آخر الأخبار

العملية "لينكس".. كيف يحاول الأوروبيون "صيد" الروس في قلب أوكرانيا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ينظر إلى سيرغي كاراغانوف، الرئيس الفخري لمجلس السياسة الخارجية والدفاعية الروسي، بوصفه أحد الأصوات التي تستخدم أحيانا كبالون اختبار لما قد يدور في كواليس التفكير في موسكو من دون أن يُقال رسميا. ظهر ذلك في مقابلة حديثة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، قدم خلالها كاراغانوف سيناريو تصعيد بالغ الخطورة، يتعلق بمسار الحرب في أوكرانيا.

خلال حديثه، حذر كاراغانوف من أنه إذا اقتربت روسيا من الهزيمة في حربها ضد أوكرانيا، فقد تلجأ إلى الخيار النووي لدفع النخب الأوروبية إلى "العودة إلى جادة الصواب"، مرجحا أن ذلك قد يحدث خلال عام أو عامين. ولم يكتف كاراغانوف بالتعميم، بل سمى دولا محتملة ضمن دائرة التهديد، واضعا ألمانيا بشكل خاص، ثم المملكة المتحدة في مقدمة الأهداف، ومشيرا كذلك إلى بولندا، تحديدا مدينة بوزنان التي تستضيف معسكر كوسكيوسكو (Camp Kościuszko) – قاعدة القوات البرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في بولندا، والمقر الأمامي للفيلق الخامس الأميركي الذي أنشئ في عام 2022 كأول وجود دائم للقوات الأمريكية في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ما سر صعود اقتصاد البرتغال المفاجئ؟
* list 2 of 2 عيدروس الزبيدي.. رجل البندقية في زمن الدولة الغائبة end of list

هذا النوع من الخطاب النووي ليس جديدا على مسار الحرب، فمنذ اندلاعها يخرج بين الحين والآخر مسؤولون أو شخصيات قريبة من دوائر القرار الروسي بتصريحات تفهم على أنها رسائل ردع موجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة، تلوح باستخدام السلاح النووي، وغالبا ما تتصاعد حدة هذه التهديدات كلما اشتدت ضغوط الميدان أو تعقد المشهد السياسي. لكن اللافت في تصريحات كاراغانوف الأخيرة هو مستوى التفصيل والحدة؛ إذ بدت أقل تلميحا وأكثر مباشرة، بما يطرح سؤالا مقلقا: هل نحن أمام مناورة ردعية محسوبة فحسب، أم أمام مؤشر على أن الأمريكيين والأوروبيين يتخذون خطوات من شأنها أن تمس ما تعتبره موسكو خطوطا حساسة لا ترغب في الاقتراب منها؟

مصدر الصورة كاراغانوف: إذا اقتربت روسيا من الهزيمة في حربها ضد أوكرانيا، فقد تلجأ إلى الخيار النووي لدفع النخب الأوروبية إلى "العودة إلى جادة الصواب" (أسوشيد برس- أرشيف)

سر الوشق

في يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت شركة راينميتال (Rheinmetall) للأنظمة الدفاعية أن ألمانيا ستعمل على تسليم خمس مركبات مشاة قتالية من طراز "لينكس كيه إف 41" (يُترجم اسمها بالعربية إلى "الوشق") إلى كييف، بموجب عقد جرى توقيعه في الشهر السابق (ديسمبر/كانون الأول 2025)، على أن تصل الدفعة الأولى خلال أسابيع من تاريخ الإعلان. وقدرت قيمة هذه الصفقة بعشرات الملايين من اليوروهات (نحو عشرات الملايين من الدولارات)، حسبما نقلت منصة ديفنس نيوز المختصة بالشؤون الدفاعية، وقدمت باعتبارها بوابة أوكرانيا إلى برنامج أوسع لاقتناء مركبات قتال مشاة من الجيل الجديد.

إعلان

و"الجيل الجديد" هو اصطلاح غائم، يعني بشكل عام قفزة في فلسفة التصميم تميز سلاحا جديدا ما عن سابقه. لكن الغيوم تنقشع نسبيا حين نعرف أن "الوشق" تقدم كمنصة قابلة لتبديل الحزم، أي أنه يمكن تغيير التدريع والتجهيزات والمهام لتهيئة المركبة سريعا لسيناريوهات مختلفة، إلى جانب ذلك فإنها تمتلك منصة رقمية محدثة، ومساحة لزيادة الوزن، تسمح بإضافة تجهيزات عديدة لاحقا.

هذا تحديدا هو ما يميز هذا "الوشق" عن كثير من عربات القتال الأقدم، ليس السلاح بقدر ما هو فلسفة التصميم المبنية على التكيف السريع مع ساحة تتغير باستمرار. ففي الإصدار القياسي، تجهز المركبة ببرج "لانس" (Lance) ثنائي الطاقم، تكمن أهمية هذا البرج في أنه يحول "لينكس" من مدرعة تنقل المشاة إلى منظومة قتال واعية بالميدان، فوجود قائد ورامٍ في البرج، مع أجهزة رؤية حرارية ونهارية متقدمة يعني أنها تستطيع اكتشاف الهدف أسرع وبالتبعية ضربه قبل أن يشعر بوجود المركبة.

يركز الرامي على الاشتباك بينما يواصل القائد البحث عن تهديدات أخرى في الوقت نفسه. هذا يقلص زمن رد الفعل تحت النار، ويزيد دقة الضرب أثناء الحركة، ويمنح الطاقم قدرة أفضل على القتال ليلا وعند انتشار الدخان والغبار، وهي ظروف شائعة في أوكرانيا. ومع دمج البرج داخل شبكة الاتصالات وإدارة المعركة، تصبح "لينكس" أكثر تفوقا بالمقارنة مع الكثير من المدرعات الأقدم التي تعاني من رؤية أضعف، وتنسيق أبطأ، وعبء أكبر على فرد واحد يجمع بين الرصد والاشتباك.

مصدر الصورة شركة راينميتال للأنظمة الدفاعية أعلنت أن ألمانيا ستعمل على تسليم 5 مركبات مشاة قتالية من طراز "لَينكس كيه إف 41" (رويترز)

كلمة السر.. التصنيع المحلي

غير أن الدلالة الأعمق لوجود لينكس في ساحة القتال الأوكرانية تتجاوز كل ما سبق، فقد جاءت بعد اختبارات ميدانية مطولة أجرتها أوكرانيا نفسها بعدما تسلمت مركبة واحدة أواخر عام 2024 للتقييم، ما يجعل القرار ثمرة اختبار عملي فعلي لا مجرد إعلان سياسي.

ومع الحديث عن مراحل لاحقة قد تشمل التصنيع داخل أوكرانيا، تصبح لينكس إشارة إلى انتقال الدعم الأوروبي لأوكرانيا من مجرد تزويد سلاح بعينه نحو بناء قدرات مستدامة، في وقت تُبرز فيه برلين نفسها كأحد أكبر داعمي كييف منذ الغزو الروسي عام 2022، حيث قدمت أو تعهدت بمساعدات عسكرية بقيمة تفوق 40 مليار يورو (نحو 43.2 مليار دولار) حتى سبتمبر/أيلول 2025، إضافة إلى 36 مليار يورو (نحو 38.9 مليار دولار) من المساعدات الثانية غير العسكرية.

والواقع أننا لو تأملنا قليلا لوجدت أن السؤال المركزي في حرب أوكرانيا لم يعد عن عدد القطع التي تسلمها الأوكرانيون، بل أصبح: كيف تبنى منظومة قتال كاملة تربط الاستطلاع بالقدرة على توجيه الضربات، وتربط الضربات بالدفاع الجوي، والدفاع بقدرة صناعية فعالة تعوض الاستنزاف بسرعة؟

لهذا تبدو أخبار مثل تمويل ألمانيا لتسليم خمس مركبات "لينكس" إلى كييف صغيرة في الرقم، لأنها ببساطة لا تكفي إلا لتجهيز كتيبة واحدة، والتأثير التكتيكي المباشر يتطلب عددا أكبر بكثير من تلك العربات المدرعة، لكن الهدف كما يبدو هو التأثير الإستراتيجي، الذي يتطلب قدرة على تعويض الاستنزاف مع الزمن، فحينما يفقد الأوكرانيون مدرعة، يصبحون قادرين على تعويضها من خلال التصنيع.

إعلان

هذا التحول إلى التركيز على بناء القدرات بعيدة الأمد يصبح أكثر وضوحا يوما بعد يوم في السياسة الأوروبية تجاه أوكرانيا، والتحول هنا ليس تقنيا فقط، بل هو تحول في منطق الحرب نفسه من معارك مباشرة بالأسلحة إلى سباقات إنتاج تدور خلف الكواليس. وفي تلك السباقات، تكمن قيمة السلاح الأكبر أحيانا في سلسلة ما بعد تسليم السلاح، والتي تتضمن الصيانة، وقطع الغيار، والبرمجيات، والتدريب، وقدرة الاستبدال السريع، وطبعا القدرة على التصنيع داخل البلاد.

المسيرات في سماء التشويش

ما سبق يعد واحدا من تطورات عدة على ساحة المعركة الأوكرانية العام الماضي، سببت قلقا بالغا لدى الروس. واحد من هذه التطورات أيضا هو نجاح كييف في توظيف مسيرات أكثر ذكاء وقدرة على مقاومة التشويش، بعدما اتضح أن معضلة المسيرات على الجبهة الأوكرانية لم تعد هي جودة الكاميرا أو قوة المحرك، بل البقاء متصلة مع بعضها ومع مركز القيادة في سماء مسكونة بـ"المشوشات" على طول الخطوط الأمامية. ومن هنا ظهرت فكرة "التوجيه الطرفي" (Terminal Guidance)، وتعني أن تقاد المسيرة يدويا خلال معظم الرحلة، وعندما تبدأ الإشارة بالتدهور بفعل التشويش، تنتقل في الأمتار الأخيرة إلى نمط شبه ذاتي يعتمد على الرؤية الحاسوبية لـ"للإطباق على الهدف" (Lock-on Target)، أي تحديده والثبات عليه، ومتابعته حتى الاصطدام.

هذه الفكرة نفسها تظهر بأشكال متعددة، فمثلا أعلنت شركة "أوتريون" (Auterion) متعددة الجنسيات أنها ستزود أوكرانيا بـ 33 ألف عدة توجيه مدعومة بالذكاء الاصطناعي ممولة بعقد من البنتاغون بقيمة 50 مليون دولار. تمكن هذه المعدات المسيرة من تتبع وإصابة هدف "ذاتيا" خلال مراحل تدهور الاتصال بسبب التشويش، خلال مسافة تصل إلى نحو كيلومتر كامل دون الحاجة لأي توجيه يدوي خلال هذه المرحلة. ينسجم ذلك مع ما سبق أن أعلنته كييف حول عزمها شراء 4.5 مليون طائرة مسيرة صغيرة وتحصينها ضد التشويش من أجل تحسين كفاءتها في بيئة القتال.

في السياق ذاته، لفت تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية إلى أن كييف قطعت بالفعل شوطا في التصنيع المحلي لأنظمة توجيه المسيرات. وأشار التقرير إلى شركة تدعى "القانون الرابع" (The fourth law) صممت نظاما يدعى "تي إف إل-1" (TFL-1)، وهي وحدة تدمج في المسيرة لتعمل كنظام توجيه طرفي بالذكاء الاصطناعي، لتتولى التحكم في المسيرة خلال المراحل الأخيرة بحيث يمكنها "الإطباق" على هدف متحرك لمسافة تصل إلى 400 متر.

وهكذا فإن الحرب في عصر الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لم تعد تفهم فقط كصدام قذائف ودروع، بل كمنافسة شيفرات وتحديثات، ويمكننا القول بثقة أن حرب أوكرانيا قد نقلت مركز الثقل من قطعة السلاح إلى البرنامج الذي يشغلها. لم تعد الصناعة العسكرية في العالم اليوم تقوم على الفلسفة القديمة للتصنيع البطيء ونشر السلاح الذي يظل صالحا لفترة طويلة من الزمن، ولكنها صارت قائمة على سباق تحسين مستمر يشبه سباق القط والفأر، حيث يتم تطوير وسائل التشويش والخداع، فيتم تحديث الخوارزميات وأجهزة الملاحة والرؤية، ثم يعود الطرف الآخر لتطوير تشويش أذكى، وهكذا تصبح الحرب أقرب إلى دورة مغلقة من التحديثات التي لا تنتهي.

كل ما سبق يتطلب ترقيات متتابعة تقودها استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، وصناعة عسكرية فعالة تحول المنجزات والأفكار الجديدة إلى واقع عملي بأعداد ووتيرة مناسبة. هذا يفسر لماذا أصبحت المسيرات سلاح العصر، ليس فقط بسبب التحديثات المستمرة في أنظمتها التقنية، ولكن أيضا بسبب سهولة إنتاجها وتعويضها بالآلاف، لأن ما يجعلها سلاحا مؤثرا ليس الصمود وطول البقاء، ولكنه التحديث المستمر وانخفاض التكلفة والقابلية غير المسبوقة للتعويض.

مصدر الصورة شركة "أوتريون" أعلنت أنها ستزود أوكرانيا بـ 33 ألف عدة توجيه مدعومة بالذكاء الاصطناعي ممولة بعقد من البنتاغون بقيمة 50 مليون دولار (رويترز)

خلف خطوط الجبهة

إلى جانب ما سبق، امتلكت كييف قدرة ضرب عميق دقيقة خلف خطوط الجبهة الروسية، هذا المنطق ظهر بوضوح في أواخر 2025 حين كثفت كييف ضرباتها ضد البنية الداعمة للمجهود الحربي الروسي، وخاصة الطاقة والوقود. فمثلا نقلت رويترز في ديسمبر/كانون الأول عن مسؤول في جهاز الأمن الأوكراني أن مسيرات بعيدة المدى استهدفت خزانات منتجات نفطية في ميناء تمريوك الجنوبي بمنطقة كراسنودار، إضافة إلى منشأة لمعالجة الغاز في منطقة أورينبورغ، على بعد نحو 1400 كيلومتر من الحدود الأوكرانية، ضمن سياسة تهدف إلى تقليص المخزون الروسي، وتعقيد لوجستيات تزويد الجيش بالوقود.

إعلان

بالتزامن، تحدثت تقارير إعلامية عن استخدام صواريخ "ستورم شادو" (Storm Shadow) البريطانية مع المسيرات لضرب منشآت نفط وغاز روسية أهمها مصفاة نوفوشاختينسك في منطقة روستوف التي تستخدم لتزويد وقود الطائرات، بما يعكس نمط هجمات مركبة تتقاسم فيها الصواريخ والمسيرات الأدوار لتشتيت الدفاعات والوصول إلى أهداف محمية.

وقبل ذلك، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 قالت أوكرانيا علنا إنها هاجمت أهدافا عسكرية داخل روسيا بصواريخ "أتكامز" (ATACMS) الأمريكية ووصفت ذلك بأنه تطور مهم، وهو تصريح لافت لأن استخدام هذا النوع من الصواريخ داخل روسيا كان أمرا شديد الحساسية سياسيا لفترة طويلة. من ناحية عملياتية، يوضح ما سبق أن العمق الروسي أصبح ساحة مناورة في هذه الحرب، ما يدفع روسيا إلى مزيد من التحصين والتباعد وإعادة التموضع.

أما التحول الأكبر فهو أن استهداف العمق الروسي أصبح إستراتيجية أوكرانية طويلة الأمد، ففي يناير/كانون الثاني 2026 أطلقت بريطانيا مشروع "نايت فول" (Nightfall) لتطوير صاروخ باليستي أرضي لصالح أوكرانيا يحمل رأسا حربيا وزنه نحو 200 كيلوغرام وبمدى يتجاوز 500 كيلومتر، وهذا يعني أن الضرب العميق تحول من ضربات منفردة إلى محاولة لبناء قدرة ضرب مستدامة.

ينسجم ذلك مع تحول سياسي سبق أن أعلنه المستشار الألماني فريدريش ميرتس وهو أن الحلفاء الأوروبيين لم يعودوا يفرضون قيودا على مدى الأسلحة الموردة لأوكرانيا، وهو تصريح، حتى مع بقاء تفاصيل الأنظمة غامضة عمدا، يشير إلى أن منطق العمق صار جزءا من التفكير الغربي لإجبار روسيا على دفع كلفة أعلى خلف الخطوط.

حلول هجينة.. دفاع جوي طبقي

في الشق الدفاعي، تستخدم أوكرانيا الآن إستراتيجية "الدفاع الجوي الطبقي" لتجنب استنزاف صواريخها باهظة الثمن في مواجهة هجمات المسيرات الروسية المتكررة، وذلك بناء على معادلة حرب بسيطة تهدف لاستمرار الدفاع لأطول فترة ممكنة.

لذلك يتجه التفكير الأوروبي إلى توزيع الأدوار في أوكرانيا، حيث تخصص الأنظمة الأعلى كلفة والأبعد مدى للصواريخ الباليستية والطائرات والأهداف الأخطر، بينما تتولى طبقات أقرب وأرخص التعامل مع المسيرات وصواريخ كروز الأرخص أو الأكثر عددا.

في هذا السياق ظهر برنامج "فرانكن سام" (FrankenSAM) كمثال عملي على الهندسة العسكرية تحت الضغط. والبرنامج هو مبادرة دفاع جوي أوكرانية-أمريكية تجمع بين صواريخ غربية حديثة ومنصات إطلاق سوفياتية قديمة لسد فجوات الدفاع الجوي أمام الهجمات الروسية. تقوم فكرة البرنامج على تركيب منظومات "هجينة" للدفاع الجوي، مثل إطلاق صواريخ "إيه آي إم-9 إم سايدويندر" (AIM-9M) بمساندة رادارات سوفياتية قديمة، وكذلك تعديل قواذف "باك" السوفياتية لتطلق صواريخ "آر آي إم-7" (RIM-7 Sea Sparrow) الأمريكية، لتوسيع قاعدة الاعتراض بالاعتماد على القدرات الحالية.

قدم تقرير من منصة "ذا وار زون" (The War Zone) نظرة على هذه المنظومة اعتمادا على الصور المتاحة، مؤكدة اتجاه أوكرانيا لاستغلال المنصات السوفياتية مع أية صواريخ غربية متاحة لتعويض نقص الذخائر. وبحلول نهاية 2025 ظهرت تقارير توثق لتشغيل هذا المشروع، مما يعزز القول إن بعض هذه الحلول لم تعد مجرد مفاهيم أو اختبارات، بل دخلت حيز التشغيل، يأتي ذلك تزامنا مع حديث مصادر أوكرانية عن القدرة على توطين إستراتيجية "فرانكن سام" محليا.

مصدر الصورة نظام صواريخ أرض-جو ذاتية الدفع متوسطة المدى من طراز بوك-3 إم (أسوشيتد برس)

الرد الروسي

بلا شك، تراقب روسيا كل تلك التحولات بدقة، وبدأت في اتخاذ إجراءات عملية تتجاوز "الخطاب النووي". وبدلا من الاكتفاء بمواجهة القدرات الأوكرانية على الجبهة، راهنت موسكو على استنزاف دفاعات أوكرانيا عبر موجات كثيفة من المسيرات والصواريخ، لأن كثرة الأهداف تجبر الخصم على استهلاك مخزون الاعتراض.

تشير تحليلات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) إلى أن روسيا ضاعفت الرهان على مسيرات "شاهد" إيرانية الأصل عبر زيادة الأعداد، وتحسين التكتيكات، وفي يناير/كانون الثاني 2026 ظهرت تقارير عن إدخال روسيا نسخا أسرع من هذه المسيرات للضغط على زمن رد الفعل لدى الدفاعات الأوكرانية. كما نقلت تقارير حديثة تصريحات للرئيس الأوكراني زيلنسكي بأن روسيا باتت تنتج أكثر من 500 مسيرة يوميا.

أحد أنماط التكيف الروسية أيضا هو نقل الأصول عالية القيمة إلى الخلف خارج مدى كثير من وسائل الضرب القصيرة، مع إحاطتها بطبقات حرب إلكترونية. هذا ليس جديدا بالمناسبة؛ فقد أثرت ضربات راجمات "هيمارس" الأمريكية التي استخدمتها كييف سابقا على نمط الانتشار الروسي، بعد تدمير مخازن الذخيرة في مناطق متعددة على جبهة القتال، ما دفع الروس لمضاعفة التحصينات والدفاعات الميدانية، من خنادق، وعوائق، وخطوط دفاع طبقية، وتوزيع التخزين على مناطق أوسع، ما ساعد في تخفيف أثر الضربات الأوكرانية.

إعلان

وكان أكثر ردود روسيا لفتا للنظر هو التوسع في تشغيل مسيّرات منظور الشخص الأول (First Person View – FPV)، والتي تعمل بالألياف الضوئية ولا تعتمد على رابط لاسلكي قابل للتشويش، هذه المسيّرات لا ترسل الفيديو وأوامر التحكم عبر موجات راديوية أو ترددات لاسلكية يمكن التشويش عليها، بل عبر كابل ألياف ضوئية رفيعة تنقل الإشارة والفيديو بشكل ثابت.

وقد رصد معهد دراسة الحرب محاولات روسية لتوسيع إنتاج هذا النوع من المسيرات واعتبره اتجاها تقنيا مهما للعام الماضي. بالطبع تواجه هذه المسيّرات مشكلة وزن الكابل الذي يقلل المدى الفعلي للطائرة أو يقلل حجم الرأس الحربي مع تعقيد لوجستي وتشغيلي يتعلق بإدارة شد الكابل وخطر التعقد والانقطاع، لكن روسيا كما يبدو تتحمل ذلك، بل وتحاول تعميم فكرة الألياف الضوئية على مسيّرات أرخص بدل بقائها حكرا على نماذج خاصة.

بجمع هذه الخطوط معا، يبدو أن طرفي الصراع يرسمان معالم حرب مستمرة وطويلة تناقض الأحاديث حول إنهاء القتال ووقف إطلاق النار، تتضمن تلك الحرب اشتباكات برية موضعية على جبهة واسعة، تقابلها حرب يومية فوق الرؤوس، من مسيّرات وصواريخ وتشويش، مع سباق صناعي لتأمين الذخائر والمنصات وتعويض الاستنزاف، على الجهتين.

نحن أمام حرب مستمرة إذن، تعتمد على طول النفس والقدرة على تعويض الهدر، لكنها ليست مثل أي حرب طويلة أخرى، أو كما يصفها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، فإنها تتحول إلى "حرب حديثة" عنوانها الأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والمرونة المعلوماتية، بما يجعل الحسم السريع متعذرا بأي حال من الأحوال.

ربما يقطع هذه الحرب اتفاق لوقف إطلاق النار إذا جرى تجاوز التعقيدات السياسية لكن ذلك لن يمنع كلا الطرفين من الاستعداد لاستئناف جديد للقتال. في الحقيقة، تبدو روسيا وكأنها تعيد ضبط إستراتيجيتها في أوكرانيا لتتماهى مع ما يوصف بـ"الحرب الأبدية"، أي حرب ممتدة لا تفضي إلى خاتمة محددة. وفي الضفة الأخرى، يواصل سياسيون وقادة عسكريون غربيون دعم كييف خوفا من ألا تكون أوكرانيا المحطة الأخيرة في التوغل الأوروبي الروسي.

في غضون ذلك، توفر الحرب نافذة للغرب لرصد ومتابعة التطورات العسكرية الروسية عن قرب، ومواصلة استنزاف موسكو في صراع طويل، إضافة إلى اختبار حدود الكرملين سياسيا وعسكريا، ومنها ذلك السؤال المصيري المتعلق بمدى استعداد الرئيس الروسي بوتين للذهاب نحو تصعيد نووي إذا اشتدت الضغوط.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا