طهران – لم ينعكس الإعلان عن السماح ببيع النفط الإيراني بالدولار والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة على معيشة الإيرانيين بالسرعة التي توقعها كثيرون.
فبينما عزز التوقيع على مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، بوساطة باكستانية قطرية، توقعات بانفراج اقتصادي وتحسن في سوق الصرف، فوجئ المستهلكون بارتفاع أسعار الخبز في عدد من المحافظات، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن مدى قدرة التطورات الدبلوماسية على تحسين الأوضاع المعيشية في المدى القريب.
وأمام أحد المخابز في طهران، قال بهرام (40 عاما)، وهو عامل بناء، إن سعر رغيف خبز "اللواش" ارتفع من 14 ألف ريال ( 0.01 دولار) إلى 27 ألف ريال (نحو 0.02 دولار) خلال يوم واحد، مضيفا أن الزيادة بددت حالة التفاؤل التي صاحبت التفاهمات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة.
وأوضح للجزيرة نت "كنا نأمل أن تؤدي المفاوضات إلى تخفيف الضغوط المعيشية، لكن أول ما لمسناه كان ارتفاع أسعار الخبز"، معتبرا أن الشرائح محدودة الدخل تواجه صعوبات متزايدة في تغطية احتياجاتها الأساسية.
وبينما كان يجمع أرغفة الخبز في أكياس بلاستيكية، تدخلت سيدة خمسينية كانت تقف بجانبه قائلة إن أسعار الخبز، رغم ارتفاعها، لا تزال منخفضة مقارنة ببعض دول الجوار، وهو ما يشجع على تهريب الخبز والدقيق أو استخدامه علفا للمواشي في بعض المناطق بسبب انخفاض تكلفته مقارنة بالأعلاف المستوردة.
أما رضا (28 عاما)، الذي يعمل في أحد المخابز، فيرى أن الزيادة لا ترتبط مباشرة بالمفاوضات الجارية، موضحا أن القرار اتُّخذ منذ فترة، لكن تطبيقه في المخابز الحكومية تزامن مع الجولة الأولى من المحادثات في سويسرا.
وأضاف للجزيرة نت أن أسعار الخبز في المخابز الخاصة ارتفعت منذ أشهر، في وقت تواجه فيه المخابز زيادات متواصلة في تكاليف الإيجارات والطاقة وقطع الغيار، رغم استمرار الدعم الحكومي للدقيق.
وقال رضا "ننفذ القرارات الصادرة إلينا، ولسنا الجهة التي تحدد الأسعار. الدولة ما زالت توفر الدقيق المدعوم، لكن معظم التكاليف الأخرى أصبحت مرتبطة بأسعار السوق".
وجاء ارتفاع أسعار الخبز في وقت شهدت فيه إيران تطورات اقتصادية مهمة، شملت تعليق بعض القيود الأمريكية على صادرات النفط والسماح ببيع الخام الإيراني بالدولار، إضافة إلى تحرير جزء من الأصول الإيرانية المجمدة. وبينما يفترض نظريا أن تدعم هذه الخطوات الاحتياطيات الأجنبية وتحسن توقعات الأسواق في إيران، فإن أثرها المباشر على الحياة اليومية ما يزال محدودا.
ومن هذا التباين بين التفاؤل الدبلوماسي والضغوط المعيشية، انطلقت جولة "الجزيرة نت" في أسواق العاصمة لرصد انعكاسات التطورات الأخيرة على أسعار السلع وسوق الصرف وبورصة طهران.
في أحد المتاجر الكبرى غرب طهران، قالت الحاجة افتخار (67 عاما)، وهي ربة منزل، إن معظم السلع الغذائية شهدت زيادات تراوحت بين 20% و100% منذ بداية العام، مؤكدة أن المستهلك الإيراني لا يلمس أي تراجع في الأسعار رغم التطورات السياسية الأخيرة.
وأضافت افتخار للجزيرة نت "الأسعار هنا تعرف اتجاها واحدا، وهو الصعود. لم نرَ انخفاضا حقيقيا في أسعار المواد الغذائية أو السلع الأساسية".
ويقول داريوش (48 عاما)، صاحب المتجر، إن الأسعار استقرت نسبيا خلال الأيام الأخيرة، لكن السوق لم تشهد أي تراجع فعلي في الأسعار.
وأوضح للجزيرة نت أن استقرار سعر الدولار خلال الفترة الماضية أسهم في وقف موجة ارتفاع جديدة، لكنه لا يكفي لخفض أسعار السلع المستوردة، مضيفا أن الأسواق ما زالت تنتظر ترجمة الاتفاقات السياسية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
في سوق فردوسي للعملات وسط طهران، قال مهدي، وهو صراف فضل عدم ذكر اسمه الكامل، إن الدولار تراجع عقب الإعلان عن التفاهم الأولي من نحو مليون و800 ألف ريال إلى مليون و540 ألف ريال، قبل أن يستعيد جزءا من خسائره، ويستقر قرب سعر مليون و610 آلاف ريال.
وأوضح مهدي للجزيرة نت أن حالة التفاؤل الأولية تراجعت بفعل التصريحات الأمريكية المتباينة بشأن آلية استخدام الأموال الإيرانية المفرج عنها، وشروط تنفيذ التفاهمات.
وأضاف أن سوق الصرف يقف حاليا بين عاملين متعارضين؛ الأول يتمثل في احتمال زيادة المعروض من العملات الأجنبية نتيجة تحرير الأصول المجمدة وتخفيف القيود على صادرات النفط، والثاني يتمثل في استمرار عجز الموازنة العامة واحتياجات الإنفاق المرتبطة بإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن اقتراب عطلة نهاية الأسبوع وتزامنها مع تاسوعاء وعاشوراء يحدان عادة من الطلب على العملات الأجنبية، كما أن الأسواق استوعبت مسبقا جزءا من تأثير الأخبار الإيجابية المرتبطة بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية.
ولفت إلى عامل موسمي آخر يتمثل في ارتفاع الطلب على الدينار العراقي خلال شهر محرم، إذ تبلغ قيمته حاليا نحو 13 ألف ريال للدينار الواحد، ما يسحب جزءا من السيولة بعيدا عن الدولار ويحد من تأثير التطورات السياسية على حركة سعر الصرف.
وبحسب مهدي، فإن السوق ما تزال في مرحلة انتظار، إذ يترقب المتعاملون الخطوات التنفيذية المتعلقة ببيع النفط الإيراني، وتحرير جزء من الأصول المجمدة أكثر من اهتمامهم بالإعلانات السياسية وحدها.
أما بورصة طهران فكانت الأكثر تفاعلا مع نتائج مفاوضات سويسرا، فقد ارتفع المؤشر الرئيس أمس الأربعاء بنسبة 1.91% ليستقر عند مستوى 5 ملايين و160 ألف نقطة، منهيا موجة تراجع استمرت يومين متتاليين.
وقال مسعود، وهو متداول مخضرم في البورصة، إن عودة السيولة الحقيقية إلى سوق الأسهم بعد ثلاثة أيام متتالية من صافي التدفقات الخارجة شكلت إشارة مهمة على تحسن شهية المستثمرين.
وأضاف للجزيرة نت أن الأسبوع المنتهي أول أمس الثلاثاء، قبل إغلاق السوق بمناسبة تاسوعاء، اتسم بتقلبات حادة، لكن المؤشر العام نجح في إنهائه على ارتفاع طفيف مقارنة ببداية الأسبوع، بعدما صعد من 5 ملايين و151 ألف نقطة إلى 5 ملايين و160 ألف نقطة.
ووصف جلسة الثلاثاء بأنها نقطة تحول مهمة في مزاج السوق، موضحا أن أوامر الشراء تفوقت بوضوح على أوامر البيع، كما ارتفع عدد الأسهم الرابحة بصورة ملحوظة.
وأشار إلى أن قدرة السوق على الاحتفاظ بمعظم مكاسبها رغم اقتراب ثلاثة أيام عطلة متتالية تعكس تحسنا في ثقة المستثمرين، لكنها تبقى رهنا بمسار المفاوضات، والتطورات الاقتصادية والسياسية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن أسهم الشركات المرتبطة بقطاعات النفط والبتروكيماويات والبنوك كانت الأكثر طلبا، في حين سجلت شركات الشحن والمصافي النفطية مكاسب ملحوظة بعد الإعلان عن تعليق بعض العقوبات على إيران.
كما شهدت أسهم شركات السيارات والصناعات الثقيلة طلبا متزايدا، مدفوعة بتوقعات استئناف التعاون مع الموردين الخارجيين، وتحسن قنوات التمويل والتعاملات المصرفية إذا دخلت التفاهمات الأخيرة حيز التنفيذ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة