تُثير جزر فوكلاند، الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، جدلاً سياسياً وتاريخياً مستمراً منذ زمن بعيد، إلا أن هذا الجدل عاد إلى الواجهة مؤخراً بعد تسريب وثيقة من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تشير إلى احتمال مراجعة موقف الولايات المتحدة التقليدي الداعم للندن في النزاع القائم بين بريطانيا والأرجنتين حول السيادة على الجزر، رداً على عدم دعم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للحرب في إيران.
وحددت رسالة بريد إلكتروني داخلية في البنتاغون خيارات لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمعاقبة الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لرفضهم الانضمام إلى الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتقترح المذكرة إعادة تقييم الدعم الدبلوماسي الأمريكي لـ"الممتلكات الإمبراطورية" مثل جزر فوكلاند.
وفي الواقع إن الموقف الرسمي للولايات المتحدة من هذا النزاع هو الحياد، مع الاعتراف الفعلي بالسيطرة البريطانية، لكن بشكل غير رسمي، وقدّمت واشنطن دعماً دبلوماسياً وأحياناً عسكرياً للمملكة المتحدة، وقد ظهر ذلك بوضوح في الأحداث التي رافقت الغزو الأرجنتيني عام 1982، ففي البداية، حاولت الولايات المتحدة القيام بدور الوساطة، وعندما فشلت تلك الجهود، قدمت دعماً استخباراتياً، بالإضافة إلى تزويد البريطانيين بصواريخ متقدمة.
ورداً على وثيقة البنتاغون، أعلنت المملكة المتحدة أن السيادة على جزر فوكلاند "ليست محلّ شك"، وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية: "لقد صوتت جزر فوكلاند في السابق بأغلبية ساحقة لصالح البقاء ضمن أراضي المملكة المتحدة ما وراء البحار، وقد قمنا دائما بدعم حق سكان الجزر في تقرير المصير، وحقيقة أن السيادة هي مسؤولية المملكة المتحدة".
وأضاف قائلا: "مسألة جزر فوكلاند وسيادة المملكة المتحدة وحق سكان الجزر في تقرير المصير ليست موضع شك، وقد عبرنا عن هذا الموقف بوضوح وثبات".
جاء ذلك في وقت دعت فيه الأرجنتين المملكة المتحدة إلى إجراء محادثات بشأن جزر فوكلاند، وكتب وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو، على منصة "إكس": "تعرب جمهورية الأرجنتين مرة أخرى عن استعدادها لاستئناف المفاوضات الثنائية مع المملكة المتحدة، التي ستسمح بإيجاد حل سلمي ونهائي للنزاع على السيادة على تلك الجزر، ووضع حد للوضع الاستعماري فيها".
ومن ناحيتها، قالت حكومة جزر فوكلاند إن لديها "ثقة كاملة بالالتزام الذي تعهدت به حكومة المملكة المتحدة بدعم حقنا في تقرير المصير والدفاع عنه".
وتُصنّف الأمم المتحدة جزر فوكلاند كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وهو محل نزاع سيادي بين بريطانيا والأرجنتين، وتدعو المنظمة منذ ستينيات القرن العشرين إلى التوصل إلى حل سلمي عبر المفاوضات الثنائية، مع محاولة الموازنة بين مبدأ حق سكان الجزر في تقرير المصير الذي تستند إليه بريطانيا، ومبدأ وحدة الأراضي الذي تستند إليه الأرجنتين، ورغم استمرار إدراج القضية ضمن ملفات إنهاء الاستعمار، فإن الأمم المتحدة لم تصدر قراراً يغيّر وضع السيادة القائم، تاركة المسألة مفتوحة للتسوية السياسية بين الطرفين.
وفي فعالية للأمم المتحدة حول إنهاء الاستعمار، أشار فيل رندل، عضو المجلس التشريعي في جزر فوكلاند، إلى أنه "عندما بدأ الاستيطان في جزر فوكلاند لأول مرة في منتصف خمسينيات القرن الثامن عشر، كانت بالفعل مستعمرة، تماماً كما كانت الدول المجاورة مثل تشيلي والأرجنتين والبرازيل مأهولة بالمستوطنين القادمين من أوروبا وأجزاء أخرى من العالم". وباختصار، يرى سكان الجزر أن هذا النزاع هو بين أمتين ما بعد الاستعمار.
ورغم موقعها النائي وعدد سكانها المحدود الذي لا يتجاوز بضعة آلاف، فإن جزر فوكلاند تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة، سواء من حيث موقعها البحري أو مواردها الطبيعية المحتملة، خصوصاً النفط والغاز، فضلاً عن ثرواتها السمكية، وهذه الأهمية هي التي جعلت منها محور نزاع طويل بين بريطانيا، التي تسيطر عليها منذ عام 1833، والأرجنتين التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.
تقول دائرة المعارف البريطانية إن جزر فوكلاند إقليم بريطاني يقع في ما وراء البحار جنوب المحيط الأطلسي، ويتمتع بحكم ذاتي داخلي. وتبعد هذه الجزر نحو 480 كيلومتراً شمال شرق الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية، وعلى مسافة مماثلة شرق مضيق ماجلان.
والعاصمة وأكبر بلدة فيها هي ستانلي، الواقعة في جزيرة فوكلاند الشرقية، كما توجد عدة بلدات وقرى صغيرة متناثرة، بالإضافة إلى قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني تقع في ماونت بليزانت، على بُعد نحو 56 كيلومتراً جنوب غرب ستانلي.
وفي أمريكا الجنوبية تُعرف الجزر عادة باسم "إيسلاس مالفيناس"، إذ أطلق عليها المستوطنون الفرنسيون الأوائل اسم "مالوين" أو "مالوفين" عام 1764، نسبة إلى ميناء سان مالو في فرنسا، موطنهم الأصلي.
وتبعد جزر فوكلاند عن السواحل الأرجنتينية حوالي 480 كيلومتراً، بينما تبعد عن بريطانيا نحو 13 ألف كيلومتر، أي أنها تقع جغرافياً أقرب بكثير إلى أمريكا الجنوبية منها إلى أوروبا، رغم ارتباطها السياسي بالمملكة المتحدة.
وتبلغ مساحة هذه الجزر 12200 كيلومتر مربع، وتتكون من جزيرتين رئيسيتين هما فوكلاند الشرقية وفوكلاند الغربية، إضافة إلى مئات الجزر الصغيرة، فيما يبلغ عدد السكان نحو 3600 نسمة، ويتحدث سكان جزر فوكلاند اللغة الإنجليزية، وهم من ذوي الأصول البريطانية، ويختلف نمط الحياة في الجزر بشكل واضح بين ستانلي والمجتمعات الصغيرة المعزولة التي تعمل في تربية الأغنام، ويعيش أربعة أخماس السكان في ستانلي.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن الملاح الإنجليزي جون ديفيس، الذي كان على متن السفينة "ديزاير"، قد يكون أول من شاهد جزر فوكلاند عام 1592، لكن الهولندي سيبالد دي ويردت هو أول من رآها بشكل مؤكد حوالي عام 1600، وقام القبطان الإنجليزي جون سترونغ بأول هبوط مسجّل في الجزر عام 1690، وأطلق اسم "فوكلاند" على الممر البحري بين الجزيرتين الرئيسيتين نسبةً إلى فيسكونت فوكلاند، وهو مسؤول بحري بريطاني، ولاحقاً أُطلق هذا الاسم على كامل مجموعة الجزر.
وأسس المستكشف الفرنسي لويس أنطوان دو بوغانفيل أول مستوطنة في الجزر عام 1764 على جزيرة فوكلاند الشرقية، وأطلق عليها اسم "مالوفين"، وفي عام 1765، كان البريطانيون أول من استقر في جزيرة فوكلاند الغربية، لكن الإسبان، الذين اشتروا المستوطنة الفرنسية حوالي عام 1767، قاموا بطردهم عام 1770.
وبُنيت المستوطنة البريطانية مُجددا في فوكلاند الغربية عام 1771 بعد التهديد بالحرب، إلا أن بريطانيا انسحبت من الجزيرة عام 1774 لأسباب اقتصادية، دون أن تتنازل عن مطالبها بالسيادة على الجزر، واستمرت إسبانيا في الاحتفاظ بمستوطنة في فوكلاند الشرقية التي أسمتها جزيرة سوليداد حتى عام 1811 عندما تخلت عنها عندما سحبت حاميتها إلى البرّ الرئيسي في أمريكا الجنوبية للمساعدة في قمع التمردات المحلية.
وفي عام 1820، أعلنت الأرجنتين، التي استقلت عن إسبانيا عام 1816، سيادتها على جزر فوكلاند، وفي عام 1831، قامت السفينة الحربية الأمريكية "ليكسينغتون" بتدمير المستوطنة الأرجنتينية في فوكلاند الشرقية، وذلك رداً على احتجاز 3 سفن أمريكية كانت تصطاد الفقمات في المنطقة.
وفي أوائل عام 1833، قامت قوة بريطانية بطرد المسؤولين الأرجنتينيين القلائل المتبقين من الجزيرة دون إطلاق رصاصة واحدة، وفي عام 1841، تم تعيين حاكم مدني بريطاني لجزر فوكلاند، وبحلول عام 1885 أصبحت هناك جالية بريطانية في الجزر يبلغ عددها نحو 1800 شخص تعتمد على نفسها اقتصادياً، وكانت الأرجنتين تحتج بشكل منتظم على الاحتلال البريطاني للجزر.
خلال الحرب العالمية الأولى شهدت الجزر معركة في عام 1914 عندما تم إرسال سفينتي قتال بريطانيتين إلى فوكلاند لمطاردة سرب البحرية الألماني التابع للأدميرال غراف فون سبي، والذي كان يشن هجمات على السفن التجارية عبر المحيط الهادئ، وقد هاجم غراف فون سبي ستانلي، لكنه انسحب بعد ذلك، ثم قامت سفن القتال البريطانية الأسرع بملاحقة معظم سفنه وإغراقها.
وبعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت قضية السيادة على جزر فوكلاند إلى الأمم المتحدة، حيث نوقش وضع الجزر عام 1964 من قبل لجنة إنهاء الاستعمار التابعة للأمم المتحدة.
واستندت الأرجنتين في مطالبتها بالجزر إلى المراسيم البابوية لعام 1493 التي عُدّلت بمعاهدة تورديسيلاس (1494)، والتي قسّمت العالم الجديد بين إسبانيا والبرتغال، وإلى مبدأ الوراثة عن إسبانيا، وقرب الجزر من أمريكا الجنوبية، والحاجة إلى إنهاء وضع استعماري.
وفي المقابل، استندت بريطانيا في مطالبتها إلى "حيازتها واحتلالها وإدارتها المستمرة والفعّالة" للجزر منذ عام 1833، وإلى تصميمها على تطبيق مبدأ تقرير المصير لسكان فوكلاند كما هو معترف به في ميثاق الأمم المتحدة.
وأكدت بريطانيا أن الحكم الأرجنتيني والسيطرة على حياة سكان فوكلاند ضد إرادتهم لن يُنهي وضعاً استعمارياً، بل سيخلق واحداً بالفعل.
وفي عام 1965، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو بريطانيا والأرجنتين إلى إجراء مناقشات لإيجاد حل سلمي للنزاع، واستمرت هذه المناقشات المطولة حتى فبراير/ شباط من عام 1982، لكن في 2 أبريل/ نيسان من ذلك العام غزت الحكومة العسكرية الأرجنتينية جزر فوكلاند، وأدى هذا الحدث إلى اندلاع حرب جزر فوكلاند.
تقول دائرة المعارف البريطانية إن حرب جزر فوكلاند دارت بين الأرجنتين وبريطانيا عام 1982، حول السيطرة على جزر فوكلاند (إيسلاس مالفيناس) والجزر التابعة لها، وانتهت بعد 10 أسابيع باستسلام القوات الأرجنتينية في ستانلي للقوات البريطانية التي أعادت احتلال الجزر بالقوة.
ففي أوائل عام 1982، تخلّت الطغمة العسكرية الأرجنتينية بقيادة الجنرال ليوبولدو غالتييري عن المفاوضات الطويلة مع بريطانيا، وبدلاً من ذلك أطلقت غزواً للجزر.
وكان قرار الغزو ذا طابع سياسي في المقام الأول، إذ كانت الحكومة العسكرية في بيونس آيرس والتي تعرضت لانتقادات بسبب سوء الإدارة الاقتصادية وانتهاكات حقوق الإنسان، تعتقد أن "استعادة" الجزر ستوحد الأرجنتينيين خلف الحكومة في موجة من الحماس الوطني.
وفي 2 أبريل/نيسان من عام 1982، غزت القوات الأرجنتينية جزر فوكلاند، وتمكنت سريعاً من التغلب على الحامية الصغيرة من مشاة البحرية البريطانية في العاصمة ستانلي، وقد التزمت هذه القوات بأوامر تقضي بعدم إيقاع خسائر في صفوف البريطانيين، رغم الخسائر التي تكبدتها وحداتها.
وفي اليوم التالي، استولى مشاة البحرية الأرجنتينيون على جزيرة جورجيا الجنوبية، وبحلول أواخر أبريل/ نيسان، كانت الأرجنتين قد نشرت أكثر من 10 آلاف جندي في جزر فوكلاند، إلا أن الغالبية العظمى منهم كانوا مجندين ضعيفي التدريب، ولم يتم تزويدهم بالغذاء أو الملابس أو المأوى المناسب مع اقتراب فصل الشتاء.
وكما كان متوقعاً، تفاعل الشعب الأرجنتيني بشكل إيجابي، حيث تجمعت حشود كبيرة في ساحة بلازا دي مايو أمام القصر الرئاسي للتعبير عن دعمها للمبادرة العسكرية.
ورداً على الغزو، أعلنت الحكومة البريطانية برئاسة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر منطقة حرب بمدى 320 كيلومترا حول جزر فوكلاند، وسرعان ما شكّلت الحكومة قوة بحرية ضاربة تمحورت حول حاملتي طائرات، هما إتش إم إس هيرميس وإتش إم إس إنفنسيبل، إضافة إلى سفينتي رحلات تم تحويلهما لنقل القوات، وهما كوين إليزابيث 2 وكانبيرا، وأبحرت حاملتا الطائرات من بورتسموث في 5 أبريل/ نيسان، وتم تعزيز القوة أثناء الطريق.
وأعربت معظم الدول الأوروبية عن دعمها لبريطانيا، كما تم سحب المستشارين العسكريين الأوروبيين من القواعد الأرجنتينية، وفي المقابل، تعاطفت معظم حكومات أمريكا اللاتينية مع الأرجنتين، وكان الاستثناء البارز هو تشيلي، التي أبقت حالة تأهب تجاه جارتها بسبب نزاع حول جزر في قناة بيغل.
وأدّى التهديد المُتصوَّر من جانب تشيلي إلى إبقاء الأرجنتين معظم قوات النخبة على البرّ الرئيسي، بعيداً عن مسرح العمليات في جزر فوكلاند، إضافةً إلى ذلك، كان المخططون العسكريون الأرجنتينيون يعتقدون أن الولايات المتحدة ستظل محايدة في النزاع، لكن بعد فشل محاولات الوساطة، قدّمت الولايات المتحدة دعماً كاملاً لبريطانيا، حيث سمحت لحليفتها في حلف الناتو باستخدام صواريخ جو-جو، ومعدات الاتصالات، ووقود الطائرات، وغيرها من المخزونات العسكرية في جزيرة أسينشن الخاضعة للسيطرة البريطانية، فضلاً عن التعاون في مجال الاستخبارات العسكرية.
وفي 25 أبريل/ نيسان، وبينما كانت القوة البحرية البريطانية تتجه بسرعة نحو منطقة الحرب عبر جزيرة أسينشن، تمكنت قوة بريطانية أصغر من استعادة جزيرة جورجيا الجنوبية، وخلال العملية تم الاستيلاء على إحدى الغواصات الأرجنتينية القديمة.
وفي 2 مايو/ آيار، تم إغراق الطراد الأرجنتيني القديم "جنرال بلغرانو" خارج منطقة الحرب بواسطة غواصة بريطانية تعمل بالطاقة النووية، وبعد هذا الحدث المثير للجدل، تم إبقاء معظم السفن الأرجنتينية الأخرى في الموانئ، واقتصر دور البحرية الأرجنتينية على سلاحها الجوي وإحدى غواصاتها الأحدث المصنوعة في ألمانيا، وقد شكّلت الأخيرة تهديداً أكبر مما كان متوقعاً للأسطول البريطاني، حيث شنت هجمات بطوربيدات كادت أن تصيب أهدافها، لكنها فشلت في النهاية.
وفي هذه الأثناء، خاضت القوة البحرية البريطانية والقوات الأرجنتينية المتمركزة على البر معارك ضارية، وكانت الطائرات الأرجنتينية تتكون أساساً من عشرات من المقاتلات القاذفة الأمريكية والفرنسية القديمة، والمسلحة فقط بقنابل تقليدية شديدة الانفجار، ودون امتلاكها وسائل تشويش إلكتروني أو رادار لتحديد الأهداف.
وكانت البحرية الأرجنتينية قد تسلمت قبل الغزو عدداً محدوداً من طائرات الهجوم الفرنسية الحديثة من طراز "سوبر إتندارد"، المجهزة بصواريخ "إكزوست" المضادة للسفن الحديثة، ورغم قلة عددها، فقد أثبتت هذه الطائرات أنها شديدة الخطورة.
أما بالنسبة للبريطانيين، فقد كانت المشكلة الرئيسية هي اعتمادهم على حاملتي طائرات، إذ إن فقدان إحداهما كان سيجبرهم على الانسحاب شبه المؤكد، وكانت التغطية الجوية محدودة بنحو 20 طائرة بحرية قصيرة المدى من طراز "سي هارير" مزودة بصواريخ جو-جو، ولتعويض نقص التغطية الجوية بعيدة المدى، تم نشر قوة حماية من المدمرات والفرقاطات أمام الأسطول للعمل كنقاط إنذار راداري متقدمة، ولم تكن جميعها مجهزة بأنظمة دفاع جوي كاملة لإسقاط الصواريخ القادمة، مما جعل السفن البريطانية عرضة للهجوم.
وفي 4 مايو/ آيار، تمكنت الأرجنتين من إغراق المدمرة البريطانية "إتش إم إس شيفيلد" بصاروخ "إكزوست"، في المقابل، فقدت الأرجنتين ما بين 20 إلى 30 في المئة من طائراتها خلال القتال.
وبعد الخسائر التي لحقت بها، لم تعد القوات الأرجنتينية قادرة على منع البريطانيين من تنفيذ إنزال برمائي في الجزر، وبافتراضهم أن الهجوم البريطاني سيكون مباشراً، قام الجنرال الأرجنتيني ماريانو منينديث، بتركيز قواته حول العاصمة ستانلي.
لكن بدلاً من ذلك، قرر قائد القوة البحرية البريطانية، الأدميرال جون وودوارد، وقائد القوات البرية، الجنرال جيريمي مور، تنفيذ الإنزال الأولي قرب ميناء سان كارلوس على الساحل الشمالي لجزيرة فوكلاند الشرقية، ثم شن هجوم بري باتجاه ستانلي، وقد قدّرا أن ذلك سيجنب وقوع خسائر بين المدنيين البريطانيين والقوات البريطانية.
ونزلت القوات البريطانية دون مقاومة في 21 مايو/ آيار، لكن المدافعين الأرجنتينيين، الذين بلغ عددهم نحو 5 آلاف جندي، سرعان ما نظموا مقاومة فعّالة، مما استلزم قتالاً عنيفاً لإضعافها.
وفي الوقت نفسه، واصلت القوات الجوية الأرجنتينية هجماتها على الأسطول البريطاني، حيث تمكنت من إغراق فرقاطتين، ومدمرة، وسفينة حاويات كانت تنقل مروحيات، وسفينة إنزال كانت تُفرغ قواتها، كما ألحقت أضراراً بعدة فرقاطات ومدمرات أخرى.
ومع ذلك، لم تتمكن القوات الأرجنتينية من إلحاق الضرر بحاملتي الطائرات البريطانيتين أو إغراق عدد كافٍ من السفن لتهديد العمليات البرية البريطانية، كما خسرت جزءًا كبيراً من طائراتها المتبقية، إضافة إلى مروحياتها المتمركزة في فوكلاند وطائرات الهجوم الخفيفة.
ومن رأس الجسر في ميناء سان كارلوس، تقدمت القوات البريطانية من المشاة بسرعة نحو الجنوب في ظروف جوية شديدة السوء، للاستيلاء على منطقتي داروين وغوس غرين، وبعد عدة أيام من القتال العنيف، الذي وصل في بعض مراحله إلى القتال اليدوي، ضد قوات أرجنتينية مصممة كانت متحصنة على طول عدة مرتفعات، نجح البريطانيون في السيطرة على المرتفعات الواقعة غرب ستانلي واحتلالها.
ومع تطويق القوات البريطانية للعاصمة والميناء الرئيسي وفرض الحصار عليهما، أصبح من الواضح أن الحامية الأرجنتينية الكبيرة هناك قد قُطعت عنها الإمدادات ويمكن إنهاكها بالتجويع.
ولذلك، استسلم منينديث في 14 يونيو/ حزيران، مما أنهى فعلياً الصراع، وفي 20 يونيو/ حزيران، قامت القوات البريطانية بإزالة حامية أرجنتينية صغيرة من إحدى جزر ساندويتش الجنوبية، الواقعة على بُعد نحو 800 كيلومتر جنوب شرق جورجيا الجنوبية.
وفي وثائقي لبي بي سي في عام 2002، قال ريتشارد بيرل، مساعد وزير الدفاع الأمريكي آنذاك: "كانت بريطانيا على الأرجح ستخسر الحرب بدون المساعدة الأمريكية، هذا هو مدى أهمية تلك المساعدة".
لكن قرار الوقوف إلى جانب المملكة المتحدة لم يكن أبداً بسيطاً، فالكثيرون في الولايات المتحدة لديهم عداء غريزي لما يعتبرونه إرثاً استعمارياً، ورغبة في الحفاظ على النفوذ في أمريكا اللاتينية.
وقد ظهر هذا التناقض في تقرير سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، والذي ذكر أن دعم الولايات المتحدة لبريطانيا قد يعني أن "العلاقات مع عدة دول في أمريكا اللاتينية ستكون على الأرجح باردة لعدة سنوات"، ومع ذلك، ناقش التقرير نفسه أيضاً ما وصفه بـ"الطبيعة الخاصة للعلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وبريطانيا".
لقد أسر البريطانيون خلال الحرب نحو 11400 أسير أرجنتيني، وتم إطلاق سراحهم جميعاً لاحقاً، وأعلنت الأرجنتين أن نحو 650 عسكريا لقوا حتفهم، كان حوالي نصفهم في غرق السفينة "جنرال بلغرانو"، في حين بلغت خسائر بريطانيا 255 جندياً، فضلا عن 3 مدنيين فوكلانديين.
وقد تعرضت الحكومة العسكرية الأرجنتينية لضرر شديد في سمعتها بسبب فشلها في إعداد قواتها ودعمها خلال الغزو الذي أمرت به، مما أدى إلى عودة الحكم المدني إلى الأرجنتين عام 1983.
في المقابل، تمكنت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر من تحويل الدعم الوطني الواسع إلى فوز ساحق لحزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية عام 1983
وعلى الرغم من أن بريطانيا والأرجنتين أعادتا إقامة علاقات دبلوماسية كاملة عام 1990، فإن مسألة السيادة على جزر فوكلاند ظلت موضع خلاف، وقد واصلت بريطانيا الإبقاء على نحو 2000 جندي في الجزر.
وفي يناير/ كانون الثاني من عام 2009 دخل دستور جديد حيّز التنفيذ، مما عزز الحكم الديمقراطي المحلي في جزر فوكلاند، واحتفظ لسكان الجزر بحقهم في تقرير الوضع السياسي للإقليم.
وفي فبراير/ شباط من عام 2010، تصاعدت التوترات بين بريطانيا والأرجنتين عندما بدأت شركة بريطانية في استكشاف النفط بالقرب من مياه جزر فوكلاند.
وفي استفتاء أُجري في مارس/ آذار من عام 2013، صوّت سكان الجزر بأغلبية ساحقة للبقاء إقليماً بريطانياً ما وراء البحار.
وهكذا، دعمت الولايات المتحدة من قبل الموقف البريطاني في النزاع حول فوكلاند، لكن تغيرت الكثير من الأمور منذ حرب 1982، فقد تعرضت العلاقات الأمريكية البريطانية لاختبارات غير مسبوقة، حيث بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر عدوانية تجاه السير كير ستارمر، بعد رفضه الانضمام إلى حرب إيران.
وفي الوقت نفسه، فإن ترامب مُعجب برئيس الأرجنتين خافيير ميلي حيث يتحدث الرجلان عن بعضهما البعض بلهجة ودية، وتجمع بينهما أوجه تشابه أيديولوجية إضافة إلى أسلوب شخصي متقارب.
فهل ستغير الولايات المتحدة موقفها من هذه القضية؟ هذا أمر غير مؤكد، لكن المؤكد أن وثيقة البنتاغون المُسربة تثير صدى أكبر بكثير في المملكة المتحدة مقارنة بالولايات المتحدة، وربما يكون هذا هو المقصود في النهاية، فلقد أظهر الرئيس ترامب مراراً رغبته في استخدام الدبلوماسية القائمة على المصالح والصفقات للضغط على كل من الحلفاء والخصوم، وهو يدرك أن جزر فوكلاند تمثل نقطة ضغط بالنسبة للمملكة المتحدة، لكنها غير مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، وهو ما يراه فرصة لامتلاك ورقة ضغط إضافية.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة