آخر الأخبار

«منصات» تروّج لـ «محتوى كرتوني» خادش.. ومتخصصون: يدفع أطفالاً لتفاعلات غير سوية

شارك

أعرب أولياء أمور عن قلقهم المتصاعد تجاه محتوى رقمي تبثه منصات تواصل اجتماعي في قالب كرتوني للأطفال يتضمن رسائل خادشة للحياء، ويروّج لمشاهد وتعبيرات تتجاوز وعي الطفل ومرحلته العمرية، بما في ذلك إيحاءات لعلاقات زوجية، وأخرى تدفع نحو أنماط تفاعل غير سوية بين الأطفال، مثل بعض الأغاني التي تُقدَّم ضمن قوالب كرتونية جذابة على منصات ومواقع مخصصة لعرض الأفلام والمسلسلات والأغاني، وتتضمن رسائل خفية ومضامين تتعارض مع القيم والأخلاق المجتمعية، فيما أكد مختصون تربويون ونفسيون وأسريون لـ«الإمارات اليوم» أن هذا النوع من المحتوى يمثّل خطراً حقيقياً على السلامة النفسية والتربوية للأطفال، لما يخلقه من تشويش مبكر في المفاهيم، واختلال قيمي قد يترك آثاراً سلبية عميقة على سلوك الطفل وبنائه النفسي والاجتماعي في المراحل اللاحقة.

قصص واقعية

وتفصيلاً، أكد ذوو أطفال وطلبة لـ«الإمارات اليوم» أن المخاوف بشأن محتوى الأطفال على المنصات الرقمية لم تعد مجرد انطباعات فردية أو ملاحظات أسرية عابرة، بل تحوّلت إلى قضية تربوية ونفسية ملحّة، معربين عن قلقهم ومخاوفهم المتصاعدة من الانتشار الواسع لأغانٍ ومقاطع كرتونية تُعرض تحت تصنيف «محتوى أطفال»، وتتضمن رسائل لغوية وسلوكية تتعارض مع منظومة القيم والأخلاق، ولا تراعي الخصوصية الثقافية أو المراحل العمرية للطفل.

ولاحظت بعض الأسر «فضلت عدم ذكر أسمائها»، تغيّرات مفاجئة في مفردات أطفالهم أو سلوكياتهم اليومية، دون أن تربطها مباشرة بالمحتوى الرقمي الذي يشاهدونه، ما يجعل الخطر صامتاً ومتراكماً.

لا تنسجم مع العمر

تقول (سارة. ع)، أم لطفل يبلغ سبع سنوات: «فوجئنا بترديد ابننا عبارات لا تنسجم مع لغته ولا مرحلته العمرية أثناء اللعب، وبعد المتابعة، تبيّن أن مصدرها أغانٍ كرتونية كان يشاهدها عبر منصة مشاهدة للأطفال، حيث حملت تلك الكلمات إيحاءات غير متوقعة من محتوى موجّه للصغار، ما دفعنا إلى إيقاف المنصة ومتابعة حالته السلوكية مع مختصة نفسية».

ويروي (حمدان. ك)، أب لطالبة في الصف الثالث: «بدت الأغاني الكرتونية التي تتابعها ابنتي عبر منصة أفلام ومسلسلات، بريئة في ظاهرها، قبل أن نلاحظ تغيراً واضحاً في أسئلتها وأسلوب حديثها، ومع تزايد استفساراتها حول علاقات لا تتناسب مع عمرها، أعدنا مراجعة المقاطع لنفاجأ بمضامين تمرَّر بهدوء تحت غطاء الموسيقى والرسوم».

وتؤكد ميادة ياسين، أم لطفلين، أن الخطر لا يكمن في العبارات المباشرة فحسب، بل في الرسائل المبطّنة التي تمرَّر عبر الأغاني الكرتونية، وتعمل على تطبيع سلوكيات وتفاعلات غير سوية بين الأطفال. وتضيف: «احتجنا وقتاً لفهم مصدر التغيّر السلوكي لدى أبنائنا، قبل أن يتبيّن أن المحتوى الكرتوني كان القاسم المشترك».

مراجعة متخصصة

وطالب ذوو طلبة، بتشديد معايير تصنيف محتوى الأطفال على المنصات الرقمية، واعتماد مراجعة بشرية متخصصة إلى جانب الخوارزميات، خصوصاً للمحتوى الغنائي والكرتوني، ودعوا إلى إلزام المنصات بالشفافية والمساءلة، وتسريع آليات الإبلاغ، وتحديث أدوات الرقابة الأبوية لمنع مسارات الاقتراح الخطرة.

وأكدوا أن حماية الطفل رقمياً قضية أمن اجتماعي، تستدعي تشريعات فاعلة، إلى جانب إدماج التربية الإعلامية الرقمية في المناهج لتعزيز وعي الأطفال بالمحتوى.

نمط مقلق

اطلعت «الإمارات اليوم» على محتوى عدد من الأغاني الكرتونية المتداولة عبر منصتين لمشاهدة الأفلام والمسلسلات (إحداهما مصنفة للأطفال)، في رصدٍ يكشف نمطاً مقلقاً من الخطاب الموجَّه للأطفال، لا يستند إلى أهداف تعليمية أو ترفيهية بريئة أو تنمية الخيال، بل يقوم على لغة وتوجيهات سلوكية تتجاوز الخصائص النمائية للمرحلة العمرية للطفل.

وتُقدَّم هذه الأغاني في قوالب كرتونية جذابة، إلا أنها لا تخاطب الطفل بوصفه طفلاً، بل تدفعه إلى تقليد وترديد تعبيرات وسلوكيات لا تنتمي إلى عالم الطفولة، ويتم تمريرها تحت غطاء الموسيقى والرسوم والألوان، كما يركّز بعضها على إيحاءات تتعلق بـ«علاقات بين البالغين»، إلى جانب رسائل أخرى تدفع الأطفال إلى تقليد «أنماط تفاعل غير سوية مع أقرانهم»، بما يثير مخاوف تربوية ونفسية واسعة.

وبفعل قِصر هذه الأغاني وسهولة حفظها وتكرارها، يتفاعل معها الأطفال ويعيدون ترديدها تلقائياً من دون وعي بمضامينها، لاسيما مع ارتباطها بشخصيات كرتونية محببة وسياق يُصنَّف على أنه «محتوى أطفال». ويمنح هذا التصنيف الأغاني مصداقية زائفة، تدفع الطفل والأسرة إلى التعامل معها باعتبارها آمنة، فيما تنطوي في واقعها على رسائل تتجاوز قدرة الطفل على الفهم والتمييز.

عبارات خادشة

تروي المعلمة (فاطمة.ع): «إحدى طالباتي في الصف الثاني كانت تردد أغنية كرتونية مراراً في الصف، مستخدمة عبارات خادشة لا تتناسب مع عمرها، ما أثار دهشة زميلاتها أحياناً، عند مراجعة المقطع لاحقاً، اكتشفت أنه يحتوي على رسائل وسلوكيات غير مناسبة للأطفال، رغم عرضه تحت تصنيف (محتوى أطفال)، وحذّرت والدي الطالبة بمتابعة ما تشاهده ابنتهما، مؤكدة ضرورة توعية الأطفال ومراقبة المحتوى الرقمي لضمان سلامتهم النفسية والتربوية».

لا يفهم المعنى اللغوي

وترى التربوية ريهام عبدالرحمن قباني، أن التعرض المتكرر لمثل هذا المحتوى قد يسبب تشويشاً في المفاهيم السلوكية والأخلاقية لدى الطفل، ويحفز فضول الطفل تجاه بعض أنواع العلاقات قبل أوانه، ويضعف الإحساس بالحدود النفسية، فضلاً عن تطبيع سلوكيات ومفاهيم لا تتوافق مع مرحلة الطفولة.

وأكدت قباني أن الخطر الحقيقي لا يكمن في كلمة أو مشهد واحد، بل في تراكم الرسائل المبطّنة التي تتكرر وتخزَّن في الذاكرة السلوكية للطفل، فالطفل قد لا يفهم المعنى اللغوي، لكنه يعتاد السلوك، ويطبع في وعيه أنماطاً من التعبير والحركة والتفاعل لا تتناسب مع عمره، ما قد يؤدي إلى إزاحة مبكرة للحدود النفسية والأخلاقية من دون صدمة أو إدراك مباشر.

آثار نفسية محتملة

من جانبها أوضحت المستشارة النفسية والأسرية هيام أبومشعل، أن الطفل في سنواته الأولى، خصوصاً بين سن 3 و8 سنوات، شديد القابلية للتأثر بما يراه ويسمعه، فالطفل يتعلم أساساً عبر التقليد والتكرار والاستجابة العاطفية، وبالتالي فإن أي محتوى كرتوني يتضمن ألفاظاً أو سلوكيات لا تتناسب مع قدرته المعرفية أو نضجه الانفعالي، لا يكون مجرد ترفيه بريء، بل قد يتحول إلى عامل تشويش يؤثر في بناء القيم وضبط السلوك، ويُربك مفهوم الطفولة الآمنة لديه.

وحول الآثار النفسية المحتملة، تشير الدكتورة هيام إلى أن هذا النوع من المحتوى قد يدفع الطفل إلى تقليد وترديد سلوكيات أو مشاهد تفوق مرحلته العمرية، ما يؤدي إلى اضطراب في الفهم الأخلاقي وعدم القدرة على التمييز بين المقبول وغير المقبول، وبين الصح والخطأ. كما يمكن أن يكتسب الطفل ألفاظاً وسلوكيات غير لائقة، ويعيش أدواراً لا تتناسب مع عمره الزمني، ما يجعله يظهر أكبر من عمره، ويقلد سلوكيات المراهقين أو البالغين.

وأضافت: «من الجانب الانفعالي، يصبح الطفل أكثر اندفاعية وتحدياً للقوانين في الأسرة والمدرسة والمجتمع، وأكثر ميلاً للاستفزاز وتقليد أساليب تواصل غير صحية، مع ضعف فهم مفاهيم الاحترام والحدود».

وعن أثر الاعتياد على هذا المحتوى، تحذر الدكتورة هيام من أن التعرض المستمر قد يؤدي إلى تشويه مفهوم الطفولة الآمنة والأمان النفسي الداخلي، ويطبع سلوكيات غير مرغوبة وغير مناسبة، ويزيد السلوك التقليدي القهري، ويقلل حساسية الطفل تجاه القيم والمعتقدات الصحيحة، بما في ذلك التأثير على نمو الوازع الديني. كما يمكن أن يظهر الطفل أنماطاً لغوية عدوانية، وضعف التعاطف، واضطراب التكيف الاجتماعي، ما يترك آثاراً طويلة المدى على شخصيته ومستقبله.

مسؤولية حماية الطفل

وقالت الدكتورة هيام إن مسؤولية حماية الطفل الرقمي مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التربوية والجهات الرقابية؛ فالأسرة مطالبة بالمراقبة النشطة للمحتوى، والمشاهدة التفاعلية بدل السلبية، والنقاش المستمر مع الطفل حول ما يشاهده، وتفعيل أدوات الحماية الرقمية. أمّا المؤسسات التربوية فتحتاج إلى توعية الأهالي، وإدخال برامج التربية الإعلامية، وتنمية التفكير النقدي لدى الأطفال. في حين يجب على الجهات الرقابية وضع تصنيفات نفسية نمائية دقيقة، ومراقبة المحتوى الموجه للأطفال، ومحاسبة المنصات التي تعرض محتوى ضاراً، لأن المحتوى الكرتوني ليس بريئاً بالضرورة، بل هو أداة تشكيل نفسي، وأي انحراف أو تشوّه غير أخلاقي قد يترك أثراً عميقاً في بناء شخصية الطفل والقيم والمعتقدات السليمة لحياته ومستقبله.

توصيات ومعالجات

أجمعت آراء المختصون في التربية وعلم النفس والتقنية، أن حماية الطفل من المحتوى الرقمي الضار تتطلب إعادة النظر في تصنيف محتوى الأطفال، بحيث تتم مراجعة الأغاني والرسوم المتحركة وفق الخصائص العمرية والسلوكية للطفل، مع الجمع بين المراجعة البشرية والخوارزميات الذكية لضمان الدقة.

وأكدوا على ضرورة تشديد الرقابة اللغوية والسلوكية على جميع المواد الموجهة للأطفال، لمنع أي محتوى يحمل رسائل أو سلوكيات لا تتناسب مع مرحلة الطفولة، موضحين أن تراكم الرسائل المبطنة يمثل خطراً أكبر من المشاهد الفردية.

ودعوا إلى إلزام المنصات الرقمية بالشفافية والمساءلة، من خلال نشر تقارير دورية عن آليات مراجعة المحتوى وسرعة الاستجابة للبلاغات الأسرية، مع تبسيط وتسريع آليات الإبلاغ وتحديد زمن استجابة معلن للتعامل مع الشكاوى.

كما شددوا على أهمية تطوير أدوات الرقابة الأبوية الذكية، التي تمنع الاقتراحات التلقائية الخطرة، وتتيح للأهل متابعة سلوكيات الأطفال الرقمية من خلال تقارير مشاهدة مفصلة.

وأكدوا ضرورة إنشاء فرق متخصصة تضم خبرات تربوية ونفسية وتقنية، تعمل على الرصد المبكر وتقديم توصيات عاجلة بشأن المحتوى الرقمي للأطفال إلى الجهات المعنية.

وأشاروا إلى أهمية إدماج التربية الرقمية ضمن المناهج التعليمية، لتعزيز وعي الأطفال ومهارات التمييز بين المحتوى المناسب وغير المناسب، إضافة إلى تعزيز وعي الأسر والإعلام التربوي لضمان متابعة الأطفال وحمايتهم من أي محتوى يخلّ بنموهم النفسي والقيمي.

واعتبر المختصون أن حماية الطفل الرقمي لم تعد قضية تقنية فحسب، بل مسألة أمن اجتماعي تستدعي تشريعات صارمة وتعاوناً وطنياً وعابراً للحدود لضمان سلامة الأجيال القادمة.

تربويون ونفسيون:

• الجمع بين المراجعة البشرية والخوارزميات لضمان سلامة المحتوى الرقمي للأطفال.

• ضرورة إنشاء فرق متخصصة لرصد المحتوى الرقمي للأطفال.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا