إن كان هناك من اسم واحد يُشكّل عمله جسرا بين الصحافة والفن في إيطاليا فذلك سيكون حتما دانييلي بياكيسي الذي يُعد واحدا من أهم الأصوات في المشهد الإعلامي والثقافي الإيطالي المعاصر.
من مواليد ميلانو عام 1957، بياكيسي هو صحفي استقصائي وكاتب تركّز أعماله على الذاكرة التاريخية مستخدما الإذاعة والكتابة والمسرح لمواجهة النسيان الجماعي. وعمل منذ عام 1976 في العديد من المحطات الإذاعية الرائدة، ورأس تحرير أهم منابرها.
يجمع بياكيسي في عمله بين الإعلام والنشاط الثقافي المدني، إذ يتميز أسلوبه بالمزج بين التحقيق الصحفي والسرد الفني لإحياء الذاكرة الوطنية. ساهم في تعزيز الوعي الثقافي بقضايا مكافحة المافيا والإرهاب، والمقاومة، من خلال أكثر من أربعين كتابا، ومسرحية وفيلما وثائقيا.
صدر له مطلع هذا الشهر عن مطبوعات مجلة LEFT الطبعة الثانية من كتابه "صلاة مدنية للمقاومة ـ رحلة لأماكن المناضلين"، العمل الذي تحول إلى مشروع شامل يوثّق النضال الإيطالي ضد الاحتلال النازي والديكتاتورية الفاشية إلى غاية التحرير، وهي الذكرى التي تحتفل بها إيطاليا في 25 أبريل/نيسان بوصفه عيدا وطنيا.
اليوم أكثر من أي وقت مضى لا بد من نقل ذكرى المقاومة الإيطالية التي كانت نضالا من أجل التحرر من الديكتاتورية الفاشية والاحتلال النازي، وذلك عبر مختلف وسائل التعبير (المسرح، السينما، والكتابة). إذ لا تكفي استعادة ذكرى المقاومة في 25 أبريل/نيسان فقط؛ بل ينبغي علينا ترسيخ ذاكرة حية. فأنا عندما أروي لكم قصة، ستروونها بدوركم أنتم لأبنائكم وأحفادكم وأصدقائهم. فطالما بقينا نروي قصص المجازر، والمذابح ضد المدنيين، والانتهاكات التي تعرضوا لها عبر الزمن، لن تموت هذه القصص أبدا.
لكن عندما يتوقف أحدهم عن سرد هذه القصص، التي تمتد عبر التاريخ، فإنها ستموت مرتين: مرة مع الشعب ومرة مع لحظة الظلم القاسية تلك. وهذا ما ينطبق أيضا على الشعب الفلسطيني.
أُجدد اليوم تضامني مع زملائي الذين قُتلوا أثناء قيامهم بمهامهم في تغطية الأحداث وكشف الحقيقة عما حدث وما زال يحدث في غزة وفي أجزاء كثيرة من العالم. إسرائيل استخدمت كل الوسائل لمنع الرد على طلبات الإنابة القضائية من السلطات الإيطالية، وطويت بذلك القضية.
في عام 2007 ألّفت ونشرت كتاب "شغف المراسل"، وهو كتاب يضم قصص إيلاريا ألبي وميران هروفاتين (مراسلا قناة TG3 في مقديشو، اللذان قُتلا لكشفهما عمليات تهريب أسلحة ومواد سامة تورطت فيها جهات إيطالية)، وماريا غراتسيا كوتولي (مراسلة صحيفة "كورييري ديلا سيرا" في أفغانستان)، وأنطونيو روسو (مراسل إذاعة "راديكالي" في الشيشان)، وإنزو بالدوني (صحفي مستقل غادر إلى العراق ولم يعد)، ورافاييلي تشيرييللو (الذي قُتل على يد الإسرائيليين في رام الله).
كل هؤلاء لم تُنصفهم العدالة. بل كشف التحقيق في مقتل تشيرييللو عن اسم الجندي الإسرائيلي الذي أطلق النار عليه من مدفع دبابته وأرداه قتيلا بينما كان يوثق القمع الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بكاميرا فيديو.
هذا هو الأسلوب الإسرائيلي في التعامل مع الصحفيين حتى قبل وصول نتنياهو إلى السلطة بزمن، وهو نفسه اليوم. وفي مواجهة هذه الإبادة الجماعية الصارخة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، التزمت الصحافة الصمت المطبق وبقيت عاجزة، عن عمد، عن فعل أي شيء. لقد ناضلت وسأواصل النضال من أجل ترسيخ التفكير النقدي، الذي يُعدّ أساس الصحافة الاستقصائية الحرة.
أؤمن إيمانا راسخا بالثورات الثقافية، وبالتالي باستخدام علم الدلالة كوسيلة لمواجهة أي شكل من أشكال التحريف أو الانقلاب. لقد صاغ العديد من المؤرخين والصحفيين، من اليمين واليسار، مصطلح "الحرب الأهلية" لوصف "نضال التحرير"، والنتيجة هي ما نراه اليوم. ففي إيطاليا وفرنسا، وحتى ألمانيا، تبلورت نماذج سياسية وأيديولوجية تعود إلى الحقبة الشمولية في القرن الماضي.
ويحدث هذا أيضا في الولايات المتحدة مع دونالد ترامب من خلال أنشطة منظمات لعبت لاحقا دورا كبيرا في محاولة انقلاب 6 يناير/كانون الثاني 2021، وهذا المشروع نفسه يتجسد منذ زمن طويل في إسرائيل. فأنت عندما تُنظّر لإبادة شعب كامل كالفلسطينيين، ما الذي تحققه عمليا على الأرض؟ ما شهدناه في غزة هو نتاج هذه الأيديولوجية الشمولية التي تفرض الاحتلال القسري للأراضي على حساب المدنيين.
نعم، هذا ما كان يكتبه النازيون في ملصقات عُلّقت على جدران مدننا Achtung Banditen "قُطّاع طرق"، وهكذا كان يصف الفاشيون المقاتلين والمدنيين الذين اعتُقلوا ونكّل بهم. لكن التاريخ أنصف هؤلاء وأعاد توزيع الأدوار، حتى إن لم يتم ذلك على نحو كافٍ تماما، وذلك لأن أغلب المثقفين اختاروا عدم المشاركة في الصراع، والأسوأ من ذلك، انحيازهم إلى المعتدين.
كانت المقاومة الإيطالية حركة سياسية وثقافية، ثم مسلّحة. انبثقت من أفكار مناهضي الفاشية المحتجزين في فينتوتيني وبونزا وليباري وأوستيكا، والمعتقلين في السجون حتى من داخل الجيش الفاشي نفسه. كانت تمثل أقلية عددية (250 ألف رجل فقط عام 1945)، لكن أعدادها نمت بالتناسب المباشر مع قمع الشرطة الفاشية والكتائب والفرق النازية، وما خلفته حروب موسوليني وهتلر من نتائج مأساوية.
ضمت هذه الحركة شيوعيين واشتراكيين وديمقراطيين مسيحيين، وأناركيين وليبراليين وجمهوريين وملكيين. وحتى الـ 650 ألف جندي الذين رفضوا الانضمام إلى الجمهورية الاشتراكية بعد هدنة 8 سبتمبر/أيلول 1943، جرى اعتقالهم في معسكرات وإبادتهم، ولم يعد الكثير منهم. أما معظم الإيطاليين فقد وقفوا مكتوفي الأيدي ينتظرون وصول المحررين.
جميع أعمال التمرد ضد الطغيان والديكتاتورية تنبع من أقليات مُنظمة سرّا. في إيطاليا، كانت الأحزاب التي حظرها النظام الفاشي هي التي نظمت المقاومة، ولا سيما الحزب الشيوعي الإيطالي والحزب الاشتراكي الإيطالي. ثم، عندما حكمت المحاكم الخاصة على أكثر من ألف مُناهض للفاشية بالسجن لفترات طويلة أو الإقامة الجبرية، كان المثقفون المسجونون هم من أخذوا زمام المبادرة. أخيرا، بعد هدنة عام 43، اتفقت الأحزاب السياسية على تشكيل الجماعات المسلحة التي حاربت النازيين والفاشيين لمدة عشرين شهرا.
يمكن فهم ذلك بالعودة إلى تاريخ جورجيا ميلوني، وهي القادمة ببساطة من التجربة السياسية للحركة الاجتماعية الإيطالية، وهو الحزب الوريث للفاشية، الذي حوّله جانفرانكو فيني إلى "التحالف الوطني"، وحوّلته هي إلى "إخوة إيطاليا".
لذلك، على الصعيدين التاريخي والسياسي، ما أقسمت عليه جورجيا ميلوني ليس هو الدستور الذي خطّته المقاومة المناهضة للفاشية. أما عن الشق الثاني من السؤال، فعلينا ألا ننسى أن ميلوني خسرت مؤخرا استفتاء دستوريا (لإصلاح السلك القضائي) كانت هي من دعا إليه، وخسارته جعلتها تدرك أنها فقدت تماما شعبيتها. لذا فهي تسعى اليوم إلى تبييض صورتها من خلال اتخاذ إجراءات كهذه. لكن هذه مجرد تحركات تكتيكية، بعيدة عن كونها خيارات سياسية.
كلا، ليس هذا عدلاً؛ فالأماكن لها أهميتها. للتوصل إلى اتفاق كامل، يجب أن نبدأ بإعادة الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل بشكل غير شرعي على مر السنين إلى الفلسطينيين وإلا فلن تنتهي الحرب أبدًا.
حتى عندما يبدو أننا فقدنا كل شيء، يُعلّمنا التاريخ أن الأمل والمنطق السليم سينتصران في النهاية على القمع والعنف، وكل أشكال الظلم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة