آخر الأخبار

تونس نحو إفريقيا : رهانات التصدير في اقتصاد عالمي متغير

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تتوسع أهمية القارة الإفريقية تدريجيًا باعتبارها أحد أكثر الفضاءات الاقتصادية ديناميكية في الاقتصاد العالمي، إذ تضم اليوم أكثر من 1.4 مليار نسمة، مع توقعات ببلوغ 2.5 مليار نسمة في أفق 2050، ما يجعلها أكبر تجمع سكاني مستقبليًا في العالم.

وتستحوذ القارة على ناتج داخلي خام إجمالي يقدّر بنحو 3.4 تريليون دولار وفق تقديرات البنك الإفريقي للتنمية، في حين لا تزال التجارة البينية الإفريقية في حدود 15% إلى 18% فقط من إجمالي التجارة القارية، مقابل أكثر من 60% في أوروبا وآسيا، وهو ما يكشف عن فجوة هيكلية ضخمة قابلة للتحول إلى فرصة نمو استثنائية. وتستفيد هذه المعطيات من تسارع التحضر، حيث يُتوقع أن تتجاوز نسبة السكان الحضريين 60% بحلول 2050، بما يخلق طلبًا متزايدًا على السلع الصناعية، الغذائية، والخدمات اللوجستية والمالية.

تفعيل الإطار المؤسسي لمنطقة “زليكاف”

تؤطر عملية الاندماج التجاري الإفريقي اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية )زليكاف (التي تشرف عليها الأمانة العامة للمنطقة، والتي دخلت حيز التنفيذ الفعلي منذ 2021 وتشمل 54 دولة إفريقية.

وتعمل الاتفاقية على إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على ما يقارب 90% من السلع المتبادلة، مع تحرير تدريجي لقطاع الخدمات، ما يجعلها أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة. وتشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن تنفيذ الاتفاقية بشكل كامل قد يرفع حجم التجارة البينية الإفريقية بأكثر من 45% بحلول 2045، مع إمكانية رفع الدخل القاري بنحو 7% إلى 10% على المدى الطويل.

كما تتيح الاتفاقية إعادة تشكيل سلاسل القيمة الإقليمية، بما يسمح بتوطين الإنتاج داخل القارة عوض الاعتماد المكثف على الواردات من خارجها، التي لا تزال تمثل أكثر من 80% من إجمالي التجارة الإفريقية.

تونس والتحولات الجيو-تجارية الإفريقية

تعزز تونس موقعها كاقتصاد منفتح يعتمد على التجارة الخارجية، حيث تمثل الصادرات ما يقارب 45% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توجيه حوالي 66% من صادراتها نحو الاتحاد الاوروبي، خاصة فرنسا وإيطاليا وألمانيا، بينما لا تتجاوز حصة إفريقيا جنوب الصحراء نحو 6% إلى 8% فقط من إجمالي الصادرات التونسية، وفق تقديرات مؤسسات تجارية وطنية ودولية.

ويكشف هذا التوزيع غير المتوازن عن هامش توسع كبير نحو الأسواق الإفريقية، خصوصًا في غرب إفريقيا التي تسجل معدلات نمو اقتصادي تتراوح بين 3.5% و6% سنويًا في عدة دول مثل ساحل العاج والسنغال وغانا ونيجيريا. وتستفيد تونس من موقع جغرافي متقدم يربط المتوسط بإفريقيا جنوب الصحراء، ومن قاعدة صناعية متنوعة تشمل الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج والصناعات الغذائية، ما يجعلها مؤهلة لتوسيع حضورها القاري.

هذا وتدعم تونس توجهها نحو إفريقيا بالاستفادة من الأدوات المالية والمؤسساتية الجديدة التي توفرها المنظومة القارية، وفي مقدمتها صندوق التعديل التابع للاتفاقية، الذي تم تطويره بالشراكة مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد بهدف مساعدة الدول والمؤسسات على التكيف مع آثار التحرير التجاري.

كما يتيح نظام المدفوعات والتسويات الإفريقي تقليص كلفة المعاملات المالية بنسبة قد تصل إلى 30% مقارنة بالتحويلات التقليدية عبر العملات الوسيطة مثل الدولار واليورو، وهو ما يشكل مكسبًا مباشرًا للمؤسسات التصديرية، خاصة الصغرى والمتوسطة. وفي المقابل، لا تزال كلفة النقل داخل إفريقيا مرتفعة، حيث تشير تقديرات مختلفة إلى أنها أعلى بـ1.5 إلى 2 مرة من المعدلات العالمية، بسبب ضعف البنية التحتية اللوجستية وغياب الربط الكافي بين الموانئ والمناطق الداخلية.

تطوير التجارة البينية الإفريقية

تسعى تونس إلى تعزيز اندماجها في سلاسل القيمة الإفريقية عبر تطوير الممرات اللوجستية البحرية والجوية والبرية، وربط موانئها الرئيسية مثل رادس وبنزرت بسلاسل توزيع تمتد نحو غرب ووسط إفريقيا.

وتعمل التجارب الدولية على تأكيد أن خفض كلفة النقل بنسبة 10% فقط يمكن أن يرفع حجم التجارة البينية بما يتراوح بين 20% و25%، ما يعكس أهمية الاستثمار في البنية التحتية. كما يشكل تحسين الخدمات اللوجستية الرقمية، مثل أنظمة التخليص الجمركي الإلكتروني وتتبع الشحنات، رافعة أساسية لرفع تنافسية الصادرات التونسية داخل السوق الإفريقية الموحدة.

تفتح إفريقيا الغربية، التي تمثل سوقًا تفوق 400 مليون مستهلك، آفاقًا واعدة أمام الصادرات التونسية، خاصة مع تسارع الطلب على المعدات الصناعية والمواد الغذائية والخدمات التكنولوجية.

ويؤكد مسؤولون في الأمانة العامة لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، من بينهم الأمين العام وامكيلي ميني، أن تونس تمتلك موقعًا ملائمًا لتنويع أسواقها الإفريقية بالاستفادة من خبرتها التصديرية تجاه أوروبا ومن انخراطها المبكر في المبادرات التجريبية للتجارة القارية غير أن هذا التوسع يظل مرهونًا بقدرة المؤسسات التونسية على تجاوز تحديات التمويل، وارتفاع المخاطر التجارية، وضعف المعلومات حول الأسواق المحلية الإفريقية، وهي عناصر تحد من سرعة الاندماج.

تتجه تونس، في إطار شراكة مع المؤسسات الإفريقية، إلى إعداد خطة عمل استراتيجية تهدف إلى تعزيز التجارة البينية، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، ودعم القطاع الخاص في التوجه نحو الأسواق الإفريقية. ويعكس هذا التوجه تحوّلًا تدريجيًا في الرؤية الاقتصادية التونسية نحو تنويع الشركاء التجاريين وتقليل الاعتماد المفرط على السوق الأوروبية.

وفي ضوء هذه التحولات، تمثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية فرصة لإعادة تموضع تونس داخل فضاء اقتصادي صاعد، قادر على إعادة تشكيل خريطة التجارة الدولية خلال العقود المقبلة، بما يعزز النمو المستدام ويعمّق الاندماج الإقليمي.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا