في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في يوليو/تموز 2019، كان الرئيس الباكستاني السابق عمران خان على موعد مع واقعة مثيرة للجدل أثناء زيارته للولايات المتحدة. حينها، وصل خان إلى مطار واشنطن دالاس، المطار الدولي الرئيسي في منطقة العاصمة الأمريكية، حيث اضطر إلى استقلال حافلة نقل عادية من المطار وليس مركبة ليموزين كما يقتضي العرف الدبلوماسي، ودون أن يكون هناك أي مسؤول أمريكي كبير في استقباله كما هو معتاد في تلك الزيارات رفيعة المستوى.
فسرت العديد من الصحف المحلية والعالمية الواقعة على أنها رسالة استياء من الإدارة الأمريكية التي كانت علقت أكثر من مليار دولار من المساعدات لإسلام أباد بدعوى تقاعسها عن "مكافحة التطرف". وجاء المؤتمر الصحفي بين ترمب وخان في ختام الزيارة ليعكس ذلك التوتر، إذ استخدم الرئيس الأمريكي حينها عبارات لاذعة في حديثه عن باكستان قائلا: "المشكلة أن باكستان لم تقدم لنا أي شيء. لقد كانوا تخريبيين.. وقد تحسنت علاقتنا بهم بعدما قطعنا عنهم الأموال".
لاحقا، حرص الطرفان على تخفيف حدة التوترات حيث أكدت القيادة الباكستانية أن استخدام عمران خان لوسائل نقل المطار والمترو كان لأسباب تقشفية مرتبطة بتقليص ميزانية الزيارة، وهو ما يؤكده قراره استقلال رحلة تجارية تابعة للخطوط الجوية القطرية وليس طائرة رئاسية خاصة، فضلا عن إثبات اللقطات استقباله بواسطة القائمة بأعمال رئيس المراسم في الولايات المتحدة ماري كيت فيشر، لكن كل هذه التفسيرات لم تكن كافية لإخفاء توتر حقيقي ينتاب شراكة تاريخية.
لذلك، لم يكن يتوقع أحد في باكستان أن تختلف المعاملة كثيرا بعد عودة ترمب للبيت الأبيض مجددا مطلع عام 2025. ففي أعقاب توليه السلطة مباشرة، نال رئيس وزراء الهند نارندرا مودي، الخصم اللدود لباكستان، استقبالا وترحيبا كبيرا في البيت الأبيض إذ كان ثاني قائد يستقبله ترمب في ولايته الثانية، مما ألمح إلى تقدير كبير من جهة ترمب للهند وزعيمها الذي ربطته به علاقة قوية في فترة ولايته الأولى.
على الجهة الأخرى، لم يتلق رئيس وزراء باكستان ولو اتصالا هاتفيا من ترمب خلال تلك الفترة. ولكن انقلابا تاما كانت تخبئه الأيام، فبعد مرور عام من تولي الرئيس دونالد ترمب السلطة، اقتربت الولايات المتحدة أكثر من باكستان وباتت ترحب بقادتها أشد الترحيب، في حين انقلبت علاقتها مع الهند إلى النقيض ولا تزال تعيش برودا غير مسبوق منذ فترة إنديرا غاندي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
ورغم أن الجمارك الأمريكية المرتفعة التي فرضت على الهند من قبل واشنطن خفضت مؤخرا ضمن اتفاق تجاري رسم معالم تهدئة بين البلدين، فإن البرود الذي أصاب العلاقات بينهما ضارب بجذوره في تحولات سياسية تتجاوز مسألة الجمارك، ما يبشر بمسار مستقبلي مضطرب للعلاقات الأمريكية الهندية.
حين عاد ترمب إلى السلطة كانت الكثير من العواصم العالمية في حالة قلق بالغ بما يشمل حلفاء مقربين من الولايات المتحدة، لكن نيودلهي لم تكن قلقة على الإطلاق. وبحسب استطلاع رأي قام به المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية فقد كان 75% من سكان الهند يرحبون بعودة ترمب، وحتى مايو/أيار 2025 كان عموم الشارع الهندي يرى في عودة ترمب مكسبا لبلاده، إذ كانت تربط مودي والرئيس الأمريكي صداقة عميقة. وحين قدم نائب الرئيس جي دي فانس في زيارة إلى الهند في أبريل/نيسان من العام ذاته، كانت اللوحات الإعلانية التي ترحب به تملأ شوارع نيودلهي على نحو لافت للأنظار.
على النقيض، كانت باكستان قلقة للغاية من عودة ترمب الذي جمد جميع المساعدات الأمنية المخصصة لها تقريبا عام 2018، لأنها في نظره لم تكن تبذل ما يكفي من جهد في مكافحة الإرهاب، كما هاجمها بشدة متهما إياها بالكذب والخداع وبأنها وفرت ملاذات آمنة للإرهابيين الذين تطاردهم الولايات المتحدة في أفغانستان.
وحتى على الصعيد الاقتصادي، لم يكن أحد ليتخيل أن باكستان ستكون مهمة في نظر ترمب، إذ تتجاوز تجارتها مع الولايات المتحدة بالكاد 5% من حجم التجارة الأمريكية الهندية، والأهم أن باكستان تربطها علاقة قوية بالصين، المنافس الأبرز لواشنطن الآن، وهي علاقة وصفها مسؤول صيني ذات مرة قائلا إن باكستان بالنسبة للصين مثل إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة.
فقد استثمرت الصين 65 مليار دولار في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي يعد المشروع الاستثماري الأهم في مبادرة الحزام والطريق الصينية، كما تعتمد باكستان على الأسلحة والتدريب الصيني بشكل كبير، حيث إن 81% من الأسلحة التي استوردتها باكستان في السنوات الأخيرة كانت قادمة من الصين بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
كل تلك العوامل السابقة مجتمعة جعلت جل التوقعات تذهب إلى أن العلاقات الباكستانية الأمريكية في عهد دونالد ترمب ستكون سيئة، أو على الأقل لن تكون بأي حال في مستوى جودة العلاقات الأمريكية الهندية. بيد أنه لم يكد العام الأول من ولاية ترمب الثانية ينتهي، حتى حدثت المفاجأة، وبرزت باكستان في صدارة الدول المستفيدة من عودة ترمب، في حين شهدت الهند توترا شديدا في علاقتها بواشنطن، وهو توتر لم يخفت إلا مع الإعلان قبل أيام عن اتفاق تجاري لم تتضح تفاصيله بعد، ولا يبدو أنه سيغير من البرود الذي أصاب العلاقات بين مودي وترمب العام الماضي.
بعد أسابيع من تولي ترمب الحكم مطلع العام الماضي، قدَّمت له باكستان مساعدة أمنية هامة مكَّنته من الظهور بمظهر حامٍ لدماء الجنود الأمريكيين. فقد أعلن ترمب في خطاب أمام الكونغرس في مارس/آذار 2025 القبض على محمد شريف الله، وهو عضو بارز في تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان (ISIS-K)، والمتهم بالتخطيط لتفجير بوابة "آبي" في مطار كابول عام 2021، والذي نتج عنه مقتل 13 جنديًا أمريكيًا ونحو 170 مدنيًا أفغانيًا، وذلك أثناء إجلاء القوات الأمريكية من أفغانستان.
وقد قُبِض على محمد شريف الله في عملية عسكرية نفَّذتها باكستان على الحدود مع أفغانستان، واستطاعت بـ"صيدها الثمين" أن تُظهِر لترمب جديتها في "مكافحة الإرهاب". لم ينسَ ترمب أن يشكر باكستان في خطابه، ومن ثمَّ انتهزت إسلام أباد الفرصة، حيث عبَّر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن تقديره لذكر الرئيس الأمريكي جهود باكستان في مكافحة الإرهاب. وعلى مدار العام، وجهت إسلام أباد إطراءات بالغة لترمب موظفة اللغة التي يحبها الرئيس الأمريكي أداة لكسب ود السياسة الأمريكية.
فتحت تلك البادرة الباب لعلاقة قوية بين ترمب وباكستان، لكن اللحظة الفارقة جاءت بعد الصراع المسلح الذي تصاعد بين الهند وباكستان في مايو/أيار 2025، فحين تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين البلدين، أعلن ترمب أن الاتفاق تمَّ بوساطة أمريكية، وهو أمر شددت الهند على نفيه، إذ أكَّد رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أن الهند لا تقبل بتدخل طرف ثالث في نزاعاتها مع باكستان، وأكدت الرواية الهندية أن الاتفاق جاء نتيجة تواصل مباشر مع باكستان.
من جهتها، تلقَّفت باكستان رواية ترمب عن الأحداث وأيَّدتها، بل ورشَّح شهباز شريف ترمب لجائزة نوبل للسلام لدوره في وقف المعركة القصيرة بين البلدين. ولنا أن نتخيَّل تأثير مثل هذا الموقف على دونالد ترمب، الذي تعتمد السياسة الخارجية الأمريكية في عهده على كيل المديح له وإظهار التقدير الشخصي لقيادته، أكثر من أي رئيس سبقه في المنصب.
فتحت تلك الحادثة الباب أمام تقارب سريع مع إسلام أباد. ففي سابقة تاريخية دعا ترمب قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير لتناول الغداء في البيت الأبيض في يونيو/حزيران من العام الماضي، وكانت تلك المرة الأولى التي يستضيف فيها رئيس أمريكي قائدًا عسكريًا باكستانيًا دون حضور قادة مدنيين. وبحسب مايكل كوغلمان، مدير معهد جنوب آسيا بمركز ويلسون الأمريكي، سبَّبت الزيارة استياءً كبيرًا في الهند، التي رأت خصمها عاصم منير يُستضاف بتلك الحفاوة في البيت الأبيض.
باتت هناك نظرة جديدة ترى بها الإدارة الأمريكية باكستان وقيادتها، فبعد أن كانت تنظر إليها بوصفها راعية للإرهاب، بدأ الجنرال مايكل كوريلا قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) يصف باكستان بأنها شريك استثنائي في مكافحة الإرهاب، وصار يُنظَر إلى باكستان في واشنطن اليوم بوصفها الجسر الهام الذي يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط.
وقد تجلَّت تلك النظرة الجديدة في خطوات جادة، إذ حصلت باكستان من الولايات المتحدة على أدنى تعريفة جمركية تتمتع بها في أي سوق رئيسية. ففي أغسطس/آب من العام الماضي خُفِّضَت الرسوم الجمركية على البضائع الباكستانية من 29% إلى 19%، بينما تضاعفت على البضائع الهندية من 25% إلى 50% (قبل الاتفاق الأخير). بل وضمَّت وزارة الخارجية الأمريكية جيش تحرير بلوشستان (BLA) إلى قائمة المنظمات الإرهابية، وهي منظمة انفصالية تسعى إلى تأسيس دولة بلوشية في جنوب غرب البلاد. وقد وصل الأمر إلى حد أن الرئيس الأمريكي، وبعد ساعات من إعلانه فرض الجمارك على الهند، أعلن عن صفقة ضخمة للتنقيب عن النفط في باكستان.
كانت زيارة شهباز شريف وعاصم منير إلى الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي شديدة الأهمية، إذ شهدت توقيع شراكة بقيمة نصف مليار دولار بين "يو إس ستراتيجيك ميتالز" (US Strategic Metals)، وهو مركز أمريكي رائد لتكرير المعادن الحرجة، وهيئة "أعمال الحدود" (FWO) الباكستانية، وهي واحدة من أبرز الهيئات الهندسية في الجيش الباكستاني. وكان الهدف من الشراكة هو تطوير ثروات باكستان بما فيها المعادن الأرضية النادرة والنحاس والذهب لسلاسل التوريد الأمريكية.
وقد سَمَحت باكستان للولايات المتحدة بتطوير ميناء في مدينة "باسني" الساحلية لنقل تلك المعادن للولايات المتحدة. وكذلك قررت باكستان أن تستثمر في "وورلد ليبرتي فايننشال" (World Liberty Financial)، وهو مشروع العملات المشفرة المملوك لعائلة ترمب. توثَّقت إذن العلاقات الأمريكية الباكستانية على نحو لم يتوقعه أحد، ووصفه موقع فوربس بأنه إهانة مباشرة لثلاثة عقود من العلاقة الاستراتيجية العميقة بين الهند والولايات المتحدة.
يمكن اختصار التدهور في العلاقات الهندية الأمريكية في أمرين. أولهما تعميق العلاقات مع باكستان، والثاني فرض واشنطن الرسوم الجمركية المرتفعة على الهند، بنسبة بلغت 50%، منها 25% فُرضت عقابيا بسبب مشتريات الهند من النفط الروسي في ذلك الوقت، قبل أن تُرفع قبل أيام في اتفاق أعلن عنه مودي وترمب دون كافة التفاصيل.
وقد اختصرت صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية المشهد بين دلهي وواشنطن العام الماضي بقولها إن "الحرب التجارية بين واشنطن ونيودلهي، والتقارب بين الولايات المتحدة وباكستان، ورغبة الولايات المتحدة في عزل روسيا التي تعد المورد الرئيسي للنفط في الهند، كل ذلك يهدد التحالف التقليدي بين البلدين". ليس هذا فحسب، بل إن ترمب سخر من الاقتصاد الهندي واصفا إياه بالاقتصاد الميت، وهدد بفرض تعريفات جمركية قد تصل إلى 200% على الأدوية و50% على النحاس. علاوة على ذلك، هناك الرسوم التي فرضتها إدارة ترمب، وقدرها 100 ألف دولارٍ، على تأشيرات "H-1B"، وهي تأشيرات العمل الأمريكية المخصصة لأصحاب المؤهلات العليا في الهندسة والذكاء الاصطناعي والبرمجة، والتي يحصل المبرمجون والمهندسون الهنود على أكثر من 70% منها.
أبرمت الهند في ظل هذا المناخ اتفاقا تاريخيا مع الاتحاد الأوروبي ينص على خفض الرسوم الجمركية على معظم السلع بهدف تعزيز التجارة الثنائية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وبحسب وكالة سي إن بي سي الأمريكية، فإن هذا الاتفاق يُنظر إليه بوصفه تحوطا استراتيجيا ضد سياسات التجارة الأمريكية، وقد انتقد وزير الخزانة الأمريكي بالفعل الاتحاد الأوروبي لإبرامه تلك الاتفاقية التجارية.
ورغم أن ترمب عبّر في منتدى دافوس مؤخرا عن تفاؤله بأن اتفاقا تجاريا كبيرا مع الهند سيجري قريبا، وسرعان ما أعلن عنه بالفعل قبل أيام، بالتزامن مع وصف ترمب لمودي بأنه "صديق جيد"، فإن التحليل المنشور على منتدى فليتشر للشؤون العالمية يقول إنه حتى لو توصل الطرفان لاتفاق شامل، فقد بات واضحا للقيادة الهندية مدى عدم القدرة على التنبؤ بالسلوك الأمريكي، وعدم إمكانية الاعتماد على السياسة الأمريكية في عهد ترمب.
وقد اعتبرت صحيفة لوموند الفرنسية أن التحالف بين مودي وترمب قد انتهى، وأن الولايات المتحدة تعامل الهند الآن بقسوة مماثلة لتلك التي تعامل بها البرازيل تحت زعامة لولا دا سيلفا. وقد وضع موقع فورين بوليسي الأمريكي الهند من ضمن الخاسرين من العام الأول لرئاسة ترمب، وسال الكثير من الحبر حول المنعطف الخطير الذي تمر به العلاقات الهندية الأمريكية، كما أن مودي رد على هذا التوتر بتكثيف مبادراته العلنية تجاه الصين وروسيا، حيث زار الصين لأول مرة منذ سبع سنوات، واستقبل بوتين في دلهي، وهي الزيارة الأولى منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
ثمَّة أسباب أعمق لتوتُّر العلاقات الهندية الأمريكية، بعيدا عن التقارب الباكستاني الأمريكي والجمارك المفروضة سابقا على الهند، وهي متعلقة بتغيُّر رؤية الإدارة الأمريكية للعالم في عهد الرئيس ترمب. والواقع أن أسباب نجاح باكستان وفشل الهند في تدشين علاقات ناجحة مع الولايات المتحدة العام الماضي تعود بالأساس إلى 4 أسباب.
أول هذه الأسباب هو ما ظهر في إستراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة، الصادرة مؤخرا عن وزارة الدفاع الأمريكية، من لهجة متصالحة نسبيا مع الصين. إذ أكدت على أن واشنطن لا تريد إذلال الصين أو السيطرة عليها، ولا ترى فيها خطرا وجوديا ولا تسعى لتغيير نظامها السياسي، كما أن الرئيس ترمب يبدو راغبا في إبرام اتفاقية مع الصين، وقد قبل دعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة بكين في أبريل/نيسان القادم، كما أنه سيستضيف الرئيس الصيني في وقت لاحق من هذا العام.
ويُعَد ملف الصين شديد الأهمية بالنسبة لعلاقة الولايات المتحدة بالهند، وبحسب مؤسسة مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، فإنه كلما تبنت الولايات المتحدة موقفا إيجابيا تجاه الصين، قلَّ اهتمامها بعلاقتها مع الهند. فقد كان القلق المشترك بين البلدين تجاه بكين هو حجر الأساس في التقارب السابق بينهما، ومن ثم ففي ظل تبني رؤية معتدلة تجاه الصين، تَقِل فرص الهند في الحصول على معاملة مميزة بلا مقابل كبير.
الأمر الثاني هو أن الأولوية القصوى للولايات المتحدة حاليا هي تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية، مثل النحاس والعناصر الأرضية النادرة، التي تُستخدَم في الصناعات التكنولوجية، وذلك لمواجهة هيمنة الصين على سلاسل إمداد تلك المعادن. ومن ثم فإن باكستان، التي تمتلك احتياطات هائلة غير مستغلة من تلك المعادن، تستطيع اللعب بتلك الورقة، وقد نجحت بالفعل في إثبات فاعليتها بخخطب ود واشنطن. وبحسب موقع "ذا ديبلومات"، فإن واشنطن لا تريد أن تهيمن الصين على ثروات باكستان المعدنية، كما أن الإدارة الأمريكية ترى أن الاستثمار في باكستان وسيلة لإبعاد أي تواجد عسكري صيني محتمل في ميناء غوادر.
السبب الثالث هو الاعتقاد السائد في الإدارة الأمريكية بأن الهند سيصعب عليها تخصيص الموارد الضرورية لتقوية قدراتها البحرية، بما يؤهلها كي تصير فاعلا رئيسيا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي منطقة شديدة الأهمية في إستراتيجية الولايات المتحدة حاليا، وذلك لأن الهند منشغلة بتأمين منطقة جبال الهيمالايا في المستقبل المنظور بسبب النزاع الحدودي مع الصين.
أخيرا، كان هناك سبب آخر في تنامي العلاقات الباكستانية الأمريكية، وهو التخطيط للتقرُّب من الإدارة الأمريكية الحالية. فقد استعانت باكستان بأكثر من سبع جماعات ضغط في واشنطن منذ عودة الرئيس ترمب إلى السلطة، بينما لم تستعن الهند حتى منتصف العام الماضي سوى بجماعة ضغط واحدة فقط، واعتمدت على الرصيد التاريخي للعلاقات بين البلدين.
في نهاية المطاف، هدأت العلاقة المتوترة بين دلهي وواشنطن، على الأقل اقتصاديا، بالإعلان الأخير عن تخفيض الجمارك مقابل تقليص اعتماد دلهي على النفط الروسي، وهو اتفاق لا تزال تفاصيله غير معروفة. ولكن الراجح أن تقلُّبات العلاقة بين البلدين لن تختفي في يوم وليلة، وأن العلاقة الإستراتيجية الوطيدة بينهما لن تعود إلى فترتها الذهبية (2005-2025)، التي بدأت باتفاق التعاون النووي السلمي قبل حوالي عقدين، والذي عُدَّ اعترافا ضمنيا من واشنطن بموقع الهند المحوري عالميا.
وكما أشار المحلل هابيمون جيكوب في مجلة فورين أفيرز قبل أشهر، فإن "تواصل الرئيس ترمب مع بكين وموسكو الآن يدفع الهند إلى تقليد واشنطن" والبحث عن طريقها الخاص في ظل اضطرابات النظام الدولي الحالي، وأن تقلُّبات الرئيس الأميركي لن تدفع الهند للتخلي عن سياسة تعدد الانحيازات الخاصة بها، بل على العكس إلى التمسُّك بها والعزوف عن أن تضع رهاناتها على قوة واحدة، ولو كانت واشنطن ذاتها.
وبينما أعلن كل من الرئيس ترمب ورئيس الوزراء مودي عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن الاتفاق التجاري الجديد الذي يخفض الجمارك على الهند، فإن هناك غموضا لا يزال يكتنف تفاصيله. ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن الكرملين نفى أن تكون صفقاته مع الهند لبيع النفط الروسي قد تأثَّرت حتى الآن، في حين لم يتطابق ما نشره رئيس الوزراء مودي مع ما نشره الرئيس ترمب بخصوص التوقف عن شراء النفط من روسيا أو إنفاق 500 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، وهي تفاصيل أشار لها الرئيس ترمب ولم يؤكدها الطرف الهندي.
علاوة على ذلك، ذكر الرئيس ترمب أن الهند سترفع كل الجمارك على السلع الأمريكية، في حين يستبعد محللون أن تزيل الهند الجمارك جملة واحدة بالطريقة التي وصف بها الرئيس ترمب الاتفاق الأخير. وحتى الآن، يبدو التجاوب الهندي الوحيد مع ضغوط الولايات المتحدة على مدار العام الماضي، هو انخفاض شراء الهند للنفط الروسي من 1.8 مليون برميل يوميا إلى 1.1 مليون برميل يوميا.
بحسب أليكس ترافيللي، مراسل الملف التجاري في جنوب آسيا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن "الغموض بشأن تفاصيل الاتفاق هو أحد سمات نهج الرئيس ترمب حيال السياسات التجارية، فهو عادة ما يعلن عن اتفاقات قبل الانتهاء من الاتفاق على تفاصيلها.. مما يترك الباب مفتوحا أمام أي تصعيد محتمل أو تهدئة، تبعا لمزاج الرئيس".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة