آخر الأخبار

ميزانيتان لثقافتين: الأرقام تكشف هوية المؤسسة التونسية ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تُشكّل المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس نحو 90 إلى 94 بالمائة من النسيج الاقتصادي الوطني، حسب معطيات حديثة صادرة عن جهات رسمية ومهنية، وهو ما يجعل من طريقة تسييرها اليومي لأدواتها المالية، وفي مقدمتها الميزانية، مسألة ذات أثر مباشر على الاقتصاد ككل، بعيدًا عن كونها مجرد إجراء محاسبي داخلي.

وتنمو هذه المؤسسات في بيئة اقتصادية متقلبة، إذ سجّل الناتج المحلي الإجمالي التونسي تطورًا بنسبة 3.2 بالمائة خلال سنة 2025 مقابل 1.4 بالمائة فقط في السنة التي سبقتها، في وقت لا يتجاوز فيه معدل استدامة عدد كبير من المؤسسات الصغرى 18 شهرًا وفق بيانات الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى، ما يفسّر الأهمية المتزايدة لأدوات التسيير الدقيقة كالميزانية في ضمان بقاء هذه الكيانات وتطورها.

دراسة ميدانية تبرز نمطين في التسيير

انطلقت دراسة جامعية نوعية حديثة من فرضية أن الميزانية ليست مجرد جدول أرقام، بل مرآة تعكس طريقة عمل المؤسسة وثقافتها الإدارية وأسلوب تنسيقها الداخلي. وشملت هذه الدراسة 11 مؤسسة صغرى ومتوسطة تونسية، خضعت على مدى عدة أسابيع لملاحظة ميدانية دقيقة لممارساتها، إلى جانب تحليل معمّق لوثائقها الداخلية. واستكمل الباحثون عملهم بإجراء 23 مقابلة مباشرة مع مسيّرين ومديرين وإطارات تنفيذية، ما أتاح رصد نمطين متمايزين تمامًا في التعامل مع الميزانية داخل الحياة اليومية للمؤسسة.

تحتل الميزانية في الفئة الأولى من المؤسسات موقعًا محوريًا يتجاوز الوظيفة التوقعية البحتة، لتصبح بوصلة توجّه الاستراتيجية العامة وتؤطر النقاشات الداخلية. وتنخرط الإدارة العليا بشكل مباشر في هذه العملية، فيما يشارك المديرون بفعالية لافتة في متابعة تنفيذها أولًا بأول. وتتّسم اجتماعات الميزانية في هذا النمط بالانتظام والحيوية، حيث تُستعرض النتائج وتُحلَّل الفوارق وتُتخذ الإجراءات التصحيحية اللازمة دون تأخير، على أن تمتد النقاشات لتشمل خطط العمل والتوجهات الاستراتيجية الشاملة لا الجوانب المالية فحسب. ويوضح أحد المديرين هذا الترابط بقوله إن الميزانية تنبثق مباشرة من مخطط الأعمال ومن الاستراتيجية العامة للمؤسسة.

هذا وتُحدَّد الأهداف في هذا السياق بمستوى طموح كبير، يصفه بعض المسؤولين بالصعب التحقيق، إذ يقرّ أحدهم بأنه واجه دومًا صعوبات في بلوغ الميزانية بسبب طبيعتها الطموحة أصلًا. ويُنظر إلى كل انحراف، مهما كان طفيفًا، بوصفه إشارة تنبيه تستوجب المعالجة الفورية، وهو ما يلخصه أحد المسؤولين بقوله إن معرفة الأخطاء شرط أساسي لتصحيحها، وأنه يريدها واضحة أمامه باستمرار.

ونادرًا ما تخضع الميزانية الأولية للتعديل حتى في ظل ظروف طارئة، إذ تبقى مرجعًا ثابتًا يتيح تقييمًا متماسكًا للأداء، بل يرتبط الأداء والأجور أحيانًا مباشرة بمدى تحقيق الأهداف المرسومة. وينعكس هذا الانضباط أيضًا على بنية الميزانية ذاتها، التي تأتي غالبًا مفصّلة بدقة وفق إجراءات واضحة، بحيث يعرف كل فرد داخل المؤسسة دوره بالتحديد وما يتعين عليه تحليله وتوثيقه.

الميزانية ممارسة مرنة قائمة على العلاقات

تعمل الفئة الثانية من المؤسسات وفق منطق مغاير تمامًا، إذ يظل دور الميزانية فيها محدودًا رغم وجودها الشكلي. وتتخذ الإدارة معظم القرارات بصورة مستقلة نسبيًا، فيما تحظى العلاقات الشخصية بوزن أكبر من الإجراءات الرسمية المقنّنة. وتفتقر بعض هذه المؤسسات إلى إدارة فعلية متخصصة في مراقبة التسيير، مكتفيةً بوحدة محدودة النطاق تُعنى بمتابعة تكاليف المشاريع دون ربط ذلك باستراتيجية واضحة، وهو ما يعبّر عنه أحد المسؤولين بقوله إنه لا يوجد الكثير على المستوى الاستراتيجي.

ويبقى تتبع المشاريع، رغم ذلك، منتظمًا نسبيًا، إذ يتم شهريًا بالنسبة للمهام العامة ويوميًا بالنسبة للأنشطة الحساسة، مع رصد الفوارق ومناقشتها وتحليلها بانتظام. غير أن هذه المؤسسات، على عكس الفئة الأولى، تعمد إلى تعديل ميزانياتها بشكل متكرر، ذلك أن الخطط الأولية تفقد ملاءمتها بسرعة في بيئة متقلبة، ما يدفع الفرق إلى الاعتماد المستمر على معطيات وخطط محيّنة.

ويتّبع تقييم الأداء المنطق نفسه من المرونة، إذ يتسم بطابع ذاتي ومركزي يعتمد على معايير غير رسمية، ويلخّص أحد مسؤولي المشاريع هذا الواقع بقوله إن الحظ يلعب دورًا كبيرًا في النتيجة النهائية. وتتقدّم في هذا النمط المرونةُ والتكيّف المستمر والعلاقات الإنسانية على حساب التخطيط الصارم، لتصبح الميزانية أداة مواكبة للنشاط أكثر منها أداة توجيه حاسمة له.

تكشف هاتان المقاربتان المتباينتان عن رؤيتين مختلفتين لفلسفة التسيير ذاتها: الأولى تقوم على الانضباط والتخطيط والرقابة الصارمة، بينما تمنح الثانية الأولوية للمرونة والعلاقات الإنسانية والتكيّف المستمر مع المتغيرات. ولا يمكن الجزم بتفوق نمط على آخر بشكل مطلق، إذ يعكس كل منهما ثقافة داخلية وأنماط تنظيم وقيودًا خاصة بكل مؤسسة وسياقها. لكنها تُبرز، في المقابل، القدرة اللافتة لأداة واحدة هي الميزانية على اتخاذ أشكال متعددة تبعًا للسياق، بما يفتح الباب أمام قادة المؤسسات التونسية الصغرى والمتوسطة لإعادة النظر في الأداة التي يعتمدونها، واختيار ما يلائم فعليًا حجم مؤسستهم وثقافتها ومستوى نضجها التنظيمي، بدل تبنّي نموذج جاهز لا يراعي خصوصياتها.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا