آخر الأخبار

دبي لم تعد جزيرة : كيف بدأت الحرب تُحدث تصدعات في سوقها العقارية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

على مدى سنوات، لم تبع دبي مجرد شقق و فلل و بنتهاوسات معلّقة بين السماء و البحر، بل سوّقت لما هو أبعد من ذلك بكثير.

لقد روّجت الإمارة لوعد كامل. وعدُ منطقة تبدو منفصلة، سريعة، فعّالة، مبهرة، جذابة ضريبيا، وقبل كل شيء محمية. مكان تتحرك فيه رؤوس الأموال بعيدا عن ضجيج العالم، حيث لا تختزل العقارات في الحجر فقط، بل تجسد أيضا فكرة مطمئنة عن الاستقرار.

و هذا الوعد تحديدا هو ما بدأت الحرب في إضعافه.

بعد شهر من اندلاع النزاع.. السوق العقارية في دبي لم تنهَر بعد

بعد شهر من اندلاع النزاع، لم يشهد سوق العقارات في دبي انهيارا فعليا بعد. فالأسعار لم تتراجع في كل المناطق، والرافعات ما تزال في مواقعها، والمشاريع مستمرة، وبعض المشترين ما زالوا يبرمون صفقات بملايين الدولارات. لكن خلف هذه الواجهة التي تبدو متماسكة، طرأ تغير ما.

و هذا التغير جوهري: النشاط تباطأ بشكل حاد.

الإشارة الأولى ليست في الأسعار، بل في صمت المعاملات

في مثل هذه الأزمات، يكون رد الفعل الأول عادة هو مراقبة الأسعار. هل هبطت؟ هل أصبحت العقارات تُباع فجأة بأسعار أقل بكثير؟ إلى حد الآن، يبقى الجواب أكثر تعقيدا من مجرد نعم أو لا. لكن ما تغيّر بالفعل هو أحجام المعاملات، وإيقاع السوق، وسلاسة الحركة داخله.

الأرقام واضحة. ففي الأيام الاثني عشر الأولى من مارس، تراجعت أحجام المعاملات العقارية في الإمارات بنسبة 37% على أساس سنوي، وبنسبة 49% مقارنة بشهر فيفري. والأكثر لفتا للانتباه أن القيمة الإجمالية للمعاملات المبرمة خلال الشهر الجاري انخفضت بنحو 50% مقارنة بفيـفري.

بمعنى آخر، لم ينهَر السوق بعد على مستوى المظهر، لكنه فرغ بشكل واضح في العمق. توقيعات أقل، وقرارات سريعة أقل، وثقة فورية أضعف. وفي سوق يعتمد بهذا الشكل على التدفقات الدولية، فإن مثل هذا التباطؤ لا يكون أبدا أمرا هامشيا.

سوق كانت قد خرجت لتوها من سنة قياسية

ويزداد هذا التباطؤ حدة بالنظر إلى أنه جاء بعد فترة من الانتعاش الذي كاد يبلغ حد النشوة.

ففي سنة 2025، سجلت دبي مبيعات سكنية بقيمة 544.2 مليار درهم، و205400 معاملة، أي بزيادة قدرها 25% من حيث القيمة و18% من حيث الحجم مقارنة بالعام السابق. وكانت السوق قد خرجت من سنة استثنائية غذّاها تدفق الثروات الأجنبية، والمستثمرين الدوليين، والوافدين ذوي الدخل المرتفع، والمشترين الذين اجتذبتهم فكرة الملاذ الإقليمي الآمن.

أما قطاع العقارات الفاخرة، فقد شهد بدوره طفرة لافتة. إذ عرفت سنة 2025 تسجيل 500 صفقة تجاوزت قيمة الواحدة منها 10 ملايين دولار، وهو رقم قياسي يلخص وحده المكانة التي باتت تحتلها دبي في الخريطة العالمية لرؤوس الأموال المتنقلة.

لكن الأسواق التي ترتفع بسرعة كبيرة هي نفسها الأكثر عرضة للهشاشة عندما تبدأ الثقة في التراجع. وفي دبي، لا تُعد الثقة مجرد عنصر ثانوي، بل هي جزء من المنتج نفسه.

الحرب أصابت جوهر الرواية التي باعتها دبي للعالم

ما يجري اليوم أعمق من مجرد تباطؤ تقني. فقد ازدهرت دبي على أساس فكرة قوية للغاية: أنها ملاذ إقليمي، يكاد يكون منفصلا عن اضطرابات الشرق الأوسط. مدينة قادرة على جذب الأموال تحديدا لأنها بدت وكأنها تُبقي الحرب على مسافة.

غير أن هذه الصورة بدأت تتضرر اليوم.

فالحرب لم تخلق المخاطر فقط، بل أعادت التذكير بشكل مفاجئ بأن دبي ما تزال جزءا من المنطقة، وتتأثر نفسيا واقتصاديا وماليا بما يجري حولها. وبالنسبة إلى مدينة تقوم نسبة كبيرة من قيمتها العقارية على مستثمرين متنقلين، ومقيمين أثرياء، ومشترين انتهازيين، فإن هذا التذكير يكفي أحيانا لتجميد القرارات.

و عندما يصبح المال مترددا، فإن السوق تتباطأ حتى قبل أن تبدأ الأسعار في التكيف بشكل واضح. وهذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث اليوم.

الأسعار ما تزال صامدة.. لكن أولى التصدعات بدأت تظهر

في هذه المرحلة، يجب التحلي بالدقة: لا يوجد حتى الآن انهيار عام في أسعار العقارات في دبي.

فالسعر الوسيط الحقيقي للمعاملات لم يسجل سوى تراجع في حدود 3% على أساس سنوي. وهذا يعني أن التصحيح، حتى الآن، ما يزال محدودا على المستوى العام. وبالتالي، فإن السوق ما تزال متماسكة، على الأقل من حيث المظهر.

لكن تحت هذه الواجهة، بدأت أولى علامات التصدع تظهر بالفعل.

ففي بعض العقارات، بدأت تظهر تخفيضات سريعة. إذ جرى عرض وحدة سكنية قرب برج خليفة بخفض يناهز 12%، في حين عُرضت شقة قيد الإنجاز في نخلة جميرا بخصم يقارب 15%. وهذه ليست بعد تخفيضات شاملة، بل هي بالأحرى أولى الخطوات الدفاعية لسوق بدأت تشعر بتصاعد الشكوك.

و كما يحدث غالبا، فإن التصحيح لا يبدأ بانهيار شامل ومتساوٍ. بل يبدأ بتنازلات محددة، وبائعين أكثر استعجالا، ومفاوضات أكثر صرامة، ثم، إذا طال أمد القلق، يمتد الأثر إلى نطاق أوسع.

حتى البورصة تبعث بإشارات تحذير

ليست العقارات وحدها من تتحدث، فحتى الأسواق المالية ترسل رسائلها.

فمنذ بداية الحرب، خسر سهم شركة إعمار العقارية أكثر من 26% في البورصة. وهذه الخسارة لا تعني وحدها أن عقارات دبي تتجه نحو الانهيار، لكنها تشير بوضوح إلى أن المستثمرين يتوقعون بيئة أقل دعما بكثير للقطاع.

و غالبا ما تتفاعل البورصة قبل صدور الإحصاءات النهائية. فهي تلتقط المخاوف، والسيناريوهات، ومراجعات التوقعات. وما تقوله اليوم بسيط وواضح: ماكينة دبي العقارية الكبرى لم تعد تُعتبر بمنأى عن الهزات.

المشكلة لا تتعلق بالحرب وحدها

لقد كانت الحرب بمثابة الشرارة. لكنها لم تخلق وحدها كل عناصر الهشاشة.

فحتى قبل هذه الصدمة الإقليمية، كان عدد من المحللين يرون أن سوق دبي تقترب بالفعل من منطقة حساسة بعد خمس سنوات من ارتفاع الأسعار. وكان خطر فائض العرض قائما بالفعل، وقد يصبح أكثر وضوحا إذا تباطأ الطلب الأجنبي.

و أظهرت التقديرات أن أكثر من 160 ألف وحدة قد تصل نظريا إلى السوق خلال سنة 2026 عبر المشاريع المسجلة، حتى وإن كان الإيقاع الفعلي للتسليم غالبا أقل من ذلك. كما أن معدل الإنجاز في الآجال لم يتجاوز 64% السنة الماضية، مع تسليم 39700 وحدة في موعدها، بعد 30500 وحدة في سنة 2024.

بعبارة أخرى، كانت دبي تواجه بالفعل معادلة دقيقة: عرض وفير قيد الإعداد، وسوق شديدة الارتهان للخارج، وارتفاع متواصل في الأسعار. لذلك، جاءت الحرب لتصطدم بمنظومة لم تكن بالضرورة هشة، لكنها كانت تعيش حالة من التوتر.

الخطر الحقيقي: مدينة أقل جاذبية للتدفقات البشرية والمالية

سوق العقارات في دبي لا تعيش فقط من مبانيها. بل تعيش من قدرتها على جذب الأشخاص، والشركات، والعائلات، والمستثمرين، والوافدين، والصناديق، ومشاريع الحياة.

و هنا يصبح الخطر أكثر جدية.

فبعض السيناريوهات تتوقع الآن تراجع النمو الديمغرافي إلى 1% هذا العام، مقابل 4% خلال السنوات الأخيرة، قبل أن يعود للارتفاع بوتيرة أكثر اعتدالا بين 2% و2.5% سنويا بداية من 2027. وإذا تأكد هذا المسار، فقد يثقل بشكل كبير على الطلب العقاري المستقبلي.

و في سيناريوها المتشائم، تتوقع «سيتي» حتى انخفاضا متوسطا في الأسعار بنسبة 7% سنويا إلى غاية 2028.

بصيغة أخرى، قد لا تكون السوق قد انزلقت بعد، لكنها غيّرت روايتها بالفعل. فلم يعد الحديث يقتصر على التوسع، والأرقام القياسية، وندرة العرض نسبيا. بل أصبح يدور أيضا حول الصمود، والتكيف، والقدرة على امتصاص صدمة الثقة.

ما الذي تقوله الأرقام فعلا؟

الأرقام تروي قصة أكثر دقة من مجرد انهيار عنيف، لكنها أيضا أكثر إثارة للقلق من مجرد تعثر عابر.

فهي تقول إن الصدمة كانت قاسية بالفعل على مستوى النشاط. وتقول إن الأموال أصبحت أكثر حذرا، وإن المعاملات باتت أقل، وإن بعض البائعين بدأوا يتنازلون، وإن الساحة المالية نفسها تعيد تقييم نظرتها إلى المخاطر.

لكنها تقول أيضا إنه لم يحدث بعد تحول كامل. فما يزال بعض المشترين حاضرين. وما تزال بعض العقارات الاستثنائية تجد من يقتنيها. كما أن الأسعار المجمعة ما تزال تقاوم. وبالتالي، فالسوق ليست مكسورة، لكنها دخلت مرحلة من الهشاشة.

هزة قد تستمر إلى ما بعد الحرب

الرهان الآن يتجاوز الجدول الزمني العسكري. فحتى لو هدأ النزاع، فقد يبقى الشك لفترة أطول.

في الأسواق القائمة على الأموال المتنقلة، نادرا ما تعود الثقة في لحظة. فأحيانا تكفي بضعة أسابيع من التوتر لتغيير خطط الشراء، وتأجيل الاستثمارات، وتحويل رؤوس الأموال إلى وجهات أخرى، أو تشديد شروط التمويل والتفاوض.

و لهذا، قد لا يكون الخطر الحقيقي على دبي هو الانهيار الفوري، بل تآكل أبطأ، وأكثر خفاء، لكنه أعمق: سوق تواصل العمل، لكنها تفقد تدريجيا جزءا من هالتها القائمة على فكرة الحصانة.

و هكذا، فإن دبي لم تعش بعد انهيارا عقاريا. لكن السوق تلقت بالفعل صدمة واضحة، مرئية، قابلة للقياس، ورمزية في الآن نفسه. فقد تراجعت أحجام المعاملات، وانخفضت قيمة الصفقات، وبدأت أولى التخفيضات في الظهور، ولم تعد الثقة، ذلك الرأسمال غير المرئي الذي كانت قيمته تعادل قيمة الإسمنت، على حالها.

و في مدينة يقوم فيها العقار بقدر ما يقوم على السردية بقدر ما يقوم على الطلب الحقيقي، فإن هذا التصدع يستحق أن يؤخذ بمنتهى الجدية. لأن الأزمات الأعمق لا تبدأ دائما بدويّ الانهيار، بل قد تبدأ أحيانا بتباطؤ، وشك، وصمت مفاجئ في مكاتب البيع.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا