غالبا ما تُظهر الاجتماعات الدبلوماسية الكبرى صورا شديدة الانضباط: طاولة، ومصافحات، وكلمات منتقاة بعناية، ثم بيان ختامي.
لكن خلف هذه الواجهة المنظّمة، توجد أحيانا طموحات أعمق. ويندرج اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع، المنعقد تحت الرئاسة الفرنسية، ضمن هذه الفئة.
فإلى جانب البروتوكول، يكشف هذا الموعد شيئا عن المكانة التي تسعى فرنسا اليوم إلى استعادتها في عالم تهزه الحروب، والانقسامات الجيوسياسية، وتآكل الأطر الجماعية.
وما يجري هنا ليس مجرد محطة دبلوماسية إضافية، بل هو محاولة فرنسية لإعادة بعض الانسجام إلى نظام دولي متشظٍّ، مع إظهار أن باريس ما تزال تريد أن يكون لها وزن، لا بالكلام فقط، بل أيضا بالمنهج، وبجدول الأعمال، وبالقدرة على اقتراح أدوات ملموسة.
رئاسة فرنسية صيغت كمسار متكامل
أول ما يلفت الانتباه هو أن فرنسا لا تتعامل مع هذا الاجتماع الوزاري على أنه موعد معزول. بل تدرجه ضمن تسلسل أوسع، يقوم على منطق المراحل، والاستمرارية، والتصعيد التدريجي.
بمعنى آخر، لا تسعى باريس فقط إلى إنجاح لحظة دبلوماسية، بل تريد بناء رئاسة واضحة المعالم، منظّمة، وقادرة على خلق دينامية تمتد إلى غاية قمة إيفيان. وقد يبدو ذلك تقنيا، لكنه في الواقع يمثل في حد ذاته إشارة سياسية. فالرئاسة التي تنتظم عبر الزمن تُظهر أنها تريد التأثير بطريقة تتجاوز مجرد وقع الإعلان.
و في مشهد دولي مثقل بالأزمات المستعجلة، فإن هذه الرغبة في منح العمل الجماعي اتجاها و هندسة واضحة تمثل بحد ذاتها طريقة للتميّز.
الفكرة الفرنسية: تحويل مجموعة السبع إلى فضاء للدفع والتحريك
وراء هذا المنهج، توجد رؤية. ففرنسا تريد بوضوح أن تجعل من مجموعة السبع أكثر من مجرد نادٍ يتفاعل مع الأزمات. إنها تسعى إلى تحويلها إلى فضاء للدفع، والتنسيق، وتحقيق النتائج.
الرسالة واضحة: في عالم يبدو فيه كل شيء متسارعا، لم يعد يكفي التعليق على الصدمات، بل يجب محاولة تنظيمها سياسيا، وربط الأزمات بعضها ببعض، وإنتاج ردود تتجاوز منطق رد الفعل الدفاعي.
و هنا تظهر البصمة الفرنسية. إذ يبدو أن باريس تريد الجمع بين عدة مستويات من القراءة: الحروب المفتوحة، والسلاسل الإنسانية، وإعادة الإعمار، والاتجار غير المشروع، والأمن البحري، والمعادن الحيوية، وسيادة الدول، والهجرة، ومكافحة تمويل الإرهاب. وهذا النهج الواسع ليس صدفة، بل يكشف عن طموح يتمثل في إعادة الدبلوماسية إلى وظيفتها الأساسية المتمثلة في تنظيم الواقع العالمي.
مجموعة سبع أكثر انفتاحا واتساعا وأقرب إلى موازين العالم الجديدة
أحد أكثر الخيارات إثارة للاهتمام في هذه الرئاسة هو الرغبة في توسيع الحوار. ففرنسا لا تريد مجموعة سبع منغلقة على نفسها، وكأن القوى الصناعية القديمة ما تزال قادرة وحدها على تنظيم العالم.
و من خلال إشراك دول مثل الهند، والبرازيل، والسعودية، وكوريا الجنوبية، توجه باريس رسالة دقيقة لكنها قوية: لقد تغيّرت التوازنات، وتحركت مراكز الثقل، ولم يعد بالإمكان تصور حوكمة ذات مصداقية تتجاهل القوى الصاعدة أو الفاعلين الإقليميين الكبار.
و هذا الانفتاح ليس مجرد بادرة دبلوماسية، بل هو أيضا خيار استراتيجي. فهو يسمح لفرنسا بأن تضع نفسها في قلب حوار أوسع، وأن تبدو كأحد الفاعلين الغربيين النادرين القادرين على مخاطبة عوالم مختلفة دون الاكتفاء بمنطق التكتلات.
ست جلسات لرسم رؤية للعالم
حتى تنظيم الاجتماع الوزاري نفسه يعكس هذا الطموح. فكل جلسة تبدو وكأنها صيغت لا كنقاش منفصل، بل كجزء من كلّ متكامل.
فهناك أولا إصلاح الحوكمة العالمية وفعالية التعددية الأطراف. ثم تأتي إعادة الإعمار، وإدارة الأزمات الإنسانية، والتفكير في آليات الاستجابة. وبعد ذلك تبرز التهديدات العابرة للحدود، والاتجار غير المشروع، والسيادة، والأمن البحري، والموانئ. وفي النهاية، تظل الأزمات الجيوسياسية الكبرى في صلب النقاشات، من أوكرانيا وإيران إلى الشرق الأوسط، فضلا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والسودان، وهايتي، وغزة، وفنزويلا، وكوبا.
و ما تكشفه هذه الهندسة هو تصور فرنسي معين للدبلوماسية: دبلوماسية ترفض الفصل بين الحروب والتدفقات، أو بين النزاعات وإعادة الإعمار، أو بين الأزمات الإقليمية والهشاشة البنيوية. دبلوماسية تحاول، باختصار، أن تجمع بين الهزات الآنية والاختلالات العميقة.
أوكرانيا وإيران في صلب أجندة قوة
من بين الملفات الكبرى، تحتل أوكرانيا وإيران موقعا مركزيا، وليس ذلك من قبيل الصدفة. ففي ما يتعلق بأوكرانيا، تريد فرنسا الحفاظ على الدعم في مجالي الطاقة والقدرات، مع تشديد الضغط على الالتفافات الروسية، خصوصا عبر ملف “الأسطول الشبح”. والرسالة هنا مزدوجة: دعم لكييف، لكن أيضا تعامل مع الحرب الروسية باعتبارها قضية أمن أوسع، ذات أبعاد بحرية وبيئية واستراتيجية.
أما في ما يتعلق بإيران، فيبدو أن الخط الفرنسي يسعى إلى تحقيق توازن بين الحزم وخفض التصعيد. فالهدف هو الدفاع عن أمن السكان، والحفاظ على المسارات البحرية والتجارية، والدفع نحو وقف البرنامجين النووي والبالستي، من دون التخلي عن فكرة مخرج سياسي.
و هذه المركزية المزدوجة، لأوكرانيا وإيران، تكشف شيئا من القراءة الفرنسية للمرحلة: لم يعد من الممكن التفكير في أوروبا والشرق الأوسط كلٌّ على حدة، بل أصبحا ساحتين مترابطتين عبر الطاقة، والأمن، والتدفقات، وإعادة تشكيل موازين القوة.
ما يميز فرنسا فعلا: البحث عن أدوات عملية
أحد أبرز الجوانب التي تمنح هذه الرئاسة قيمتها يتمثل في الرغبة في عدم الاكتفاء بالمبادئ. ففرنسا تسعى بوضوح إلى إرساء أدوات ومشاريع وآليات ملموسة.
فعلى المستوى الإنساني، تدفع نحو ترشيد سلاسل التوزيع من أجل زيادة القدرة الفعلية على تقديم المساعدات الغذائية.
و في ملف إعادة الإعمار، تريد التعبئة حول أوراش محددة، مثل تشرنوبيل. وفي مواجهة المخدرات والتهديدات العابرة للحدود، تطرح فكرة فرق عمل، وشبكات موانئ، وتعاون معزّز. أما في ملف الإرهاب المالي، فهي تُحضّر لمؤتمر دولي ذي طابع هيكلي.
و في ما يخص الشرق الأوسط، فهي تعمل منذ الآن على آليات مرتبطة بالتنمية وإعادة الإعمار.
و هذا الإصرار على الأدوات ليس أمرا ثانويا، بل يسمح لفرنسا بأن تقدم نفسها باعتبارها دولة لا تكتفي بالحديث عن العالم، بل تحاول أيضا بناء استجابات بحجم تحدياته.
دبلوماسية نفوذ في عالم تحكمه موازين القوة
في العمق، يروي هذا الملف حقيقة بسيطة: فرنسا تدرك أنها لم تعد وحدها في مركز اللعبة العالمية، لكنها ترفض الاستسلام للتراجع. ولذلك، فهي تراهن على ما يظل أحد أهم عناصر قوتها: الدبلوماسية بوصفها قدرة على المبادرة، والجمع، والتنظيم.
و في عالم تهيمن عليه موازين القوة الخام، قد تبدو هذه الاستراتيجية أبطأ وأقل استعراضا. لكنها ليست ضعيفة أبدا.
فالقدرة على جمع شركاء مختلفين إلى طاولة واحدة، وربط الملفات ببعضها، وصياغة أجندة متماسكة، وإنتاج آليات عملية، تمثل هي الأخرى شكلا من أشكال القوة.
و ربما هذا بالضبط ما تريد باريس إثباته من خلال هذا الاجتماع الوزاري: أنه وسط الضجيج، والعنف، والتشظي، ما تزال الدبلوماسية المحكمة قادرة على فرض إيقاع، ولغة، وفائدة.
و هكذا، فإن كواليس هذا الاجتماع تقول في النهاية أكثر بكثير من مجرد جدول أعمال وزاري. فهي تكشف عن فرنسا تريد أن تستعيد موقعها كقوة منهج في عالم يفتقر إلى النظام، وكقوة وصل في عالم يتشقق، وكقوة مبادرة في مشهد دبلوماسي كثيرا ما تشله الاستعجالات.
و هذا الطموح لا يلغي حدود الواقع ولا موازين القوة، لكنه يعيد إلى فرنسا دورا يبدو أنها تسعى بوضوح إلى استثماره من جديد: دور بلد قادر على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والانفتاح السياسي، والأدوات الملموسة.
و في زمن يكتفي فيه كثير من الفاعلين برد الفعل، فإن هذه الرغبة في التنظيم قد تكون، في حد ذاتها، شكلا من أشكال استعادة زمام المبادرة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية