هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتفتح إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية أمام تونس نافذة استراتيجية لإعادة رسم موقعها ضمن منظومة التجارة الدولية، مستندة إلى قاعدتها الصناعية المتنوعة ونفاذها التفضيلي إلى السوق الأوروبية، فضلا عن الإمكانات الكامنة في السوق الإفريقية التي لم تُستنفد بعد.
وأكد ذلك خبير بمنظمة التجارة العالمية على هامش أشغال المنتدى العام للمنظمة، المنعقد بجنيف من 15 إلى 17 سبتمبر الجاري، في مداخلة سلّطت الضوء على الفرص والتحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي في سعيه نحو اندماج أعمق في سلاسل الإنتاج الدولية.
النفاذ الأوروبي: رصيد يستحق البناء عليه
أوضح الخبير أن تونس تتمتع بميزة نفاذ تفضيلي راسخة إلى سوق الاتحاد الأوروبي، تستفيد منها بشكل كبير إذ تتجه نحو 70 بالمائة من صادراتها نحو القارة الأوروبية. ويستند هذا الامتياز إلى اتفاقية الشراكة الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي منذ سنة 1995، والتي حررت التجارة الثنائية للسلع الصناعية وأتاحت تعريفات جمركية صفرية في السوق الأوروبية.
وتضاعفت صادرات تونس نحو الاتحاد الأوروبي أربع مرات بين عامي 1995 و2024، في حين تضاعفت واردات تونس من الاتحاد بـ2.7 مرة خلال الفترة ذاتها، لتُسجَّل موازين تجارية متوازنة نسبيا مع فائض لصالح تونس بلغ 1.8 مليار أورو سنة 2024. وساهم هذا النفاذ المضمون في جذب استثمار أجنبي مباشر أوروبي بلغ مستوى قياسيا سنة 2024 قدره 5.65 مليار أورو من الأسهم، فيما يوجد حاليا نحو 3400 شركة أوروبية ناشطة في تونس توفر أكثر من 409 آلاف موطن شغل مباشر.
وتشير معطيات أثر اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية الصادرة سنة 2021 إلى أن هذه الاتفاقية ساهمت في رفع الناتج المحلي الإجمالي التونسي بنسبة تفوق 1.5 بالمائة وفي زيادة أجور العمال بأكثر من 3 بالمائة، وتعد تونس من الدول الأكثر استفادة من الشراكة.
هذا وبين الخبير، في الوقت ذاته، إلى إمكانية تعزيز التنويع الجغرافي لصادرات تونس، بما يخفف من التركز الحالي على السوق الأوروبية الوحيدة ويوزع المخاطر التجارية على أسواق متعددة.
القارة الإفريقية: فرصة واعدة لم تُستثمر بالكامل
لفت الخبير إلى أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل مسارا يمكن أن يفتح أمام الاقتصاد التونسي فرصا جديدة داخل القارة، معتبرا أن إمكانات هذه السوق بالنسبة إلى تونس لم تُستغل بعد بالشكل الكافي.
ولاحظ أن الاقتصادات الإفريقية ما تزال عموما ضعيفة الاندماج في سلاسل القيمة الدولية، وهو ما يشكل فرصة كبيرة بالنسبة إلى تونس التي يمكنها أن تضطلع بدور حلقة وصل بين أوروبا ودول إفريقية أخرى. وتعمل تونس فعليا ضمن مبادرة التجارة الموجهة التابعة لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بصفتها إحدى الدول الثماني الرائدة في هذا البرنامج التجريبي، حيث تمكنت أكثر من 42 مؤسسة تونسية من إنجاز نحو 370 عملية تصدير مستفيدة من شهادات المنشأ التفضيلية وتخفيض التكاليف التجارية نحو أسواق القارة.
عوائق تكبح الاندماج الكامل في سلاسل القيمة
أكد الخبير، ردا على سؤال حول قدرة تونس على الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل القيمة، أن البلاد يمكنها بالفعل إعادة تموقعها، لكن ذلك يتطلب مراعاة عاملين أساسيين بالنسبة إلى المؤسسات المنخرطة في هذه السلاسل. ويتمثل العامل الأول في ضرورة تمكين المؤسسات من إدخال المدخلات دون دفع تعريفات ديوانية، فيما يتعلق العامل الثاني بولوج هذه المدخلات إلى البلاد في بيئة لا تتسم بمستوى مرتفع من البيروقراطية. واعتبر أن التعريفات الديوانية المرتفعة تمثل عائقا أمام اندماج المؤسسات في سلاسل القيمة، داعيا إلى أخذ سياسات الشركاء التجاريين بعين الاعتبار عند صياغة أي توجه إصلاحي.
ووصف الخبير التعريفات الديوانية بأنها، عموما، “أداة جبائية سيئة” لأنها تضر بالتنافسية والإنتاجية، مشيرا إلى أن الاتجاه العام يتمثل في خفضها باعتبار أن ارتفاعها يرتبط إلى حد كبير بأسباب جبائية تهدف إلى تحقيق إيرادات للدولة. ودعا، في المقابل، إلى التوجه نحو ضرائب غير تمييزية على غرار الأداء على القيمة المضافة، بوصفها أداة أقل ضررا بالنشاط الاقتصادي وأكثر حيادا تجاه القطاعات المنتجة.
القاعدة الصناعية: رصيد قوي رغم التحديات
شدد الخبير على أهمية نقاط القوة التي تمتلكها تونس، وخاصة قاعدة صناعية قوية ومتنوعة تشمل قطاعات النسيج والآلات والمنتجات الغذائية والمنتجات الكيميائية، معتبرا أن هذه القاعدة تمثل نحو 16 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. واعتبر أن تونس “تتمتع أصلا بدرجة جيدة من الاندماج في سلاسل القيمة”، مستندا إلى مؤشر استخدام نحو 50 بالمائة من المؤسسات التونسية لمدخلات موردة من الخارج، وهو ما يعكس ارتباط جزء مهم من النسيج الاقتصادي التونسي بسلاسل الإنتاج الدولية. ولفت إلى أن انخفاض تكلفة اليد العاملة والمزايا الجبائية الممنوحة للمستثمرين يمكن أن يمثلا بدورهما عاملي جذب إضافيين، رغم ما يرافق ذلك أحيانا من مستوى من التعقيد الإداري.
أكد الخبير أن تونس تتوفر على إمكانات تصديرية غير مستغلة بالكامل، وأن هذه الإمكانات ترتبط إلى حد كبير بالتحديات التي واجهتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، من ضعف الاستثمار والبطالة والتفاوت الجهوي إلى تفاقم ظاهرة الاقتصاد غير المنظم و”الحضور القوي للدولة” في النشاط الاقتصادي. وأوضح أن حضور الدولة يشمل عدة مجالات، حيث تظل المؤسسات الرئيسية عمومية، إلى جانب احتكارها لتوريد وتصدير عدد من المنتجات الأساسية على غرار القهوة والسكر والأدوية والحبوب والنفط. ولاحظ أن حضور الدولة بشكل نشط في قطاع معين يؤدي عموما إلى انخفاض الإنتاجية، معتبرا أن ذلك يمثل أحد العوامل المؤثرة سلبا في الأداء الاقتصادي العام.
آفاق الاندماج وتثمين الفرص القائمة
يفتح هذا التقييم الصادر عن خبير منظمة التجارة العالمية نقاشا أوسع حول الشروط اللازمة لتحويل الموقع الجغرافي والقاعدة الصناعية التونسية إلى رافعة فعلية للاندماج في سلاسل القيمة العالمية المعاد تشكيلها بفعل التوترات التجارية الدولية وتنامي نزعة إعادة التوطين القريب. ويستدعي استثمار هذه الفرصة، وفق ما يُستشف من التحليل، مزيجا من الإصلاحات المتعلقة بتبسيط الإجراءات الجمركية والحد من البيروقراطية، إلى جانب مراجعة تدريجية للتعريفات الديوانية بما يخدم التنافسية دون الإخلال بالتوازنات المالية للدولة.
ويبقى تعميق النفاذ إلى السوق الإفريقية، عبر تفعيل أكبر لمبادرة التجارة الموجهة ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مسارا واعدا لتنويع الأسواق وتقليص الاعتماد شبه الحصري على الشريك الأوروبي. وتبقى تونس، بحكم موقعها الجغرافي الفريد بين ضفتي المتوسط والقارة الإفريقية، مؤهلة لتصبح حلقة وصل تجارية إقليمية، شريطة مواصلة الإصلاحات الهيكلية التي من شأنها تعزيز جاذبيتها الاستثمارية وترسيخ اندماجها في منظومة الإنتاج العالمية.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية