الأوروبيون وفق اعتقاده، وهي أن الولايات المتحدة تنظر إلى أوروبا بشكل متزايد على أنها أضعف اقتصاديا فضلا عن كونها منقسمة سياسيا ومعتمدة عسكرياً على غيرها، وهذا يخلق انطباعاً في واشنطن بأن أوروبا هي شريك صعب أكثر من كونها قوة عالمية.
ببساطة لا يمكننا الإيجاب بنعم، حيث سارت العديد من المواقف داخل الولايات المتحدة في طريق التأكيد على أن العلاقة مع أوروبا أعمق كثيرا من أن يقررها رئيس بمفرده.
فالكونغرس صاحب السلطة التشريعية، لا يزال ينظر إلى الناتو كتحالف عسكري ناجح، وقد ظهر ذلك بوضوح عندما تحرك مشرعون أمريكيون سابقا لعرقلة أي محاولة رئاسية للانسحاب الأحادي من الحلف.
لم يكن مستغربا أن ينتقد الديمقراطيون موقف ترمب، حيث وصفه السيناتور جاك ريد بأنه خطأ فادح يقدم هدية لروسيا ويظهر أن التزامات واشنطن تجاه الحلفاء مرهونة بمزاج الرئيس، بينما قالت السيناتور جين شاهين إن على واشنطن أن تتكاتف مع حلفائها لا أن تخرب مصالحها الأمنية من أجل ضغائن تافهة.
لكن المثير أن الانتقادات صدرت أيضا عن مشرعين جمهوريين من الوزن الثقيل، حيث أصدر السناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز، وهما رئيسا لجنتي القوات المسلحة في مجلسي الشيوخ والنواب، على التوالي، بيانا مشتركا حذرا فيه من "تقليص الوجود الأمريكي المتقدم في أوروبا قبل الأوان، وقبل استغلال تلك القدرات على نحو كامل"، وأكدا أن تصرفا كهذا ينذر بتقويض الردع، ويرسل إشارة خاطئة إلى روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين".
وقال المشرعان: "لقد استجابت ألمانيا لدعوة السيد ترمب إلى تقاسم أكبر للأعباء، حيث زادت الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ ووفرت وصولاً سلساً وقواعد عسكرية، وتغطية جوية للقوات الأمريكية في عملية الغضب الملحمي"، وذلك في إشارة للحرب على إيران التي انطلقت في 28 فبراير/شباط الماضي.
مجلة نيوزويك الأمريكية الشهيرة حرصت على وصف هذا الاعتراض بأنه مهم لأنه يكشف أن الخلاف لم يعد بين أوروبا وترمب وحدهما، بل داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، حيث يوجد من يعتقدون بأن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ليس خدمة مجانية للحلفاء، بل استثمار في النفوذ الأمريكي، وفي منع حرب أوسع وأكثر كلفة.
إذا مضت واشنطن نحو تقليص التزاماتها الأوروبية، فإن أول ما قد تكسبه هو تخفيف جزء من الأعباء العسكرية والمالية.
فالتيار "الترمبي" يرى أن الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات سنويا للحفاظ على وجود عسكري ضخم في الخارج، بينما يمكن توجيه هذه الأموال إلى الداخل الأمريكي.
كما أن تقليص الالتزامات تجاه أوروبا قد يمنح واشنطن قدرة أكبر على التركيز على آسيا، حيث تعتبر الصين التحدي الإستراتيجي الأخطر خلال العقود المقبلة.
هناك أيضا مكاسب تجارية تتعلق باستخدام الأمن كسلعة مساومة من جانب واشنطن للحصول على مزايا اقتصادية من دول أوروبا.
ومن هذا المنظور، فإن الانكفاء الجزئي عن أوروبا لا يعني “عزلة” كاملة، بل إعادة توزيع للموارد نحو المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى بعض المحافظين الأمريكيين أيضا أن الضغط على أوروبا قد يدفعها أخيرا إلى تحمل مسؤولياتها الدفاعية بصورة أكبر، بدلا من الاعتماد شبه الدائم على القوة الأمريكية.
مع ذلك، فإن أي تراجع أمريكي واسع عن أوروبا لا يخلو من مخاطر إستراتيجية كبيرة. فالقوة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية لم تقم فقط على الاقتصاد والسلاح، بل أيضا على شبكة التحالفات الواسعة التي جعلت واشنطن مركز العالم الغربي سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
وأوروبا ليست مجرد حليف عادي، بل أكبر شريك اقتصادي وسياسي للولايات المتحدة، كما أنها تمثل ثقلا دبلوماسيا وتكنولوجيا وصناعيا ضخما.
الاتحاد الأوروبي نفسه كان حريصا في أول رد فعل له عقب قرار واشنطن سحب بعض جنودها من ألمانيا، على التأكيد أن وجود قوات أمريكية في أوروبا يصب أيضا في مصلحة واشنطن.
ويلفت موقع آي بيبر النظر إلى أن القواعد الأمريكية بأوروبا ذات أهمية لوجيستية هائلة لدعم العمليات العسكرية الأمريكية في مناطق كالشرق الأوسط، كما في حالة الحرب الحالية على إيران، ولذلك فإن سحب أعداد كبيرة من القوات من أوروبا من شأنه أن يقوض المصالح الإستراتيجية الأمريكية.
وينقل الموقع البريطاني عن وين ريس، الأستاذ الفخري للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نوتنغهام، تأكيده أن أي تحرك أمريكي في الشرق الأوسط مثلا سيحتاج استقدام أصول من أوروبا، وبالتالي فإن سحب هذه الأصول سيكون بمثابة "قطع أنف أمريكا نفسها"، على حد وصفه.
كما ينقل الموقع نفسه عن نويل حاجيميكائيل، الذي يرأس مركز أبحاث الدفاع والأمن في لندن، تأكيده أن أوروبا قوية، متماسكة، مرنة، وديمقراطية تصب في النهاية في مصلحة أمريكا".
وغرد ليناس كوجالا المتخصص في الشؤون الأوروبية في نفس الاتجاه حيث كتب في نيويورك تايمز قائلا: قد يندم الأمريكيون لاحقا، على إضعاف أحد أهم استثماراتهم الإستراتيجية في أوروبا؛ فالوجود العسكري هناك لا يحمي الأوروبيين وحدهم، بل يمنح واشنطن نفوذا عالميا، وعمقا لوجستيا، وقدرة على إدارة الأزمات من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا.
الأمر لا يقتصر على الجانب العسكري، فالابتعاد عن أوروبا يمكن أن يتسبب بخسائر اقتصادية وتجارية ضخمة خصوصا وأن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة وأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في اقتصادها
ويمكن أن نجمل أبرز التأثرات في نقاط محددة فيما يلي:
في الخلاصة، لا يمكننا حتى الآن القول إن الولايات المتحدة تتجه نحو قطيعة حقيقية مع أوروبا، لكن المؤكد أن العلاقة تمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة.
فالعالم الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يتغير بسرعة، والولايات المتحدة نفسها لم تعد تنظر إلى التحالفات التقليدية بالطريقة ذاتها التي نظرت بها أجيال الحرب الباردة.
ومع صعود الشعبوية والضغوط الاقتصادية والتنافس مع الصين، يتزايد داخل واشنطن تيار يسأل بصوت مرتفع: أليس الانسحاب أقل تكلفة من القيادة؟
هنا نعود إلى بعض ما قاله تيفيك أوزكان للجزيرة نت:
وفي النهاية تبقى المخاوف قائمة من أن الزلزال الذي بدأ بتراشق لفظي بين ترمب وميرتس، وفتح الباب للتعبير عن بعض المسكوت عنه، قد يفضي في النهاية إلى انهيار صرح للأمن العالمي صمد ثمانين عاماً، وهو ما سيعني مزيدا من العواصف العاتية في عالم مضطرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة