آخر الأخبار

تونس تطالب باندماج إفريقي أكثر التصاقاً بالواقع الاقتصادي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية وتتزايد فيه الضغوط الناجمة عن التقلبات المالية والتجارية الدولية، برزت دعوة تونس إلى ربط الاستراتيجية المستقبلية للاندماج الإقليمي في شمال إفريقيا بالواقع الاقتصادي المحلي باعتبارها مقاربة عملية تستهدف تعزيز نجاعة السياسات الإقليمية وتحويلها إلى رافعة فعلية للتنمية الاقتصادية. وتأتي هذه الدعوة بالتزامن مع شروع البنك الإفريقي للتنمية في إعداد وثيقة استراتيجية جديدة للاندماج الإقليمي لشمال إفريقيا للفترة 2027-2033، خلفاً للاستراتيجية الحالية الممتدة بين 2020 و2026 .

تؤكد المؤشرات الاقتصادية أن القارة الإفريقية ما تزال تواجه تحديات هيكلية تحد من استفادتها الكاملة من إمكانات الاندماج الاقتصادي فبالرغم من تحقيق إفريقيا معدل نمو اقتصادي يناهز 4.2 بالمائة خلال سنة 2025، فإن هذا الأداء ظل أقل من المستوى المطلوب لاستيعاب النمو الديمغرافي المتسارع وتوفير فرص العمل الكافية، خاصة في ظل استمرار هشاشة الاقتصادات الإفريقية أمام الصدمات الخارجية المرتبطة بأسعار الطاقة والغذاء وتشديد الأوضاع المالية العالمية .

نحو مراجعة عميقة لمفهوم الاندماج الإقليمي

تبرز في هذا السياق أهمية المقترحات التونسية التي دعت إلى مواءمة الاستراتيجية الجديدة مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الاندماج الإقليمي لم يعد يقتصر على تطوير البنية التحتية أو تسهيل المبادلات التجارية فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتحول الرقمي والأمن الغذائي والسيادة المالية والقدرة على تعبئة الموارد المحلية .

وتشير بيانات المؤسسات الإفريقية والدولية إلى أن التجارة البينية الإفريقية لا تزال تمثل نحو 15 إلى 18 بالمائة فقط من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بأكثر من 60 بالمائة داخل الاتحاد الأوروبي ونحو 40 بالمائة في شرق آسيا. ويعكس هذا الواقع محدودية الترابط الاقتصادي بين البلدان الإفريقية رغم إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تضم أكثر من 1.4 مليار مستهلك وناتجاً اقتصادياً يفوق 3.4 تريليون دولار .

تدعو الرؤية التونسية إلى تجاوز النموذج التقليدي للتمويل التنموي القائم على الاقتراض الخارجي نحو بناء هيكلية مالية إفريقية أكثر استقلالية. ويكتسب هذا التوجه أهمية متزايدة في ظل ارتفاع كلفة التمويل الدولي خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت أسعار الفائدة العالمية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد، ما أدى إلى زيادة أعباء خدمة الدين على العديد من الاقتصادات الإفريقية .

وتستند المقاربة المقترحة إلى ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في توسيع استخدام آليات تقاسم المخاطر، والانتقال من تمويل المشاريع المنفردة إلى منصات استثمارية إقليمية واسعة النطاق، وتعزيز تعبئة المدخرات المحلية وتحويلات الجاليات الإفريقية بالخارج . وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن تحويلات المهاجرين إلى إفريقيا تجاوزت 100 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الأخيرة، وهو مستوى يفوق في عدد من الدول حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية الرسمية. كما تتيح المدخرات المحلية وصناديق التقاعد وشركات التأمين إمكانات تمويلية كبيرة ما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي في تمويل المشاريع الإقليمية الكبرى .

تونس بوابة اقتصادية بين شمال القارة وعمقها الإفريقي

تراهن تونس على تعزيز موقعها كشريك محوري في مسار الاندماج الإفريقي مستفيدة من جملة من المقومات الاستراتيجية. ويتمثل أبرز هذه المقومات في انضمامها إلى السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا “الكوميسا” والتزامها بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، فضلاً عن امتلاكها قاعدة صناعية متنوعة وخبرات متراكمة في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة .

وتبرز الأرقام أهمية هذه المزايا، إذ يضم تجمع الكوميسا 21 دولة ويشكل سوقاً يتجاوز عدد سكانها 640 مليون نسمة، فيما تمثل منطقة التجارة الحرة القارية أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة .

وتستفيد تونس كذلك من موقع جغرافي استراتيجي يجعلها نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا والفضاء المتوسطي. كما تتمتع بقاعدة صناعية متقدمة نسبياً في مجالات الصناعات الدوائية والصناعات الغذائية والصناعات الكهربائية ومكونات السيارات والخدمات الهندسية والرقمية .

وتعزز هذه الخصائص قدرة المؤسسات التونسية على الاندماج في سلاسل القيمة الإفريقية، خاصة في ظل تنامي الطلب داخل الأسواق الإفريقية على المنتجات المصنعة والخدمات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع .

الاندماج الإقليمي كرافعة للنمو والتشغيل

يؤكد البنك الإفريقي للتنمية أن تعميق الاندماج الاقتصادي يمثل أحد أهم الأدوات المتاحة لمواجهة حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فتعزيز الترابط بين الاقتصادات الإفريقية من شأنه توسيع الأسواق وتحفيز الاستثمارات ورفع مستويات الإنتاجية .

وتتيح هذه الديناميكية فرصاً واعدة للقطاع الخاص التونسي، لا سيما في قطاعات الصناعات الغذائية والنسيج ومواد البناء والصناعات الدوائية والخدمات الرقمية. كما يمكن أن يسهم تطوير الممرات اللوجستية العابرة للحدود وتحسين الربط الطاقي والنقل متعدد الوسائط في خفض تكاليف التصدير وتقليص آجال النفاذ إلى الأسواق الإفريقية .

وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن التنفيذ الكامل لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يمكن أن يرفع حجم التجارة البينية للقارة بأكثر من 50 بالمائة على المدى المتوسط، وأن يسهم في إخراج عشرات الملايين من الأفارقة من دائرة الفقر عبر تعزيز النشاط الاقتصادي والاستثماري .

تكشف نتائج تقييم استراتيجية الاندماج الإقليمي الحالية لشمال إفريقيا أن التحديات لا تزال كبيرة، سواء على مستوى محدودية التكامل التجاري والمالي أو ضعف مواءمة الأطر التنظيمية والمعايير الفنية، فضلاً عن استمرار العراقيل اللوجستية التي تحد من انسياب المبادلات الاقتصادية بين دول المنطقة .

وتبرز في المقابل أهمية الدعوة التونسية إلى صياغة استراتيجية جديدة أكثر ارتباطاً بالواقع المحلي وأكثر قدرة على استيعاب التحولات التكنولوجية والاقتصادية الجارية. فنجاح الاندماج الإقليمي لن يقاس مستقبلاً بعدد الاتفاقيات الموقعة أو المشاريع المنجزة فحسب، بل بمدى مساهمته في تعزيز السيادة الاقتصادية وخلق فرص العمل ورفع تنافسية المؤسسات الوطنية .

وتؤسس هذه الرؤية لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية الإفريقية تقوم على تعبئة الموارد الذاتية وتعميق التكامل الإنتاجي وتطوير سلاسل القيمة العابرة للحدود، بما يجعل من الاندماج الإقليمي أداة فعلية للتحول الاقتصادي المستدام وليس مجرد إطار مؤسساتي للتعاون بين الدول .

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا