منذ بداية هذا العام، لم يعد الحديث عن السيولة النقدية في تونس محصورًا في أرقام المعروض النقدي أو مؤشرات الاقتصاد الكلي، ولكنه أصبح موضوعًا استراتيجيًا يشكّل جوهر نقاشات الأجهزة النقدية والمالية في البلاد.
تتوزع السيولة بين جهات متعددة تتنافس في الكثير من الأحيان على موارد محدودة، وتساهم كل جهة بطرق مختلفة في تمويل النشاط الاقتصادي أو امتصاص الموارد النقدية من السوق. ومن هنا، فان فهم من يملك السيولة اليوم في تونس هو مفتاح لفهم قدرة الاقتصاد على التمويل الذاتي للنمو أو مدى تقيده بقنوات توزيع غير فعّالة.
المعروض النقدي: وفرة ظاهرية
تظهر الأرقام الرسمية أن المعروض النقدي الموسّع في تونس بلغ في ديسمبر 2025 مستوى قياسيًا عند نحو 135.976 مليار دينار، مقابل نحو 133.941 مليار دينار في الشهر السابق، وهو أعلى مستوى يسجّله هذا المؤشر منذ عقدين وفق بيانات البنك المركزي التونسي.
كما بلغ المعروض النقدي الأوسع نحو 146.497 مليار دينار، مما يعكس زيادة كمية النقد داخل الاقتصاد. وتوحي هذه الأرقام بوفرة نقدية ظاهرية داخل النظام المالي، إلا أن الواقع يبرز أكثر تعقيدًا من مجرد الأرقام المطلقة باعتبار ان التركيب الحقيقي للسيولة ومكان وجودها وتحركها عبر الفاعلين الاقتصاديين يظهر تشتتًا واضحًا في قنوات التمويل.
أحد الظواهر اللافتة في 2026 هو ارتفاع حجم الأوراق النقدية المتداولة خارج النظام البنكي الرسمي إلى مستويات غير مسبوقة حيث بلغت السيولة الورقية التي يحملها الأفراد والمؤسسات خارج الحسابات البنكية نحو 27.5 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 9.6 مليار دولار، بزيادة تقدر بنحو 20٪ عن العام السابق. ويعكس هذا الارتفاع أن شريحة واسعة من المتعاملين في السوق تفضل الاحتفاظ بالنقد في أيديهم بدلًا من إيداعه في حسابات بنكية، ليُوظف غالبًا كأداة احتياط في مواجهة الضبابية الاقتصادية وضعف وسائل الدفع غير النقدي وتأخر الخدمات الرقمية مقارنة بالمعايير الدولية.
البنوك التجارية تحت ضغط السيولة
بالرغم من الأرقام الكبيرة على مستوى المعروض النقدي، فإن السيولة الفعلية المتاحة للبنوك التجارية لتحويلها إلى قروض وتسليفات مختلفة تبقى محدودة بنوع الودائع ومدى قابليتها للإقراض ذلك ان الكثير من السيولة المتاحة في البيانات النقدية والمالية المتعلقة بالمعروض النقدي ليست في حسابات جارية أو ودائع قابلة للاستخدام بشكل مباشر لتمويل المشاريع، ولكنها تكون عموما جزءًا من ودائع طويلة الأجل أو احتياطيات لا يمكن للبنوك الاستفادة منها دون مخاطر تنظيمية.
وعلى هذا الاساس فان ارتفاع النقد خارج المنظومة البنكية يقلل من الموارد الرسمية المتاحة لدى البنوك، مما ينعكس على صعيد ارتفاع تكلفة الاقراض وصعوبة حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص على التمويل اللازم لتوسيع أنشطتها.
البنك المركزي: احتياطات ضخمة ودور تنظيمي
يلعب البنك المركزي التونسي دورًا حيويًا في إدارة السيولة عبر أدوات السياسة النقدية وضبط معدلات الأسعار. وفق بيانات رسمية، بلغت موزانة البنك المركزي نحو 56.287 مليون دينار في جانفي 2026، وهو مؤشر على حجم الموارد التي يمتلكها. كما أبقى البنك سعر الفائدة الأساسي عند 7٪ في أوائل 2026، في محاولة للحفاظ على توازن بين دعم التمويل ومحاربة التضخم. هذا وتعد السيولة التي يمتلكها البنك المركزي ليست دائمًا متاحة بصفة مباشرة في خدمة التمويل القطاعي، اذ غالبًا ما تكون جزءًا من احتياطيات نقدية تستخدم لضبط السياسة النقدية، وليس لتوجيه التمويل نحو الأنشطة المنتجة في الاقتصاد الحقيقي.
الدولة والاقتراض الداخلي
مع ارتفاع عجز الميزانية وتقلص مصادر التمويل الخارجي، لجأت الدولة التونسية إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض الداخلي لتمويل نفقاتها الجارية. هذا الاتجاه يمتص جزءًا من السيولة الرسمية التي يمكن أن تكون موجهة نحو التمويل الخاص، ويزيد من التنافس بين القطاع العام والقطاع الخاص على موارد التمويل المتاحة في النظام البنكي. فقد أشار تقرير حديث إلى أن تونس تخطط لطلب تمويل مباشر من البنك المركزي بقيمة 3.7 مليار دولار لسد العجز المالي، وهو مؤشر على ضغوط كبيرة على البلاد في توفير السيولة.
في نفس الاتجاه، لا يمكن فهم خريطة السيولة في تونس دون النظر إلى دور الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتمد بشكل كبير على النقد في معاملاته اليومية ذلك ان هذا القطاع، الذي تؤكد بعض التقارير أنه يشكل نسبة مهمة من الناتج المحلي، يستخدم جزءًا كبيرًا من السيولة النقدية خارج الحسابات الرسمية، مما يقلل من قدرة البنك المركزي والبنوك التجارية على تتبع وتوجيه النقد، ويحد من فاعلية أدوات السياسة النقدية في تحريك التمويل نحو القطاعات المنتجة.
سيولة متاحة لكنها غير ممركزة
عند قراءة خريطة السيولة في تونس اليوم، يتضح أن السيولة النقدية موجودة بالفعل، لكنها غير مرتبة بشكل يخدم النمو والاستثمار فهي موزعة بين احتياطيات البنك المركزي، وودائع بنكية غير قابلة للاستخدام بسهولة في التمويل، وسيولة نقدية في أيدي الأفراد والمؤسسات خارج البنوك، وموارد يمتصها الاقتراض الداخلي للدولة، وسيولة تعبر الاقتصاد غير الرسمي.
هذا التشتت يعكس تحديات أعمق في السياسة النقدية والمالية، ويستدعي استراتيجيات متكاملة لإعادة توجيه السيولة نحو الاستثمار المنتج والنمو المستدام، مع تعزيز الثقة في النظام البنكي وتوسيع استخدام الدفع غير النقدي وتطوير البنية التحتية المالية الرقمية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية