الإضراب الفوري الذي نفذه عمال الشركة لم يكن رد فعل عاطفيا فقط، بل كان إشارة داخلية واضحة على أن القرار فُرض من أعلى، تحت ضغط الخسائر والخوف، لا ضمن رؤية نمو طويلة الأجل.
عندما يحتج الموظفون قبل أن يجف حبر الصفقة، فهذا يعني أن الجميع يدرك أن البيع ليس انتصارا بل هروبا منظما.
البيئة التشغيلية التي تعمل فيها ZIM منذ اندلاع التوتر في البحر الأحمر انقلبت رأسا على عقب. طرق الملاحة التي كانت تُدار بمنطق الكفاءة والسرعة أصبحت تُدار بمنطق النجاة وتقليل الخسائر.
تحويل مسارات السفن بعيدا عن باب المندب ليس قرارا بسيطا في عالم الشحن. هذا التحويل يعني أيام إضافية في البحر، استهلاك وقود أكبر، عقود تأمين أثقل، ومواعيد تسليم تتآكل. في صناعة تقوم على الهوامش الدقيقة، هذه التغيرات كفيلة بتحويل الأرباح إلى خسائر في وقت قياسي.
ثم جاءت الضربة الأشد من حيث لا ترغب أي شركة مدرجة في التعامل معها: المخاطر السياسية المباشرة. العقوبات التي أعلنتها صنعاء على السفن والشركات المرتبطة بإسرائيل لم تكن رمزية، بل حملت أثرا عمليا على قرارات التأمين، وشهية الشركاء، واستعداد الموانئ للتعامل.
في لغة الأعمال، هذا اسمه “ارتفاع غير قابل للتسعير في المخاطر”. عندما لا تستطيع تسعير الخطر، لا تستطيع العمل بثقة، ولا التخطيط، ولا حتى الدفاع عن نفسك أمام المستثمرين.
صفقة البيع لتحالف تقوده Hapag-Lloyd تكشف بوضوح أن ZIM لم تعد ترى نفسها قادرة على الصمود منفردة. الشركة الألمانية ليست جمعية خيرية، وهي لن تدفع أكثر من 3.5 مليار دولار بدافع العاطفة.
ما تريده هو الأصول، الشبكات، الحصة السوقية، وربما الاسم، لكن بشروط جديدة وهيكلة مختلفة. هنا يكمن سبب القلق العمالي: أي عملية استحواذ في هذا الحجم تعني تلقائيا إعادة ترتيب، دمج، تقليص، وربما الاستغناء عن أعداد ليست قليلة من الموظفين. الحديث عن “تهديد مباشر للمستقبل الوظيفي” ليس مبالغة نقابية، بل قراءة واقعية لتجارب سابقة في القطاع.
الأهم من الصفقة نفسها هو ما تقوله عن مستقبل قطاع الشحن الإسرائيلي ككل. إذا كانت واحدة من أكبر شركاته تضطر للبيع في ذروة أزمة إقليمية، فهذا يعني أن القطاع بات هشّا أمام المتغيرات الجيوسياسية.
لم يعد الأمر يتعلق بمنافسة تجارية أو أسعار نقل، بل بالقدرة على العمل أصلا في ممرات بحرية باتت مسيسة، مراقبة، ومهددة. هذه بيئة لا تحبها الأسواق، ولا تصبر عليها البورصات.
تزامن الإضراب مع الإعلان عن البيع ليس تفصيلا عابرا. هو انعكاس لحالة عدم يقين داخلية، وشعور عام بأن القرار اتُّخذ لإطفاء حريق آني، لا لبناء مسار مستقر.
من منظور إدارة الأزمات، قد يكون البيع أقل الخيارات سوءا، لكنه يظل خيارا دفاعيا. الشركة لم تبِع وهي في موقع قوة، بل وهي تحاول تقليل النزيف قبل أن يتحول إلى انهيار كامل في القيمة السوقية والثقة.
أما على مستوى البحر الأحمر، فالصفقة ترسل إشارة غير مطمئنة للأسواق العالمية. عندما تبدأ الشركات بإعادة تموضع جذري، فهذا يعني أن التوتر لم يعد يُنظر إليه كحدث عابر، بل كواقع ممتد.
استمرار هذا الواقع يعني أن مزيدا من الشركات ستعيد الحسابات، وتبحث عن شراكات، أو تنسحب، أو ترفع الأسعار على الجميع. في النهاية، الكلفة ستنتقل إلى سلاسل الإمداد العالمية، ثم إلى المستهلك، وهذا ما تفهمه العواصم جيدا حتى لو لم تعترف به علنا.
الخلاصة الصريحة: بيع ZIM ليس قصة شركة تعثرت فقط، بل مرآة لمرحلة جديدة في البحر الأحمر، حيث السياسة تفرض شروطها على التجارة، وحيث من لا يملك هامش أمان واسع، سيُجبر على البيع أو الاختفاء. هذه ليست نهاية الأزمة، بل دليل إضافي على أنها ما زالت في بدايتها.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية