في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طرابلس – أثار قرار وزارة الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية بحظر تصدير عدد من الموارد الزراعية والبحرية جدلا واسعا بين المزارعين والمصدرين، الذين حذروا من تداعياته المحتملة على قطاع التمور، أحد أبرز القطاعات الزراعية في البلاد.
وجاء القرار ضمن حزمة إجراءات تنظيمية أصدرتها الوزارة خلال العام الجاري، كان من بينها قرار بشأن حظر تصدير وإعادة تصدير عدد من الموارد البحرية والزراعية صدر في 21 أبريل/نيسان، في إطار توجه حكومي يستهدف ضمان وفرة السلع في السوق المحلية والحد من ارتفاع الأسعار.
وتقول وزارة الاقتصاد إن هذه الإجراءات مؤقتة ومرتبطة بمتطلبات السوق المحلية، إلا أن منتجي التمور يرون أن تعميم القيود على التصدير يهدد قطاعا يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاجه.
تعد التمور من أبرز السلع الزراعية التصديرية في ليبيا، خاصة في مناطق الجفرة والكفرة وسبها والواحات الجنوبية، حيث يعتمد آلاف المزارعين على زراعة النخيل كمصدر رئيسي للدخل.
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( فاو) إلى أن إنتاج ليبيا من التمور بلغ نحو 188 ألف طن عام 2023، ما وضعها في المرتبة الحادية عشرة عالميا والتاسعة عربيا والخامسة أفريقيا، فيما يقدر عدد أشجار النخيل بنحو 8 ملايين نخلة منتشرة في مناطق الواحات والصحراء الليبية.
ويوجه جزء مهم من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية، خاصة في دول المغرب العربي وتركيا وعدد من الأسواق الآسيوية، خاصة في ظل عجز السوق المحلية عن الاستيعاب الكامل للإنتاج السنوي، ويؤكد العاملون في القطاع أن التصدير يمثل منفذا أساسيا لتصريف الفائض والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي المرتبط بالتمور.
كما ينظر إلى القطاع باعتباره أحد روافد الصادرات غير النفطية القادرة على توفير العملة الأجنبية، في وقت تتجه فيه السياسات الاقتصادية إلى تنويع مصادر الإيرادات الخارجية وتقليل الاعتماد على النفط، مستفيدة من القدرة التنافسية للمنتج الليبي في عدد من الأسواق الدولية.
وقال إبراهيم نصر، عضو مجلس إدارة الاتحاد العام لمصدري التمور للجزيرة نت، إن الكميات الجاهزة للتصدير ما تزال كبيرة رغم اقتراب نهاية الموسم.
وأوضح أن حجم الكميات المرتبطة حاليا بعمليات التصدير يتجاوز 4 آلاف طن موزعة بين شحنات داخل الحاويات وأخرى على أرصفة الموانئ أو في المستودعات أو في طريقها إلى منافذ التصدير، مشيرا إلى وجود نحو 3 آلاف طن إضافية لدى المزارعين أو في مراحل التسويق المختلفة.
وأضاف أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن التصدير يهدد ثقة المستوردين الأجانب في السوق الليبية، خاصة في الأسواق الرئيسية المستوردة للتمور الليبية مثل المغرب وتركيا والهند وإندونيسيا.
وحذر من أن التردد في القرارات المتعلقة بالتصدير قد يدفع المستوردين إلى البحث عن أسواق بديلة أكثر استقرارا، بما ينعكس سلبا على قدرة المنتج الليبي على الحفاظ على حصته في الأسواق الخارجية.
وأشار نصر إلى أن مرافق التخزين تكاد تكون ممتلئة بالكامل، في وقت لا يفصل فيه سوى نحو شهرين عن انطلاق الموسم الجديد لجني التمور.
وقال إن القطاع يواجه حاليا مشكلة تداخل مخزون الموسم السابق مع الإنتاج المتوقع للموسم المقبل، مما يزيد الضغوط على مرافق التخزين وسلسلة الإمداد.
وأكد أن حجم الإنتاج الليبي يفوق احتياجات السوق المحلية بكثير، وأن هناك فائضا كبيرا لا يمكن استيعابه داخليا، ما يجعل التصدير ضرورة اقتصادية لاستمرار العملية الإنتاجية.
وأضاف أن استمرار الحظر قد يؤدي إلى انخفاض أسعار التمور إلى مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، في ظل ارتفاع تكاليف العمالة والأسمدة والأدوية الزراعية والخدمات التشغيلية.
وحذر من أن خسائر المزارعين قد تدفع بعضهم إلى تقليص استثماراتهم أو العزوف عن التوسع في زراعة النخيل مستقبلا، الأمر الذي قد يؤثر لاحقا على حجم الإنتاج الوطني.
ويرى العاملون في القطاع أن تداعيات القرار لا تقتصر على المزارعين والمصدرين فقط، وأوضح نصر أن قطاع التمور يرتبط بسلسلة اقتصادية واسعة تشمل النقل والتخزين والتعبئة والتغليف وصناعة الكرتون والبلاستيك والخدمات اللوجستية، مؤكدا أن أي اضطراب في إحدى حلقات هذه السلسلة ينعكس على بقية الأنشطة المرتبطة بها.
كما حذر من آثار اجتماعية محتملة، خاصة في مناطق الجفرة والواحات، حيث يمثل النشاط الزراعي أحد أهم مصادر الاستقرار الاقتصادي للسكان المحليين.
أكدت وزارة الاقتصاد والتجارة أن هدف الإجراءات الحالية ليس الإضرار بالمنتجين أو المصدرين، وإنما حماية السوق المحلية وضمان استقرار الأسعار.
وقال مكتب وزير الاقتصاد والتجارة، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن اهتمام الوزارة خلال هذه المرحلة ينصب على ضمان وفرة السلع الأساسية وتلبية احتياجات المواطنين قبل التوسع في التصدير.
وأوضح المكتب أن قرارات تقييد أو منع تصدير بعض المنتجات الزراعية والسمكية جاءت كإجراءات تنظيمية مؤقتة تهدف إلى تعزيز المعروض المحلي وتحقيق التوازن بين العرض والطلب والحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.
وأضاف أن آثار هذه الإجراءات بدأت تظهر على أسعار عدد من السلع، لا سيما بعض المنتجات الزراعية والأسماك، مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل بدء تطبيقها.
وأكد أن التصدير يمثل في الظروف الطبيعية أداة مهمة لدعم الاقتصاد الوطني وزيادة الإيرادات وتوفير النقد الأجنبي، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية تتطلب إعطاء الأولوية لاستقرار السوق المحلية.
وشدد المكتب على أن الوزارة تستهدف مستقبلا زيادة الإنتاج الوطني وتحسين سلاسل الإمداد بما يسمح بالتوسع في التصدير دون التأثير على الأمن الغذائي أو القدرة الشرائية للمواطنين.
ويرى المحلل الاقتصادي عبد الكريم الجديدي أن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تقوم على الحظر الشامل أو فتح التصدير دون ضوابط.
وقال الجديدي خلال حديثه للجزيرة نت، إن الحل يكمن في إدارة ذكية للفائض الإنتاجي، عبر تحديد حجم الاستهلاك المحلي والإنتاج السنوي والفائض القابل للتصدير قبل اتخاذ أي قرارات.
وأضاف أن معالجة ارتفاع الأسعار يجب أن تبدأ من جذور المشكلة، من خلال تحسين سلاسل التوريد وتسهيل الإجراءات أمام المصدرين ودعم الإنتاج الزراعي وتطوير مرافق التخزين الإستراتيجي.
وأشار إلى أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن فقط في تصدير التمور الخام، بل في تطوير الصناعات التحويلية والتعبئة والتغليف بما يرفع القيمة المضافة للمنتج الليبي ويعزز قدرته التنافسية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى ضبط الأسعار وضمان وفرة السلع الأساسية، يرى المنتجون أن التمور تختلف عن عدد من المحاصيل الموسمية الأخرى، نظرا لاعتماد القطاع على الأسواق الخارجية لتصريف جزء كبير من إنتاجه.
وبينما تؤكد وزارة الاقتصاد أن الإجراءات الحالية مؤقتة ومرتبطة بظروف السوق، يحذر المصدرون من أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، خاصة مع اقتراب موسم جديد ووجود آلاف الأطنان التي لم تغادر المخازن بعد.
ويبقى التحدي أمام الحكومة هو القدرة على المواءمة بين متطلبات الأمن الغذائي واستمرار التصدير، بما يحافظ على استقرار السوق المحلية دون الإضرار بأحد أهم القطاعات الزراعية في البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة