تكشف الرؤية الإيرانية أن السيطرة الفعلية على مضيق هرمز تمثل الورقة الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية، وأن من يسيطر على هذا الشريان الحيوي يستطيع فرض وقائع سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا. ولهذا لم يكن الحديث الإيراني عن المضيق مجرد تهديد إعلامي، بل رسالة مباشرة بأن طهران تمتلك القدرة على تعطيل جزء كبير من حركة الطاقة والتجارة العالمية إذا استمرت سياسة الحصار والعقوبات والضغوط العسكرية. ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة إيران برفع الحصار البحري والاعتراف بسيادتها ودورها في المضيق تثبت أنها أصبحت صاحبة اليد العليا في أهم نقطة اختناق استراتيجية في العالم.
كما أن تأجيل الملف النووي إلى أجل غير مسمى يحمل دلالة سياسية عميقة، لأن طهران تحاول القول إن البرنامج النووي لم يعد بنداً قابلاً للابتزاز أو المساومة تحت الضغط، وإن مرحلة التفاوض تحت التهديد قد انتهت. فبدلاً من الدخول في مفاوضات من موقع الدفاع عن حقها في التخصيب، أصبحت تتحدث عن الاحتفاظ الكامل بقدراتها النووية ومخزونها الاستراتيجي، مع إمكانية مناقشة "تنازلات محدودة" فقط بعد توقف الحرب وتقديم ضمانات أمنية حقيقية. وهذه الصيغة تعكس تحولاً واضحاً في ميزان الثقة بالنفس داخل المؤسسة الإيرانية، التي ترى أن سنوات العقوبات والمواجهة لم تؤدِّ إلى كسر إرادة الدولة أو تفكيك مشروعها الاستراتيجي.
الرسائل العسكرية الإيرانية بدورها جاءت لتدعم هذا الخطاب السياسي. فعندما يتحدث مسؤولون عسكريون عن "أدوات وأساليب جديدة"، فإن المقصود هو توسيع نطاق الردع ليشمل أدوات غير تقليدية قادرة على تهديد المصالح الغربية في البحر والبنية التحتية والطاقة والاتصالات. وإيران تدرك أن نقطة ضعف الولايات المتحدة وحلفائها ليست فقط في الخسائر العسكرية المباشرة، بل في الكلفة الاقتصادية العالمية لأي اضطراب طويل الأمد في الخليج. ولذلك تحاول طهران تقديم نفسها كقوة قادرة على إدارة التصعيد وفق إيقاع يرهق خصومها اقتصادياً وسياسياً بدون الانزلاق إلى حرب شاملة غير محسوبة.
في المقابل، تبدو واشنطن أمام معضلة معقدة. فقبول الشروط الإيرانية سيُفسَّر داخلياً وخارجياً على أنه تراجع أمريكي كبير بعد سنوات من سياسة "الضغط الأقصى" والتهديدات العسكرية والعقوبات الخانقة، وسيكون اعترافاً ضمنياً بأن الحصار فشل في إخضاع إيران أو انتزاع تنازلات استراتيجية منها. أما الذهاب نحو تصعيد أكبر، فهو يحمل مخاطر انفجار إقليمي واسع قد يؤدي إلى اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية ويهدد استقرار الممرات البحرية الدولية.
ولهذا ترى طهران أنها نجحت في نقل المواجهة من ساحة العقوبات الاقتصادية إلى ساحة الإرادة السياسية والتحمل الاستراتيجي، حيث تعتقد أن خصومها أقل قدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة في الخليج. ومن هنا يأتي الخطاب الإيراني الذي يركز على فكرة أن "القواعد تُكتب في المنطقة من داخل المنطقة"، في إشارة إلى أن النفوذ الأمريكي لم يعد قادراً على فرض إرادته منفرداً كما كان بعد نهاية الحرب الباردة.
إن أخطر ما في المشهد الحالي بالنسبة لواشنطن ليس فقط صعود الخطاب الإيراني، بل اقتناع طهران بأن الزمن يعمل لصالحها، وأن توازنات القوة الدولية والإقليمية تتغير تدريجياً لمصلحة القوى الرافضة للهيمنة الأمريكية. لذلك تتصرف إيران اليوم وكأنها ليست دولة تسعى لتجنب المواجهة بأي ثمن، بل قوة إقليمية استطاعت الصمود وفرض معادلة ردع والوصول إلى لحظة تملي فيها شروطها السياسية والأمنية من موقع القوة لا من موقع الحاجة.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية