تشارك تونس في اجتماعات الربيع السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي المنعقدة بواشنطن في ظرف اقتصادي عالمي بالغ الحساسية، يتسم بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وعودة الضغوط التضخمية وارتفاع منسوب عدم اليقين في الأسواق الدولية، وهي مشاركة تكتسي هذا العام أهمية استثنائية باعتبارها تأتي في سياق إعادة صياغة التموضع المالي والدبلوماسي التونسي تجاه المؤسسات المالية متعددة الأطراف.
وتحمل المشاركة التونسية، وفق القراءة الرسمية والسياسية المتبلورة خلال الأشهر الأخيرة، رسالة واضحة مفادها أن تونس منفتحة على التعاون مع الشركاء الماليين الدوليين، لكنها حريصة في الآن ذاته على ترسيخ علاقة جديدة تقوم على التوازن والاحترام المتبادل، بعيدا عن منطق التبعية أو الإملاءات التقليدية التي طبعت في مراحل سابقة علاقة بعض الاقتصادات الناشئة بالمؤسسات المقرضة.
وتسعى السلطات التونسية من خلال حضورها في واشنطن إلى تكريس مقاربة دبلوماسية اقتصادية جديدة تقوم على بناء شراكات تمويلية وتنموية مثمرة، تستجيب لأولويات الاقتصاد الوطني وتحترم الخصوصية الاجتماعية للدولة، بما يحفظ القرار الاقتصادي الوطني ويضمن انسجام أي تعاون مستقبلي مع الخيارات السيادية للبلاد.
مقاربة جديدة للعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية
تعكس التحركات الرسمية خلال المرحلة الأخيرة توجها نحو تجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية في بعدها التمويلي الصرف، نحو تصور أكثر شمولا يجعل من هذه العلاقة فضاءً لتبادل الخبرات الفنية، ودعم الإصلاحات الهيكلية المنتقاة وطنيا، وتعبئة التمويلات الموجهة للاستثمار والبنية التحتية والتنمية الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تبدو تونس حريصة على التأكيد بأن انخراطها في الحوارات المالية الدولية لا يعني التفريط في استقلالية قرارها الاقتصادي، بل يندرج ضمن منطق براغماتي يهدف إلى توظيف مختلف أدوات التعاون الدولي لخدمة المصلحة الوطنية العليا. ويترجم هذا التوجه رغبة واضحة في بناء علاقة ندّية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قوامها الشفافية والتعاون المثمر والمصلحة المشتركة، لا علاقة وصاية أو تبعية.
ويأتي هذا التمشي في وقت يواصل فيه البنك الدولي تعزيز حضوره التمويلي في تونس عبر برامج دعم اجتماعي وتنموي متعددة، من بينها تمويلات جديدة لدعم الحماية الاجتماعية وتعزيز شبكات الأمان للفئات الهشة، كما صادق مؤخرا على تمويلات إضافية لفائدة مشاريع الأمن المائي والقدرة على الصمود بقيمة تناهز 332.5 مليون دولار، في مؤشر على استمرار الثقة الدولية في قدرة تونس على إنجاز مشاريع تنموية استراتيجية.
التحرك وسط مناخ اقتصادي عالمي مضطرب
تنعقد اجتماعات الربيع لهذه السنة في سياق دولي شديد التعقيد، حيث حذر صندوق النقد الدولي من تزايد المخاطر على الاقتصاد العالمي بسبب التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، مع خفضه توقعات النمو العالمي إلى 3.1 بالمائة لسنة 2026.
ويزيد هذا المناخ الدولي المتوتر من أهمية الحضور التونسي في هذه الاجتماعات، باعتبار أن الاقتصادات الناشئة والمستوردة للطاقة، وفي مقدمتها تونس، تبقى من أكثر الدول عرضة لتداعيات الصدمات الخارجية المرتبطة بأسعار النفط، وتقلبات التمويل الدولي، وتعقد الأوضاع النقدية العالمية.
ومن هذا المنطلق، تندرج المشاركة التونسية أيضا ضمن مسعى استباقي لتعزيز قنوات التنسيق مع الشركاء الماليين الدوليين، وتأمين أفضل شروط النفاذ إلى التمويلات والخبرات في بيئة مالية عالمية تزداد تنافسية وصعوبة.
تحسن تدريجي للاقتصاد الوطني
تعكس آخر التحيينات الصادرة عن المؤسسات الدولية نظرة حذرة لكن إيجابية نسبيا تجاه الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط، وسط توقعات باستمرار التعافي التدريجي رغم بقاء التحديات الهيكلية والظرفية.
وتشير تقديرات حديثة متداولة في الأوساط الاقتصادية الدولية إلى أن الاقتصاد التونسي واصل تسجيل نمو إيجابي خلال سنة 2025 مدعوما بتحسن النشاط السياحي وانتعاش تدريجي في بعض القطاعات الإنتاجية، فيما تتوقع عدة مؤسسات دولية استمرار هذا النسق التصاعدي خلال سنتي 2026 و2027 إذا تواصل الاستقرار المالي وتحسن مناخ الاستثمار. وفي المقابل، تعتبر المؤسسات المالية الدولية أن تسريع وتيرة النمو إلى مستويات تفوق 3 أو 4 بالمائة سنويا يظل مرتبطا بقدرة تونس على مواصلة الإصلاحات المرتبطة بمناخ الأعمال، ورفع الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتحديث الإدارة الاقتصادية.
أما على مستوى المالية العمومية، فتتجه التقديرات إلى ترقب تحسن تدريجي في التوازنات المالية إذا نجحت الدولة في مواصلة التحكم في العجز وترشيد النفقات دون المساس بالتوازن الاجتماعي، بينما يبقى ملف المديونية العمومية أحد أبرز الملفات التي تحظى بمتابعة دقيقة من قبل المراقبين الدوليين.
تونس ترسخ دبلوماسية اقتصادية أكثر ثقة
تؤشر مشاركة تونس في اجتماعات واشنطن، في بعدها السياسي والاقتصادي، إلى نضج متزايد في إدارة علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية، وإلى انتقال تدريجي نحو خطاب اقتصادي أكثر ثقة بالنفس، قوامه الانفتاح دون ارتهان، والتعاون دون تنازل، والاستفادة من التمويل الدولي دون التفريط في القرار الوطني.
وتدرك تونس أن المرحلة المقبلة تفرض عليها الجمع بين متطلبات الواقعية الاقتصادية وحتمية الحفاظ على الثوابت السيادية، بما يجعل من انخراطها في المنظومة المالية الدولية خيارا استراتيجيا مدروسا لا تناقضا مع استقلال قرارها الاقتصادي.
ولا تبدو مشاركة تونس في اجتماعات الربيع مجرد حضور بروتوكولي ضمن رزنامة مالية دولية سنوية، بقدر ما تشكل محطة سياسية واقتصادية تؤكد من خلالها الدولة أنها بصدد إعادة تعريف موقعها داخل المنظومة المالية العالمية كشريك مسؤول ومنفتح، لكنه متمسك بسيادته، ومتعاون، في سياق الحرص على أن يكون التعاون في خدمة التنمية الوطنية لا على حسابها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية