آخر الأخبار

أسعار المواد الفلاحية : تداعيات متشابكة على الميزانية في تونس

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

سجّل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لأسعار الغذاء تراجعاً للشهر الثاني على التوالي في جوان 2026، ليستقرّ عند 130.3 نقطة مقابل 130.8 نقطة في ماي، وذلك بفعل انخفاض أسعار الحبوب والسكر ومنتجات الألبان رغم ارتفاع أسعار الزيوت النباتية واللحوم.

وأظهرت البيانات أن مؤشر أسعار الحبوب تراجع بنسبة 3.5% على أساس شهري، مدفوعا بانخفاض أسعار الذرة والقمح، بينما انخفضت أسعار السكر بنسبة 5.7 بالمائة ومشتقات الألبان بنسبة 1.5 بالمائة. ويبقى هذا التحسّن هشّاً إذ حذّرت المنظمة من أن مخاوف تأثير ظاهرة النينيو على إنتاج السكر في الهند وتايلاند خلال موسم 2026-2027 قد تحدّ من استمرار الانفراج.

وتتوقّع الفاو أن يبلغ الإنتاج العالمي من الحبوب 2.983 مليار طن في 2026، وهو ثاني أعلى مستوى تاريخياً رغم تراجعه بنسبة 1.9 بالمائة عن الرقم القياسي المسجَّل سنة 2025. ويمنح هذا المشهد العالمي تونس فسحة زمنية محدودة لتخفيف كلفة تزويدها، لكنه لا يُلغي هشاشتها البنيوية أمام أي صدمة جيوسياسية جديدة تطال ممرات التصدير الروسية أو الأوكرانية أو الأسواق الآسيوية للسكر.

الاستيراد يعمق التبعية الغذائية

تعتمد تونس بشكل كثيف على الأسواق الخارجية لتغطية حاجياتها من الحبوب، إذ لا تتجاوز نسبة تغطية الحاجيات الوطنية من الحبوب 36 بالمائة، بينما تظل أقل بكثير بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية الغنية بالنشويات مثل القمح (18%).

وتستورد تونس نحو نصف حاجياتها من الحبوب من روسيا التي تُعدّ موردها الرئيسي بفضل تنافسية أسعارها وجودة منتجاتها. وتُقدَّر الحاجيات الإجمالية لتوريد القمح خلال موسم 2025-2026 بنحو مليوني طن، أي أقل بنحو 4 بالمائة من المعدل المسجَّل في السنوات الأخيرة بفضل تحسّن الإنتاج المحلي. وتراهن السلطات على بلوغ 70 بالمائة من الاكتفاء الذاتي في القمح الصلب بحلول 2027 إذا تواصلت الدينامية الإيجابية للموسم الحالي. غير أن هذا الطموح يظلّ رهين عوامل مناخية متقلّبة ومحدودية المردودية الفلاحية، ما يجعل أي تحسّن هيكلي مشروطاً باستثمارات طويلة المدى في الري والبذور المحسّنة أكثر من كونه نتيجة موسم مطري استثنائي واحد.

الدعم والتأثير على الميزانية العامة

ترصد ميزانية الدولة لسنة 2026 مبلغ 3981 مليون دينار لدعم المواد الأساسية مقابل 3801 مليون دينار لسنة 2025، ضمن غلاف إجمالي للدعم يبلغ 10.5 مليار دينار، في إطار ميزانية عامة تناهز 82 مليار دينار وسط جهد لضبط عجز الميزانية عند 3.9 بالمائة من الناتج.

ويتفاقم هذا الضغط بفعل اتساع العجز التجاري الذي بلغ 7528.8 مليون دينار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026 مقابل 7293 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من 2025، فيما تتحمّل الطاقة وحدها 55.6 بالمائة من هذا النزيف. وقد تجاوز العجز التجاري الإجمالي 20 مليار دينار عند موفّى نوفمبر 2025 وهو ما يعكس الثقل النسبي للفاتورة الغذائية والطاقية في اختلال الميزان التجاري رغم تحسّن الموسم الفلاحي المحلي.

تعوّل الحكومة على الجباية بمبلغ 47.8 مليار دينار، أي أكثر من 60 بالمائة من موارد الميزانية، إلى جانب حاجيات اقتراض تفوق 25 مليار دينار موزَّعة بين 19 مليار دينار مصادر داخلية و6 مليارات دينار خارجية. وتخطّط تونس للعودة إلى الأسواق المالية الدولية بإصدار سندات بقيمة 470 مليون دولار، وهو أول إصدار من نوعه منذ 2019.

تبرز هذه المؤشرات مجتمعةً حساسية المالية العمومية التونسية لأي انتعاش مفاجئ في أسعار الحبوب أو السكر عالمياً، ذلك أن كل نقطة إضافية في مؤشر الفاو تنعكس مباشرة على فاتورة التوريد وعلى مخصّصات صندوق الدعم، وبالتالي على مسار العجز والمديونية. وتظلّ استراتيجية تعزيز الإنتاج المحلي، رغم تعثّرها التاريخي، الرافعة الأكثر استدامة لتحصين الميزانية العامة من تقلّبات لا تملك تونس بشكل كامل أدوات التحكّم فيها.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا