قد يعتقد كثيرون أن الأقمار الصناعية أصبحت العمود الفقري للإنترنت العالمي، خاصة مع الانتشار السريع لشبكات مثل "ستارلينك" التابعة لشركة سبيس إكس.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، إذ لا تزال 98% من حركة الإنترنت العالمية تنتقل عبر كابلات الألياف الضوئية البحرية الممتدة في قاع المحيطات، وليس عبر الفضاء.
منذ إطلاق القمر الصناعي سبوتنيك عام 1957، راود العلماء حلم إنشاء شبكة اتصالات عالمية تعتمد على الأقمار الصناعية، وهي فكرة طرحها علماء مثل كونستانتين تسيولكوفسكي وهيرمان بوتوتشنيك، ثم اشتهر بها الكاتب البريطاني آرثر سي. كلارك.
واليوم يدور في الفضاء أكثر من 17 ألف قمر صناعي، من بينها نحو 10,800 قمر من منظومة "ستارلينك" حتى يوليو 2026، ما يجعل من السهل الاعتقاد بأن الإنترنت أصبح يعتمد على الأقمار الصناعية، بحسب تقرير نشره موقع "slashgear" واطلعت عليه "العربية Business".
لكن الواقع أن معظم البيانات لا تغادر الغلاف الجوي للأرض أصلًا، إذ تنتقل عبر شبكة هائلة من كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحار.
يشبّه الخبراء شبكة الإنترنت العالمية بشبكة الإنترنت المنزلية؛ فكما يوفر الاتصال السلكي سرعة واستقرارًا أكبر من شبكة الواي فاي، تؤدي الكابلات البحرية الدور نفسه على مستوى العالم.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها:
سرعات نقل هائلة: تستطيع أحدث كابلات الألياف الضوئية نقل بيانات تصل إلى 400 تيرابت في الثانية عبر كابل واحد.
زمن استجابة منخفض جدًا (Latency): وهو عنصر حاسم في الألعاب الإلكترونية والبث المباشر والخدمات السحابية.
استقرار أعلى: إذ لا تتأثر الكابلات بالأحوال الجوية أو ازدحام الشبكات كما يحدث مع الأقمار الصناعية.
وللمقارنة، من المتوقع أن تصل السعة الإجمالية لشبكة "ستارلينك" بأكملها إلى نحو 800 تيرابت في الثانية بحلول عام 2027، أي ما يعادل تقريبًا ضعف قدرة كابل بحري حديث واحد فقط.
رغم أن مد كابل بحري جديد قد يكلف ما بين 250 و400 مليون دولار أو أكثر، فإن إطلاق شبكة أقمار صناعية يظل أكثر تكلفة.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إطلاق قمر صناعي واحد من أقمار "ستارلينك" تصل إلى نحو 300 ألف دولار، دون احتساب تكاليف التصنيع والتشغيل والصيانة، بينما تحتاج الشبكات إلى آلاف الأقمار لتوفير تغطية عالمية.
وتُعد الكابلات البحرية واحدة من أقدم تقنيات الاتصالات في العالم.
في عام 1851، تم مد أول كابل تلغراف تحت البحر بين إنجلترا وفرنسا، ثم تبعه أول كابل عبر المحيط الأطلسي عام 1858، ليربط أيرلندا بكندا.
وشهد ذلك العام أول رسالة تلغراف عبر الأطلسي بين الرئيس الأميركي جيمس بيوكانان والملكة فيكتوريا، إلا أن إرسال رسالة مكونة من 98 كلمة استغرق نحو 16 ساعة، قبل أن يتوقف الكابل عن العمل بعد أسابيع قليلة.
أما أول كابل ناجح عبر الأطلسي فدخل الخدمة عام 1866.
وفي عام 1988، عبر أول كابل ألياف ضوئية المحيط الأطلسي، ليبدأ عصر الإنترنت الحديث.
اليوم، تمتد كابلات الألياف الضوئية البحرية لمسافة تقارب 920 ألف ميل حول العالم، وهي مسافة تكفي للوصول إلى القمر والعودة مرتين تقريبًا.
ورغم التطور السريع في تقنيات الاتصالات الفضائية، يرى الخبراء أن الأقمار الصناعية ستظل مكملة للبنية التحتية للإنترنت، خاصة في المناطق النائية أو التي يصعب ربطها بالكابلات، بينما ستبقى الألياف الضوئية البحرية الوسيلة الأساسية لنقل الغالبية العظمى من بيانات العالم بفضل سرعتها العالية واعتماديتها وتكلفتها الأكثر كفاءة.
المصدر:
العربيّة