آخر الأخبار

الشيخ بدري المداني: تخريب قبري بلعيد والبراهمي رسالة سياسية

شارك

ليست القبور ساحات للانتقا، ولا الموتى خصوما يُستوفى منهم ثأرٌ أو تُصفّى عندهم الحسابات. فإذا امتدت الأيدي إلى قبور الراحلين، فقد تجاوز الأمر حدود الخلاف السياسي إلى انهيار في منظومة القيم، وإساءة إلى معنى الدولة، واعتداءعلى حرمة الإنسان التي لا تنتهي بموته.

إن ما طال قبري الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي من تحطيمٍ وتخريب، فعل يستوجب الإدانة المطلقة، مهما كانت المواقف والاختلافات. فليس في كسر شاهد قبر نصر لفكرة، ولا في الاعتداء على الأموات انتصار لموقف، وإنما هو إيذاء لعائلاتهم، وإيلام لأبنائهم، وإثارة لجراح وطن ما زال يحمل آثار سنوات عصيبة من تاريخه.

وقد جعل الإسلام للميت حرمة عظيمة، فقال رسول الله ﷺ: «كسر عظم الميت ككسره حيًّا»، فكرامة الإنسان مصونة بعد وفاته كما هي في حياته. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وهو تكريم يشمل الإنسان في حياته وبعد مماته، فلا يجوز انتهاك حرمته أو العبث بقبره أو امتهان ذكراه.

إن تحطيم الرموز ليس دليل قوة، بل دليل عجز عن مقارعة الفكر بالفكر، والحجة بالحجة. فالأمم التي تحترم نفسها تحفظ ذاكرتها، مهما اختلفت في تقييم شخصياتها وأحداثها، لأن الذاكرة الوطنية لا تُبنى بالمطارق، وإنما تُبنى بالوعي والإنصاف واحترام القانون.

ويأتي هذا الاعتداء في توقيتٍ بالغ الحساسية، ونحن على بعد يومين من الاحتفال بذكرى الجمهورية التونسية، وبالتزامن مع ذكرى اغتيال الشهيد محمد البراهمي في الخامس والعشرين من جويلية. وكأن الرسالة التي ينبغي أن تكون رسالة وحدة وتماسك واحترام للدولة، تحوّلت إلى مناسبة تعود فيها مشاهد الكراهية لتطغى على قيم المواطنة.

إن الجمهورية ليست مجرد نظام حكم، بل هي قبل ذلك ثقافة تحترم الإنسان، وتحمي الأحياء، وتصون حرمة الأموات، وتحفظ الرموز الوطنية، وتترك للتاريخ وللبحث العلمي وللقضاء حقّ إصدار الأحكام، لا أن تُترك الأمور لمنطق التشفي والانتقام.

إن الاختلاف السياسي مهما اشتد، لا ينبغي أن يبلغ حدَّ الاعتداء على القبور، لأن من لا يحترم حرمة الموتى قد يستخفّ بحرمة الأحياء، ومن يعتدِ على ذاكرة الموتى يفتح بابًا خطيرا على السلم الأهلي والأخلاق العامة.

رحم الله جميع شهداء تونس، وألهم ذويهم الصبر والسكينة، وحفظ بلادنا من ثقافة التشفي والكراهية، وجعل اختلاف أبنائها اختلافا في خدمة الوطن لا في هدمه. فحين تُكسَر القبور، لا تُجرَح عائلات أصحابها فحسب، بل تُجرَح الجمهورية ذاتها، وتنكسر هيبة الدولة، ويخسر الجميع.

الشروق المصدر: الشروق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا