تونس وسوق الحلال: فرصة تصديرية بحجم سوق عالمية
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تفتح المنتجات والخدمات الحلال أمام تونس مجالاً اقتصادياً يتجاوز البعد الاستهلاكي والديني، ليتحول إلى رافعة محتملة لتنويع الصادرات، ورفع القيمة المضافة، وتنويع الأسواق الخارجية. وتكتسب هذه الفرصة أهمية أكبر في ظل امتلاك البلاد قاعدة صناعية وغذائية وفلاحية وخدماتية قابلة للتطوير، في وقت تتوسع فيه سوق الحلال عالمياً بوتيرة متسارعة.
تونس تَمتلك قاعدة أولية قابلة للتثمين
تكشف المعطيات المتاحة أن تونس بدأت بالفعل في بناء نواة لاقتصاد حلال قابل للتوسع، إذ ارتفع عدد المؤسسات التونسية الحاصلة على شهادة المطابقة للحلال إلى نحو 40 مؤسسة في 2026، مقابل حوالي 20 مؤسسة سنة 2023. ويظل هذا الرقم محدوداً مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني والإمكانات التصديرية المتاحة، لكنه يعكس، في المقابل، اتجاهاً تصاعدياً نحو إدماج المطابقة الحلال في الاستراتيجية التجارية للمؤسسات.
وتستفيد تونس في هذا المجال من قاعدة إنتاجية متنوعة تشمل الصناعات الغذائية وزيت الزيتون والمنتجات البحرية والتمور ومستحضرات التجميل، فضلاً عن السياحة والخدمات المالية. وتمنح هذه القطاعات للاقتصاد الحلال التونسي إمكانية الانتقال من مجرد الحصول على شهادة مطابقة إلى بناء منظومة متكاملة للقيمة تشمل الإنتاج والتصديق والتغليف والتسويق واللوجستيات والتصدير.
وتبرز أهمية ذلك بوضوح في قطاع زيت الزيتون، الذي بلغت صادراته 4.07 مليار دينار خلال 2025 رغم تراجعها عن 4.86 مليار دينار في 2024، بينما سجلت صادرات الأسماك والقشريات والرخويات648.1 مليون دينار في 2024، والتمور 955.3 مليون دينار. وتوفر هذه المنتجات، إلى جانب الأغذية المصنعة، قاعدة حقيقية لبناء علامات تونسية حلال ذات قيمة مضافة أعلى.
السوق العالمية تَتوسع بوتيرة لافتة
يكتسب تطوير هذا القطاع في تونس مبرراته الأساسية من حجم الطلب العالمي. فقد بلغ إنفاق المستهلكين المسلمين على القطاعات الرئيسية للاقتصاد الإسلامي2.60 تريليون دولار في 2024، مع توقع ارتفاعه إلى3.56 تريليون دولار بحلول 2029، وفق أحدث تقرير للاقتصاد الإسلامي العالمي. وتشمل هذه السوق الغذاء والأدوية ومستحضرات التجميل والسفر والأزياء والإعلام والترفيه، بما يؤكد أن الاقتصاد الحلال أصبح منظومة تجارية متعددة القطاعات.
ويحتل الغذاء موقع القلب داخل هذه المنظومة، إذ بلغ إنفاق المسلمين على الأغذية والمشروبات نحو 1.5 تريليون دولار في 2024، بما يمثل 17.4% من الإنفاق العالمي على الغذاء، فيما يُتوقع بلوغه 2.1 تريليون دولار في 2029. ويعني ذلك أن سوق المنتجات الغذائية الحلال وحدها توفر مجالاً واسعاً أمام الدول القادرة على الجمع بين الجودة والتنافسية وشهادات المطابقة المعترف بها دولياً.
وتبرز أيضاً أهمية التجارة داخل فضاء منظمة التعاون الإسلامي، إذ تشير بيانات القطاع إلى أن واردات دول المنظمة من الأغذية الحلال بلغت293.6 مليار دولار في 2023، مع توقع ارتفاعها إلى 442.3 مليار دولار في 2028. وتتمركز أسواق كبيرة في السعودية وتركيا وإندونيسيا وماليزيا والإمارات، بما يوفر لتونس مجالاً جغرافياً واسعاً لتنويع وجهتها التصديرية.
التصديق يَفتح للحلال أبواباً تجارية جديدة
يبرز التحدي الرئيسي بالنسبة إلى تونس في تحويل هذه الإمكانات إلى صادرات فعلية. فقد أكد المدير العام المساعد للمركز الإسلامي لتنمية التجارة، مامادو بوكار سال، أن تونس تمتلك إمكانات مهمة لتطوير تجارة المنتجات والخدمات الحلال، داعياً إلى تعزيز منظومة التصديق وتسهيل نفاذ المؤسسات إلى الأسواق العربية والإفريقية والآسيوية. كما اقترح إحداث مجلس أعلى للحلال لتنسيق جهود مختلف الهياكل المعنية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى اقتصاد يحتاج إلى توسيع أسواقه الخارجية. فقد بلغت صادرات تونس63.7 مليار دينار في 2025، منها 47.2 مليار دينار نحو أوروبا، و6.88 مليار دينار نحو إفريقيا، و2.48 مليار دينار نحو آسيا. ويشير هذا التوزيع إلى أن الأسواق الإفريقية والآسيوية ما تزال تملك مجالاً واسعاً للتوسع مقارنة بالسوق الأوروبية، وهو ما يمكن أن يجعل المنتجات الحلال إحدى أدوات تنويع الوجهة الجغرافية للصادرات.
ويكتسب الطموح التونسي بعداً إضافياً مع توجه البلاد إلى تقديم نفسها كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا. ويشير مركز النهوض بالصادرات إلى أن عدد المؤسسات الناشطة في الاقتصاد الحلال تضاعف تقريباً منذ 2023، فيما تعمل تونس على إمكانية استضافة القمة العالمية للحلال سنة 2027، بما قد يوفر منصة دولية للترويج للعرض التونسي واستقطاب الشراكات والاستثمارات.
تونس تَحتاج إلى تحويل “الحلال” إلى سياسة تصديرية
يتطلب تحقيق هذه الإمكانات بناء منظومة وطنية أكثر تكاملاً، تبدأ بتوحيد إجراءات التصديق وتعزيز الاعتراف الدولي بالشهادات، ولا تنتهي عند دعم المؤسسات في التسويق واللوجستيات والتمويل. كما يستدعي الأمر ربط الجامعات ومراكز البحث والتكوين بالمؤسسات الصناعية حتى يصبح الاقتصاد الحلال مجالاً للابتكار وتطوير المنتجات، لا مجرد مطابقة تقنية.
وتبرز في هذا السياق أهمية بناء عرض تونسي إفريقي للمنتجات الحلال، كما دعا إلى ذلك وزير التجارة وتنمية الصادرات، من خلال تنسيق أكبر بين الدولة والمؤسسات والهياكل المهنية والجامعات ومراكز البحث. ويمكن لهذا التوجه أن يرفع القيمة المضافة للصادرات ويمنح المؤسسات التونسية مدخلاً أكثر تنظيماً إلى أسواق إفريقية وآسيوية ذات نمو ديمغرافي واستهلاكي مرتفع.
وتَؤكد المؤشرات أن تطوير الاقتصاد الحلال لا يمثل إنشاء قطاع موازٍ للاقتصاد التونسي، ولكن فرصة لإعادة تصنيف منتجات قائمة أصلاً وفق معايير تفتح أمامها أسواقاً إضافية. وكلما نجحت تونس في الانتقال من تصدير المواد والمنتجات إلى تصدير منتجات موثقة ومصنفة وذات علامة تجارية وقيمة مضافة أعلى، أمكن للاقتصاد الحلال أن يتحول تدريجياً إلى أداة لدعم الصادرات وتنويع الأسواق وتحسين اندماج تونس في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب