في تطور وُصف بأنه منعطف محوري في العلاقات بشأن الطاقة داخل منطقة غرب أفريقيا والساحل ، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنّ مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الكبرى (TSGP)، سيدخل المرحلة العملية مباشرة بعد شهر رمضان المقبل، في خطوة تعيد إحياء واحد من أضخم المشاريع الإستراتيجية في القارة، والمجمّد منذ سنوات طويلة.
جاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي أعقب محادثات اليوم الاثنين (16 فبراير/ شباط 2026) بقصر المرادية عقده تبون مع رئيس النيجر عبد الرحمن تياني، حيث كشف تبون عن أن شركة سوناطراك ستتولى إطلاق الأشغال الأولية لمدّ الأنبوب عبر الأراضي النيجيرية، قائلاً إن "المرحلة الجديدة ستنتقل من التصورات إلى التجسيد الفعلي على الأرض".
يمتد مشروع الغاز العابر للصحراء، الذي تمّ توقيع اتفاقيات تسريعه في فبراير/ شباط 2025، على مسافة تزيد عن 4000 كيلومتر من نيجيريا مرورًا بالنيجر وصولًا إلى الجزائر ، بهدف نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الشبكة الجزائرية.
ورغم أنه طُرح منذ التسعينيات، فإنّه ظلّ رهيناً لاعتبارات أمنية ومالية، قبل أن يعاد إحياؤه تدريجيًا تحت ضغط المتغيرات الجيوسياسية في سوق الطاقة.
ويبدو أن الحرب في أوكرانيا وما تبعها من سعي أوروبي لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي ، ساهمت في وضع المشروع مجددًا على الطاولة، و منحت الجزائر فرصة لتثبيت موقعها كمزوّد بديل للطاقة، خصوصًا في ظل علاقات طاقة متينة بنتها مع دول أوروبية وعلى رأسها إيطاليا.
يمرّ مسار الأنبوب عبر مناطق تُعدّ من الأكثر هشاشة أمنيًا في العالم، حيث تنشط جماعات مسلحة مثل بوكو حرام و"داعش" (ما يعرف بولاية غرب أفريقيا) إضافة إلى انتشار العصابات المسلحة في شمال نيجيريا والنيجر. وهذه التهديدات تعتبر من أكبر المخاطر التي قد تعرقل تنفيذ المشروع أو تشغيل الأنبوب، بحسب ورقة بحثية العام الماضي لـ" IRE Journals"
كما أشارت تقارير أخرى إلأى وضعية الأمن على مسار المشروع كمصدر قلق ، منذ أزمة احتجاز مئات الأشخاص كرهائن في عين بالجزائر عام 2013، من قبل متطرفين إسلامويين. وكان هؤلاء الرهائن، وهم من جنسيات مختلفة يعملون في حقل استخراج الغاز هناك.
كذلك يعتبر المشروع من أضخم مشاريع الطاقة في أفريقيا، مما يعني حاجته إلى استثمارات بمليارات الدولارات. وتشير التحليلات إلى أن حذر المستثمرين الأجانب، والانكماش الاقتصادي في المنطقة، وارتفاع ديون بعض الدول المعنية – خصوصًا نيجيريا ، يمثل تحديًا ماليًا حقيقيًا، بحسب "IRE Journals".
وبدا الرئيس الجزائري اليوم الاثنين حريصًا على التأكيد أن العلاقات بين الجزائر والنيجر تدخل الآن مرحلة أكثر ديناميكية بعد سنوات من الفتور، قائلاً إن "الروابط بين الشعبين بقيت ثابتة رغم الفترات الصعبة".
وأعلن تبون عن توافق شامل مع النيجر في ملفات الأمن والتكوين والجامعات، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد سرعة أكبر في تنفيذ البرامج المشتركة.
ويكتسب هذا التنسيق الأمني أهمية خاصة بالنظر إلى حساسية الوضع في منطقة الساحل، حيث تتقاطع تهديدات الجماعات المسلحة مع مصالح الطاقة والبنى التحتية العابرة للحدود. وفي هذا السياق، جدّد تبون استعداد بلاده لمرافقة النيجر بخبرتها في مكافحة الإرهاب، معتبراً أن تطابق الرؤى بين البلدين عنصر قوة في إنجاح مشاريع كبرى مثل خط الغاز.
من جهته، قدّم رئيس النيجر عبد الرحمن تياني زيارته إلى الجزائر كإشارة سياسية على رغبة مشتركة في بناء تعاون استراتيجي عميق يتجاوز الملفات التقليدية. وقال إن البلدين يعملان على إطلاق شراكات في الاقتصاد والطاقة والتجارة والبنى التحتية والصحة والتكوين، مع "أولوية خاصة" لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.
وشدد تياني على أن استقرار الساحل يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح المشروع، داعيًا إلى تنسيق أكبر بين الجزائر والنيجر لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعرقل التنمية الإقليمية.
تتجاوز أهمية النيجر كونها مورداً أساسياً لليورانيوم، إذ تضعها دول أوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا، كحلقة محورية في مشروع نقل الغاز من نيجيريا عبر الساحل والجزائر وصولاً إلى أوروبا. وتواصل رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مفاوضاتها مع الجزائر ونيجيريا وعدة دول في الساحل ضمن إطار "خطة ماتي" لتعزيز دور إيطاليا في مجال الطاقة.
لكن الانقلابات العسكرية في النيجر، وآخرها الانقلاب على الرئيس السابق محمد بازوم عام 2023، تشكل تهديداً جدياً لهذه الرؤية؛ فاضطراب النيجر قد يعرّض البنى التحتية للطاقة للخطر، ما قد يجعل إيطاليا الخاسر الأكبر بالنظر إلى استثمارات "إيني" الواسعة ورهانها على لعب دور قيادي في أمن الطاقة الأوروبي.
ويرى محللون بأن الموقف الإيطالي الذي عبر عنه وزير الخارجية أنتونيو تاجاني بمعارضة التدخل العسكري ضد الانقلابيين في النيجر، بخلاف الموقف الفرنسي، تقف وراءه أهداف روما الطموحة في قطاع الطاقة ومشاريعها في نيجيريا وموزمبيق والكونغو وأنغولا. وتعتبر غازبروم الروسية منافسا رئيسيا لـ "إيني" الإيطالية في أسواق الطاقة الأفريقية.
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW