هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلحواجز في وسط الشارع، ولافتات تحدد الجهة التي ينبغي السير فيها بحسب ما إذا كان الشخص رجلًا أو امرأة. هذا الإجراء ليس مشروعًا نظريًا، بل هو ما تستعد بلدية بني براك، وهي مدينة إسرائيلية يبلغ عدد سكانها نحو 231 ألف نسمة وغالبيتهم من اليهود الحريديم المتشددين، لتركيبه في اثنين من أكثر شوارعها ازدحامًا، وهما شارع شلومو هاميليخ وشارع عزرا.
ويأتي المشروع استجابة لقرار صادر عن حاخامات محليين، ويُقال إنه قيد الدراسة منذ عدة سنوات. وأفاد مسؤولون في البلدية بأنه قد يُوسّع لاحقًا ليشمل شوارع أخرى تشهد حركة كثيفة. وفي بيان لها، دعت البلدية جميع السكان إلى الالتزام بهذا الإجراء، ووصفت تعليمات الحاخامات بأنها «واضحة جدًا»، مؤكدة أن السكان سيمتثلون لطلبهم.
وبعبارة أخرى، تضع إدارة عمومية سلطتها في خدمة أمر ديني يهدف إلى فصل الأجساد داخل الفضاء العام.
ليست حالة معزولة بل توجّه متصاعد
كان من الممكن اعتبار هذه القضية مجرد حالة محلية غريبة، لولا أنها تندرج ضمن ديناميكية تجاوزت خلال الأسابيع الأخيرة المستوى المحلي لتصل إلى المستوى الوطني.
ففي ليلة 15 إلى 16 جويلية 2026، صادق الكنيست، بأغلبية 52 صوتًا مقابل 43، على تعديل لقانون حقوق الطلبة يسمح للجامعات والكليات بتقديم برامج ماجستير ودكتوراه منفصلة بين الجنسين.
ولا يُعد هذا التحول أمرًا بسيطًا. ففي عام 2021، أجازت المحكمة العليا برامج دراسية منفصلة، لكنها وضعت لها ضوابط صارمة، إذ حصرت الفصل داخل قاعات الدراسة فقط وفي بعض برامج الإجازة دون غيرها، مع منع التمييز ضد المدرّسات وعدم المساس بالمبدأ العام للمساواة.
غير أن هذه الحدود وُسعت الآن بشكل كبير، وهذه المرة من قبل السلطة التشريعية نفسها.
وبعبارة أخرى، ما وضعه القضاة ضمن إطار ضيق، يعمل النواب اليوم على توسيعه.
تراجع موثّق منذ سنوات
هذه الظاهرة ليست جديدة، وقد تصدت لها المحاكم مرارًا قبل أن تعاود الظهور في أماكن أخرى.
ففي عام 2017، أمرت المحكمة العليا بلدية بيت شيمش بإزالة اللافتات التي تدعو الرجال والنساء إلى السير في جهتين منفصلتين من الشارع. كما قضت المحكمة نفسها بعدم قانونية إجبار النساء على الجلوس في أقسام منفصلة داخل الحافلات والقطارات.
لكن هذه الممارسة استمرت فعليًا في الأحياء ذات الغالبية الحريدية، حيث تصعد النساء من الباب الخلفي للحافلة ويجلسن في المقاعد الخلفية.
وتعددت الحوادث خلال العقد الأخير، من بينها رفض سائقي حافلات نقل شابات في تل أبيب وإيلات بسبب ملابسهن، فضلًا عن إقدام رجال في بني براك تحديدًا على تعطيل حافلة عمومية لأن امرأة كانت تقودها.
حسابات سياسية تحمي الظاهرة
إذا كانت هذه الممارسات تتوسع، فلأنها تستفيد أيضًا من غطاء سياسي.
يشكل اليهود الحريديم أكثر من 10% من سكان إسرائيل، ويمثلون الفئة الأسرع نموًا بسبب ارتفاع معدلات الولادة. والأهم من ذلك أن حزبين حريديين يشكلان عنصرين أساسيين في ائتلاف بنيامين نتنياهو، ويحصلان على دعم حكومي كبير، في حين دأبت الشرطة على التردد في التدخل داخل مجتمعاتهما.
ولفترة طويلة، كانت هذه التيارات تحصر نمط حياتها داخل أحيائها الخاصة. لكن مع تزايد عدد أفرادها وانتشارهم في مناطق جديدة، باتت تسعى بصورة متنامية إلى فرض معاييرها خارج تلك الأحياء.
وهكذا، لم يعد الفصل مسألة داخلية تخص جماعة بعينها، بل أصبح قضية مرتبطة بالفضاء العام، أي بالحقوق.
الاعتراض يأتي من الداخل
لعل أكثر ما يحرج السلطات هو أن أشد أشكال المعارضة لهذا التوجه تأتي من داخل إسرائيل نفسها.
فقد نددت يائيل يخيئيلي، التي تدير جمعية «5050» الداعمة للمساواة بين الجنسين، بما وصفته بمحاولة لإقصاء النساء من مختلف المجالات، مشيرة إلى أن القرار اتخذه رجال فقط داخل البلدية.
وقالت: «وحش الفصل لا يشبع»، داعية السكان إلى النضال من أجل وضع حد لما وصفته بالآفة.
وامتدت الانتقادات إلى مسؤولين محليين. ففي 19 جويلية، قال ياكي فيدر، في تصريح لإذاعة «103FM» الإسرائيلية، إن سلطات بني براك ينبغي أن تركز على الخدمات البلدية الأساسية بدل التحكم في سلوك الأفراد داخل الفضاء العام، منتقدًا مسؤولين يتصرفون وكأنهم «أسياد السكان».
وتذكّر هذه الأصوات بحقيقة واضحة، وهي أن القضية لا تتعلق بخلاف بين إسرائيل ومنتقديها في الخارج، بل بصراع داخلي حول طبيعة الدولة نفسها.
وتبقى المفارقة التي تكشفها هذه القضية. فإعلان دولة الاحتلال يضمن المساواة في الحقوق للنساء، وهو مبدأ أعادت المحكمة العليا تأكيده في عدة أحكام بارزة. غير أن مطالب الأحزاب الحريدية واليمينية المتطرفة داخل الائتلاف الحاكم تعمل حاليًا على تغيير التطبيق الفعلي لهذا المبدأ، من دون الحاجة دائمًا إلى تعديل النصوص القانونية.
فالدولة التي تدّعي وتسوق للغرب كذبة أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، تقيم حواجز لمنع الرجال والنساء من الالتقاء في الشارع، وتسمح لجامعاتها بمنح شهادات دكتوراه ضمن برامج منفصلة بين الجنسين.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية