الخرطوم- بعد نحو 5 أشهر من طرحها خارطة طريق لحل الأزمة السودانية، تعتزم الإدارة الأمريكية التي تقود المجموعة الرباعية التي تضم السعودية ومصر والإمارات، تقديم مقترح إلى الأمم المتحدة بعد غد الأربعاء لآلية هدنة إنسانية بين الجيش السوداني و قوات الدعم السريع.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، طرحت المجموعة الرباعية خطة لهدنة إنسانية مدتها 3 أشهر تمهيدا لوقف دائم لإطلاق النار يمهد بدوره لفترة انتقالية من 9 أشهر، لكنها اصطدمت برفض الطرفين لها، بحسب تصريح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وقال بولس، في مقابلة مع الجزيرة أمس الأحد، "ستجرى محادثات جدية بشأن السودان خلال أيام، وسوف تكون هناك إجراءات وتحركات لوقف الحرب"، كاشفا عن "وجود لائحة من العقوبات والأدوات التي يمكن استخدامها إذا لزم الأمر".
وفي كلمة له أمام مؤتمر ميونخ للأمن في 13 فبراير/شباط الجاري، أشار بولس إلى عزم واشنطن مواصلة الضغط للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في السودان، لافتا إلى أن اجتماعا سيعقد الأسبوع المقبل في الأمم المتحدة في هذا الشأن لتحديد إطار للمناقشات المقبلة. وقال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "قلق ويريد أن تنتهي الحرب في السودان بأقرب وقت".
وكشفت مصادر سيادية سودانية، للجزيرة نت، أنه منذ طرح المجموعة الرباعية خطتها للسلام، وصلت للحكومة 5 أوراق ردت على الأولى والأخيرة، و"ما تبقّى منها لم يكن يعبّر عن المجموعة".
وأوضحت المصادر -التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها- أن رد الحكومة استند على خطتها للسلام التي سلمتها للأمم المتحدة في مارس/آذار 2025، وتم تجديدها من رئيس الوزراء كامل إدريس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، وأخيرا أمام مؤتمر ميونخ للأمن.
وخلال المؤتمر، قال كامل إدريس، أول أمس السبت، إن الحكومة السودانية ليس لديها على طاولتها أي مقترح ملموس لوقف إطلاق النار حتى الآن، أو خطة كاملة للسلام.
وأكد أن وقف إطلاق النار وحده غير كافٍ لإنهاء الحرب في البلاد، مشددا على أن ذلك يجب أن يقترن بإجراءات حقيقية تؤسس للسلام والاستقرار في البلاد.
وأوضح أن وقفا شاملا لإطلاق النار يجب أن يتزامن مع انسحاب "المقاتلين المتمردين" ونزع سلاحهم وترتيبات أمنية أخرى لضمان عدم عودة العنف من جديد، محذرا من أن أي هدنة قصيرة دون هذه التدابير ليست لها فرصة للنجاح وقد تؤدي إلى تجدد القتال.
وفي الشق السياسي، نشطت "الآلية الخماسية"، التي تضم الاتحاد الأفريقي ومنظمة " إيغاد" و الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة و جامعة الدول العربية، بهدف الوصول إلى انتقال سياسي نحو حكم مدني، ومحاصرة الأزمة بالسودان وتقريب الشقة بين الفرقاء تمهيدا لإطلاق عملية سياسية تبحث مستقبل الحكم في البلاد.
ودعت الآلية الأطراف المعنية إلى اغتنام الفرصة التي تتيحها الجهود المبذولة حاليا للتوسط في هدنة إنسانية وخفض التصعيد فورا، لمنع مزيد من الخسائر في الأرواح وتمكين وصول المساعدات المنقذة للحياة، مع اقتراب شهر رمضان المبارك.
وأعربت، في بيان صحفي، عن قلقها البالغ إزاء التصعيد المستمر للنزاع في السودان، ودعت إلى الوقف الفوري لأي تصعيد عسكري إضافي.
وأجرت الآلية الخماسية مشاورات منفصلة على هامش أعمال القمة الأفريقية التي عُقدت، يومي 14 و15 فبراير/شباط الجاري بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مع التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" برئاسة عبد الله حمدوك، وتحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الذي تقوده قوات الدعم السريع، واختتمتها مع قوى سياسية موالية للجيش أمس الأحد.
وذكر وفد "صمود"، في بيان، أنهم طرحوا رؤية لكيفية إحلال السلام وربط مسارات وقف إطلاق النار والمسار الإنساني والحوار السياسي، كما شدد وفد التحالف على أهمية التنسيق بين الآلية الخماسية والمبادرة الرباعية والدول الأخرى التي تنخرط في جهود السلام.
يرى الكاتب والباحث عباس محمد صالح أن مبادرة "المجموعة الرباعية" منذ طرحها، أثارت جدلا واسعا، في ظل استمرار عجزها عن إحداث اختراق ملموس، وتحولت الأزمة الإنسانية إلى أداة ضغط في الصراع، كما وُظفت الدعوة إلى هدنة كأداة سياسية وإعلامية لتحميل الخرطوم كلفة إنسانية وأخلاقية لاستمرار الصراع.
ويعتقد صالح، في حديث للجزيرة نت، أن الصراع في السودان كشف بوضوح محدودية وهشاشة الآليات الإقليمية والدولية، وضعف إدراكها لطبيعة الصراع وعجزها عن بلورة مقاربات ناجعة للتعامل معه.
ويعزو فشل معظم المبادرات والجهود إلى افتقارها للحياد، وتجاهلها تحديد الفاعلين الخارجيين الذين يؤججون الصراع عبر توظيف أطراف محلية، بما أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وأسهم في تعقيد الأزمة وتعميق تداعياتها، وأضعف فرص التوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة للنزاع.
أما المحلل السياسي خالد عبد الله، فيعتقد أن المستشار الأمريكي مسعد بولس يواجه ضغوطا لإحراز تقدم ملموس في الملف السوداني بعد مراوحة جهوده مكانها خلال المرحلة السابقة، لافتا إلى أن أي إخفاق جديد سيُضعف موقعه بعد انتقادات بات يواجهها من خبراء ودبلوماسيين أمريكيين سابقين.
ووفقا لحديث المحلل عبد الله للجزيرة نت، فإنه على رغم تصريحات بولس المتفائلة عن تقدم إيجابي في جهود وقف إطلاق النار، تبدو اتصالاته مع قيادتي الجيش والدعم السريع متعثرة لتباعد مواقف الطرفين بشأن متطلبات الهدنة الإنسانية، وغياب رؤية كاملة لتسوية الأزمة وعدم تناغم مواقف دول المجموعة الرباعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة