في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن ترشيح الإطار التنسيقي لنوري المالكي مجرد استعادة اسم جدلي في المشهد العراقي، بل خطوة محسوبة أعادت فتح سؤال الدولة والسلاح معا، في لحظة إقليمية تتصاعد فيها الضغوط الأمريكية وتتقلص فيها هوامش المناورة.
القرار، كما عكسه نقاش برنامج "ما وراء الخبر"، يرتبط بإدراك داخل البيت الشيعي بأن معادلة الحكم دخلت مرحلة حرجة، وأن ضبط ثنائية الدولة والفصائل أصبح أولوية وجودية، في ظل مخاوف من انهيار التوازن القائم إذا استمرت حالة تعدد مراكز القوة.
في هذا السياق، لا يظهر المالكي بوصفه مرشحا توافقيا بقدر ما يبدو خيارا اضطراريا، راهن عليه الإطار التنسيقي لاستعادة نموذج "الرجل القوي" القادر على فرض الانضباط السياسي والأمني، حتى لو استدعى ذلك اختبار حدود العلاقة مع واشنطن.
قراءة الدكتور أسامة السعيدي، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين تندرج في هذا الإطار، إذ ربط ترشيح المالكي بالحاجة إلى قيادة تمتلك خبرة إدارة المراحل الصعبة، على غرار المرحلة التي أعقبت 2006 حين واجه العراق تحديات أمنية وجودية.
ووفق ما طُرح في الحلقة، فإن هذا الرهان يستند إلى اقتناع داخل الإطار بأن المالكي يمتلك من الثقل السياسي والعلاقات داخل المنظومة الشيعية ما يؤهله للتعامل مع ملف الفصائل، سواء عبر الاحتواء أو إعادة الضبط، وهو ملف يتقدم اليوم على سواه.
غير أن هذه المقاربة لا تنفصل عن العامل الأمريكي، الذي حضر في النقاش بوصفه عنصر ضغط حاسم، فالولايات المتحدة، بحسب ما أشار إليه ضيوف البرنامج، لا تركز على الأسماء بقدر ما تراقب السلوك السياسي، خاصة فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وملف التحويلات المالية.
الدكتور مجاشع التميمي، المحلل السياسي من بغداد، حذّر في هذا السياق من أن أي تجاهل لهذه الاشتراطات قد يعرّض العراق لضغوط قاسية، مستحضرا سوابق العقوبات التي فُرضت على مصارف وشخصيات عراقية خلال السنوات الماضية.
ومن هنا، تبدو عودة المالكي أقرب إلى مقامرة سياسية، يراهن فيها الإطار التنسيقي على شخصية قادرة على تمرير تسوية داخلية مع الفصائل، مقابل تجنب سيناريوهات التصعيد الخارجي أو الانزلاق إلى فوضى تهدد النظام برمته.
وقد برز في الحلقة حديث عن اتصالات بين المالكي والجانب الأمريكي، تضمن إشارات إلى "تسوية قضية الفصائل"، وهي عبارة تحمل دلالات تتجاوز التنسيق السياسي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وهذه القوى.
لكن هذه المقامرة لا تخلو من مخاطر داخلية، إذ لا تزال عودة المالكي تثير تحفظات لدى قوى سياسية سنية وشيعية، ترى في تجربته السابقة إرثا إشكاليا قد يعيد إنتاج الاستقطاب، لا سيما في ظل ظروف إقليمية أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، يبرز التناقض الأساسي، وهو الحاجة إلى قبضة قوية تعيد فرض هيبة الدولة، مقابل الخشية من أن تؤدي هذه القبضة إلى تفجير توازنات هشة بُنيت خلال السنوات الماضية.
إقليميا، يزداد المشهد تعقيدا مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني وتراجع نفوذ طهران النسبي في بعض ساحات المنطقة، ووفق ما أشار إليه التميمي، فإن قرب المالكي من إيران قد يضعه تحت مجهر واشنطن، خاصة إذا فُسرت عودته بوصفها محاولة لإعادة ترميم نفوذ إقليمي مقلق للولايات المتحدة.
في المقابل، يبدو أن الإطار التنسيقي لا يراهن على مواجهة مفتوحة، بل على تسوية غير معلنة، عبر زعيم قوي يضبط الداخل ويمنع الانفجار، مقابل تجنب كلفة التدخلات أو العقوبات التي قد تعصف بالاقتصاد والنظام السياسي.
غير أن نجاح هذا السيناريو يبقى مشروطا بقدرة المالكي -إن عاد- على اتخاذ قرارات صعبة تمس مصالح فصائل نافذة، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود قدرته على المناورة بين ضغوط الداخل واشتراطات الخارج.
في المحصلة، لا تتعلق عودة المالكي بشخصه فقط، بل بسؤال أعمق طرحه نقاش ما وراء الخبر، هل لا يزال النظام السياسي العراقي قادرا على إنتاج حلول من داخله، أم أنه أصبح مضطرا إلى المجازفة بخيارات حادة لتأجيل الانهيار؟
المصدر:
الجزيرة