حذر أطباء من تزايد أعداد المصابين بالخرف مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، مؤكدين أن الحفاظ على صحة الدماغ أصبح جزءاً أساسياً من مفهوم الشيخوخة الصحية، في ظل توجهات ومبادرات صحية تركز على الوقاية والكشف المبكر وتعزيز جودة حياة كبار السن.
وأفادوا بأن الخرف (الزهايمر) ليس مرحلة طبيعية من التقدم في العمر، بل حالة طبية تؤثر في الذاكرة واللغة والقدرات الإدراكية، مشيرين إلى أن التدخل المبكر وتعديل نمط الحياة منذ سنوات الشباب يسهم في تقليل مخاطر الإصابة.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن نحو 40% من عوامل خطر الإصابة بالخرف ترتبط بعوامل قابلة للتعديل، موضحين أن هناك سبعة مسببات للإصابة بالمرض، تشمل العوامل الوراثية والتاريخ العائلي، وارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول، وأمراض القلب والسكتات الدماغية، إضافة إلى التدخين والسمنة وقلة النشاط البدني، واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية، والاكتئاب غير المعالج، وقلة التحفيز الذهني.
وحددوا 10 إجراءات أساسية للوقاية من الخرف تبدأ قبل سن الـ40، تشمل ممارسة النشاط البدني بانتظام، والمحافظة على وزن مثالي، ونظام غذائي صحي، وتجنب التدخين، والحصول على نوم كافٍ ومنتظم، والسيطرة المبكرة على ضغط الدم والسكري والكوليسترول، وتنشيط الدماغ بالقراءة والتعلم، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، ومعالجة مشكلات السمع والصحة النفسية، وإجراء الفحوص الدورية لمتابعة عوامل الخطورة، مشددين على أن حماية الدماغ تبدأ قبل ظهور الأعراض، وأن الخيارات الصحية التي يتخذها الإنسان في شبابه تلعب دوراً مهماً في تحديد مستوى صحته الإدراكية وجودة حياته في مراحل العمر المتقدمة.
عوامل الوقاية
وتفصيلاً، حذرت أخصائية الطب الباطني، الدكتورة نوال أبوقرون، من أن خطر الإصابة بالخرف لا يرتبط بالتقدم في العمر فقط، مؤكدة أن هناك عوامل يمكن التحكم بها منذ منتصف العمر تساعد على تقليل احتمالات الإصابة والحفاظ على صحة الدماغ لفترة أطول.
وقالت إن الوقاية تبدأ من الأربعينات من العمر من خلال حماية القلب والدماغ معاً، عبر السيطرة على ضغط الدم والسكري والكوليسترول، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، إلى جانب تجنب التدخين ومعالجة مشكلات السمع في وقت مبكر، موضحة أن الحفاظ على النشاط الذهني والاجتماعي من خلال التعلم المستمر والتواصل مع الآخرين، يعد من العوامل المهمة في دعم صحة الدماغ، مشيرة إلى أن نسبة 40% من عوامل خطر الإصابة بالخرف ترتبط بعوامل قابلة للتعديل.
وأوضحت أن النشاط البدني المنتظم يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على وظائف الدماغ، إذ يساعد على تحسين تدفق الدم إليه، وتقليل الالتهابات، وتحسين التحكم في مستويات السكر وضغط الدم، ودعم صحة الخلايا العصبية، موصية بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين المعتدلة، مثل المشي السريع، إلى جانب تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعياً، لافتة إلى أن الدراسات تشير إلى ارتباط ذلك بانخفاض خطر التدهور المعرفي بنسبة تراوح بين 30 و40%.
وفي ما يتعلق بالتغذية، أوصت باتباع نمط غذائي صحي يشبه النظام المتوسطي، يعتمد على الخضراوات الورقية وزيت الزيتون والمكسرات والبقوليات والحبوب الكاملة والأسماك، مع تقليل استهلاك اللحوم الحمراء والزبدة والأطعمة المقلية والمعجنات، مؤكدة أن صحة الدماغ لا تعتمد على نوع واحد من الأغذية، وإنما على النمط الغذائي المتكامل الذي يساعد في تقليل الالتهابات وحماية الأوعية الدموية.
وحذرت من أن اضطرابات النوم قد تكون عاملاً مؤثراً في صحة الدماغ، موضحة أن النوم العميق يساعد الدماغ على التخلص من البروتينات المرتبطة بمرض الزهايمر، كما يسهم في ترسيخ الذاكرة، مشيرة إلى أن الأرق المزمن، والنوم غير الكافي، واضطرابات مثل انقطاع النفس النومي غير المعالج، قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف، داعية إلى الحصول على سبع إلى ثماني ساعات من النوم الجيد ومعالجة مشكلات الشخير واضطرابات التنفس أثناء النوم.
وأكدت أن الإقلاع عن التدخين، والحفاظ على وزن صحي، والسيطرة على الأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول والرجفان الأذيني، خطوات أساسية لحماية الدماغ، موضحة أن التدخين يؤثر سلباً في الأوعية الدموية ويرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف، بينما تساعد السيطرة المبكرة على عوامل الخطورة في تقليل التأثيرات المستقبلية.
وفي ما يتعلق بالمكملات الغذائية، أوضحت أن الأدلة العلمية الحالية لا تثبت وجود فيتامينات أو مكملات غذائية تمنع الإصابة بالخرف لدى عامة الناس، مشيرة إلى أن الوقاية تعتمد بشكل أساسي على نمط الحياة الصحي، مضيفة أن علاج حالات النقص المؤكدة، مثل نقص فيتامين (ب 12) أو فيتامين (د)، قد يكون مهماً للحفاظ على الوظائف الإدراكية، إلا أن اتباع نظام غذائي متوازن وممارسة الرياضة والنوم الجيد والسيطرة على الأمراض المزمنة تبقى الإجراءات الأكثر دعماً بالأدلة العلمية.
الخرف والشيخوخة
وقال أخصائي طب الأعصاب، الدكتور سالم طه السيد، إن الخرف يُعرّف بأنه تراجع في الوظائف الإدراكية العليا، مثل الذاكرة واللغة والقدرة على التفكير، إلى درجة تؤثر في حياة المريض اليومية، موضحاً أن الخرف ليس جزءاً طبيعياً من الشيخوخة، لكنه يصبح أكثر شيوعاً مع التقدم في العمر.
وأوضح أن الخرف ليس مرضاً واحداً، بل مجموعة من الاضطرابات والأمراض التي تختلف أسبابها وطبيعتها، مشيراً إلى أن بعض الحالات يمكن الوقاية منها أو علاج أسبابها، بينما تتطور أنواع أخرى بشكل تدريجي وتحتاج إلى متابعة ورعاية مستمرة.
وبيّن أن العلامات المبكرة للخرف تشمل ضعف الذاكرة الحديثة، مثل نسيان المحادثات الأخيرة، وتكرار السؤال نفسه، وفقدان الأشياء الشخصية بشكل متكرر، إضافة إلى صعوبات في اللغة والتواصل، مثل صعوبة العثور على الكلمات المناسبة أو عدم القدرة على متابعة الحديث.
وأضاف أن الأعراض قد تظهر أيضاً على شكل تغيرات في الإدراك والسلوك، مثل وضع الأشياء في أماكن غير معتادة، أو مواجهة صعوبات في معرفة الأماكن، إلى جانب تغيرات المزاج مثل سرعة الانفعال، والعصبية، واللامبالاة، أو الميل إلى العزلة.
وأشار إلى أن التمييز بين النسيان الطبيعي المرتبط بالتقدم في العمر والخرف يعتمد على مدى تأثير الأعراض في حياة الشخص، موضحاً أن النسيان الطبيعي يحدث بشكل متقطع ولا يعطل الأنشطة اليومية، بينما تكون أعراض الخرف متكررة وتؤثر بشكل واضح في قدرة الشخص على أداء مهامه المعتادة.
وأكد أن مرض الزهايمر يعد أكثر أنواع الخرف شيوعاً، إذ يمثل نحو 60 إلى 70% من الحالات، لافتاً إلى أن عوامل الخطورة تشمل التقدم في العمر، والتاريخ العائلي والعوامل الوراثية، وقلة النشاط البدني، والتدخين، وبعض العادات الصحية غير السليمة، إضافة إلى ضعف التفاعل الاجتماعي وقلة التحفيز الذهني.
وأوضح أن الأمراض المزمنة تلعب دوراً مهماً في زيادة خطر الإصابة بالخرف، خصوصاً ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع مستويات الدهون في الدم، حيث يمكن أن تؤثر هذه العوامل في الأوعية الدموية داخل الدماغ وتسبب أضراراً في خلاياه، كما أن أمراض القلب والسكتات الدماغية قد تؤدي إلى انخفاض تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ، ما يزيد من احتمالات حدوث التدهور المعرفي.
وأضاف أن بعض الأمراض الجهازية المزمنة، مثل أمراض الكبد والكلى، قد تؤثر أيضاً في وظائف الدماغ بدرجات متفاوتة، مؤكداً أهمية السيطرة على هذه الحالات ومتابعتها طبياً.
وأكد أهمية التشخيص المبكر للخرف، موضحاً أنه يساعد في تحديد عوامل الخطر ومعالجتها، وتوفير الدعم وخيارات العلاج المناسبة، كما يمنح الأسرة فرصة للتخطيط للمستقبل وتقديم الرعاية اللازمة للمريض.
ودعا إلى مراجعة طبيب الأعصاب عند ظهور أعراض مستمرة تؤثر في الحياة اليومية، مثل تراجع الذاكرة بشكل ملحوظ أو تغيرات السلوك والشخصية، مشيراً إلى أن التدخل المبكر يمكن أن يساعد في تحسين جودة حياة المرضى وتأخير تطور الأعراض.
تحفيز الدماغ
من جانبها، أكدت استشارية الطب النفسي، الدكتورة أمل إبراهيم، أن الحفاظ على الصحة الإدراكية مع التقدم في العمر أصبح أولوية متزايدة، خاصة مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، مؤكدة أن الشيخوخة عملية طبيعية، لكن التدهور المعرفي والخرف ليسا أمراً حتمياً يمكن تجنبه أو تأخيره عبر اتباع نمط حياة صحي.
وأوضحت أن تحفيز الدماغ من خلال الأنشطة الذهنية، مثل القراءة، وحل الألغاز، وتعلم مهارات جديدة أو لغة جديدة، يساعد في الحفاظ على مرونة الدماغ وتقوية الروابط العصبية، مشيرة إلى أن هذه الأنشطة تسهم في بناء ما يعرف بـ«الاحتياطي المعرفي»، الذي يساعد الدماغ على التكيف مع التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.
وأكدت أن التفاعل الاجتماعي يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على صحة الدماغ، موضحة أن العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة والاكتئاب غير المعالج لا تؤثر فقط في الحالة النفسية، بل تعد أيضاً عوامل مرتبطة بزيادة خطر التدهور المعرفي، مضيفة أن كبار السن الذين يحافظون على علاقاتهم الاجتماعية وتواصلهم مع العائلة والأصدقاء والمجتمع غالباً ما يتمتعون بصحة إدراكية ونفسية أفضل.
ولفتت إلى وجود مفاهيم خاطئة شائعة حول الخرف، أبرزها اعتقاد البعض بأنه جزء طبيعي من الشيخوخة، مؤكدة أن الخرف حالة طبية وليس نتيجة حتمية للتقدم في العمر، كما أوضحت أن الخرف لا يقتصر فقط على فقدان الذاكرة، بل قد يؤثر في الوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرارات والقدرة على إدارة الأنشطة اليومية.
وأكدت أن بدء العلاج والتدخل في المراحل المبكرة من الخرف يمكن أن يساعد كبار السن على الحفاظ على استقلاليتهم لفترة أطول، مشيرة إلى أهمية دور الأسرة في دعم المريض من خلال تشجيعه على المشاركة في الأنشطة اليومية، والحفاظ على الروتين المعتاد، واستخدام وسائل مساعدة للتذكر مثل التقويمات والتنبيهات.
ووجهت رسالة لمن تجاوزوا سن الـ50 بضرورة البدء مبكراً في حماية صحة الدماغ من خلال ممارسة النشاط البدني، والحفاظ على التواصل الاجتماعي، والسيطرة على الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الدهون، والحصول على نوم كافٍ، مؤكدة أن اتخاذ خطوات وقائية اليوم يمكن أن يسهم في الحفاظ على القدرات الإدراكية وجودة الحياة في السنوات المقبلة.
أطباء:
• «الزهايمر» ليس مرحلة طبيعية من التقدم في العمر، بل حالة طبية تؤثر في الذاكرة واللغة والقدرات الإدراكية.
المصدر:
الإمارات اليوم