آخر الأخبار

تونس – الاتحاد الأوروبي: حركية اليد العاملة رافعة تنموية مشتركة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لم تعد مسألة التنقّل بين تونس والاتحاد الأوروبي مجرّد ملف اجتماعي أو إنساني، بل باتت تُطرح اليوم كأحد مكوّنات الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين الضفتين فمذكرة التفاهم الموقّعة سنة 2023، إلى جانب برنامج “ثام” الخاص بحوكمة الهجرة وتنقّل اليد العاملة في شمال إفريقيا، تعكس تحوّلًا تدريجيًا في مقاربة الاتحاد الأوروبي، من منطق الهيكلة إلى منطق التكامل الوظيفي لسوق العمل.

غير أن هذا التحوّل، رغم أهميته، يظل رهين القدرة على ترجمة المبادئ المعلنة إلى آليات عملية قادرة على التوفيق بين المصالح المتباينة للطرفين.

اختلالات هيكلية وفرص اقتصادية متبادلة

تندرج حركة اليد العاملة في سياق اقتصادي غير متكافئ: من جهة، تواجه عدة دول أوروبية نقصًا هيكليًا في اليد العاملة، خاصة في قطاعات الصحة، والبناء، والفلاحة، والخدمات؛ ومن جهة أخرى، تشهد تونس معدلات بطالة مرتفعة نسبيا، وتحديات تهم النسيج الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، يشير تحليل حديث صادر عن مؤسسة جامعة جنوب المتوسط ضمن مشروع “الاقتصاد للجميع” إلى أن إدارة التنقّل الاقتصادي يمكن أن تتحول إلى أداة سياسات عمومية ذات أثر مزدوج، إذا ما أُحسنت صياغتها: دعم النمو الأوروبي من ناحية، والمساهمة في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في تونس من ناحية أخرى.

رهان الحوكمة: من التدفقات إلى المسارات

تكشف الدراسة أن الإشكال لا يكمن في حجم التنقّل بقدر ما يهم نوعيته وحوكمته، فحصر قنوات الهجرة القانونية في فئات محدودة عالية التأهيل، مثل الأطباء والمهندسين، يخلق اختلالات إضافية، من بينها استنزاف الكفاءات، دون الاستجابة الحقيقية لحاجيات الأسواق الأوروبية.

ومن هذا المنطلق، تقترح الدراسة إعادة هندسة مسارات التنقّل عبر توسيعها لتشمل فئات مهنية أوسع، ولا سيما العمال والمهنيين في القطاعات الأساسية، في إطار تنقّل قانوني، مؤقت، وقابل للتجديد، بما يحدّ من الهجرة غير النظامية ويعزّز الشفافية في سوق العمل العابرة للحدود.

هذا وتؤكد المقاربة التحليلية أن سياسات التنقّل لا يمكن أن تنجح بمعزل عن دعم اقتصادي ومؤسساتي موازٍ داخل تونس فتعزيز منظومات التكوين، والاعتراف المتبادل بالمؤهلات، وتطوير قدرات المؤسسات المعنية بالهجرة، تشكل شروطًا أساسية لتحويل التنقّل من ظاهرة اضطرارية إلى خيار اقتصادي منظم. وفي غياب هذا الدعم، قد تتحول سياسات التنقّل إلى مجرد آلية لتصدير الضغوط الاجتماعية، بدل أن تكون رافعة تنموية مستدامة.

نحو تقاسم واقعي للمسؤوليات

تطرح الدراسة أيضًا مسألة توزيع الأدوار والمسؤوليات بين تونس والاتحاد الأوروبي، معتبرة أن أي شراكة قابلة للاستمرار تستوجب تحديدًا دقيقًا وواقعيًا للالتزامات المتبادلة. وتقترح في هذا السياق اعتماد آليات تقييم تقنية لقدرات تونس في مجالات الاستقبال، والإدماج، وإدارة العودة.

ويُفترض أن يسمح هذا النهج بتفادي تحميل تونس أعباء تفوق قدراتها المؤسسية، وضمان أن تكون الاجراءات المعتمدة متناسبة مع الإمكانات المتاحة، في إطار تعاون يقوم على تقاسم المخاطر والمكاسب.

في المجمل، تضع ديناميكيات التنقّل بين تونس والاتحاد الأوروبي الطرفين أمام مفترق طرق: فإما أن تتحول إلى نموذج شراكة متقدمة في إدارة سوق العمل الإقليمي، قادرة على خلق قيمة اقتصادية مضافة للطرفين، أو أن تظل رهينة مقاربات ظرفية تكرّس الاختلالات القائمة.

ويبقى الرهان الحقيقي في الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، حيث يُنظر إلى التنقّل لا كعبء يجب احتواؤه، بل كاستثمار في الاستقرار والنمو المشترك على ضفتي المتوسط.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا