رغم كونه من أوضح الأصوات الغنية بالمعرفة في مسرح الثقافة العربية، اختار شربل داغر أن يسير بهدوء في طرق اللغة الصعبة، باحثا عن المعنى الأدق الأعمق للحياة والكتابة في آن واحد.
وأبى أن يتعامل مع الشعر على أنه كلام مكتوب بيد تستطيع أي يد شاعرة أن تأتي بمثله، بل اختار للقصيدة أن تكون بيتا للتأمل ومأوى للسؤال.
بدت أعماله الأدبية رحلة في الفكر العميق، منطلقة من الذات الفردية، ومنفتحة على الذوات الإنسانية الجماعية.
ولم ينس داغر أن يرى بعين الناقد الحاذق، لكنه لم يتحدث إلا بصوت الشاعر؛ وحين امتدت يده لتأخذ كتابا من التراث وتقرأه، امتدت الأخرى لتأخذ كتابا من الحداثة.
وهذا نص الحوار معه:
هذا الإصرار من قبلي قد يعود لشعوري بأنني لم أصبح شاعرا، ولن أكونه كذلك. فهو الشغف الذي قد يعني اليأس والتصميم في آن، أشبه بسيزيف في الأسطورة الإغريقية، الذي يرفع حمله، صخرته، إلى القمة، ثم تقع منه، وتحط في الحضيض من جديد.
لكنه لا ينقطع، مع ذلك، عن رفعها مرة تلو مرة… ما لا تقوله الأسطورة وما يعنيني قوله: هو أن الإقدام على رفع القصيدة ليس من دون عزم، بل يحدوه دوما الأمل برفعها. وما هو أشد تمسكا بالقصيدة، هو أنها فعل التذاذ ونشوة.
قلما ألتفت إلى خلف، لا سيما في القصيدة. فما يشغلني، ويحركني، واقع في تلك المسافة التي أسعى فيها من دون أن أصل، في تلك الخطوات التي لا تشبه نفسها، في معاودة الطريق إلى القصيدة. ذلك أن الرغبة في القصيدة هي ما يحركني، ويجعلها منيعة في صمتها أو خلائها.
كانت تلك القصيدة العمودية أولى وأخيرة في شعري، ما لا حاجة ولا أمنية بالعودة إلى تكرارها. كانت أقرب إلى تدريب مدرسي، أو انضباط في مسيرة عسكرية.. مع ذلك، أتحقق من ورود أسطر ذات تفاعيل، ما يقرب من الوزن التام، في مقاطع، في قصائد طويلة.
هذا ما يقرب من "الدور" الغنائي، ما يعني أن العودة إلى الوزن تلبية لغنائية مطلوبة في تعدد أغراض القصيدة.
"الإقدام على رفع القصيدة ليس من دون عزم، بل يحدوه دوما الأمل برفعها.. إنها فعل التذاذ ونشوة"
لكتاب "القرآن والعربية والكتاب" حكاية طويلة، ومتشعبة، لا يسعني التوقف عندها. ما أكتفي بالقول، هو أن هذا الكتاب يعود، في خطته، وفي كتابة بعض فقراته، إلى منتصف الثمانينيات في باريس، وفي حوار مع أستاذي محمد أركون.
كنت أتابع، مع أستاذي وغيره، ما تناولوه في درس القرآن، من دون أن أجد فيه بالضرورة ما أسعى إليه، وما أطمح إلى معالجته. أنا لست دارسا للقرآن، ولم أطلب الخوض فيه. ما عناني في درس بعض الدارسين له، هو أن درسهم له لم يتوقف عند قضية أساسية -في نظري-: كيف تم "تلقي" القرآن؟ وهو ما يتفرع إلى سؤالين:
عمل كثيرون من الدارسين، بل غالبهم، في درس القرآن بين "التنزيل" وبناء المصحف العثماني الأول، فيما عملت في نطاق "التلقي"، ومقوماته بين المتكفلين بحفظ القرآن في مصحف "ذي دفتين".
أي عملت في التحقق من "كفاءة" العربية، كما تتبدى في "تأدية" الناطقين بها والمدونين لها. ما أثيره في أسئلة بسيطة للغاية: لماذا ترد في المصحف، ألفاظ في هيئات تدوينية مختلفة، مثل ورود: "امرأة" و"امرأت"، على سبيل المثال.
كما لم تمتثل آيات، في بعض القرآن، لقواعد الإعراب المتبعة: لماذا يأتي الفاعل منصوبا في إحدى آيات "سورة البقرة"، على سبيل المثال؟ لماذا لم توحد كتابتها؟ أيعني هذا أنه لم تكن للعربية هيئة تدوينية ناظمة؟
ما عناني، في كتابي -الذي منع في أكثر من بلد عربي-، لم يكن غير العربية، ابتداء من النص الأهم فيها، وهو القرآن.
لم تدرس كفاية تاريخية العربية، بعد النزول، ولا سيما عندما باتت "لغة إمبراطورية"، متسعة، لتشمل بلدانا وثقافات غير العربية، وخارج الجزيرة العربية. فما نجده، في قديم الدرس اللغوي للعربية، لا يتعدى، إلا في قليله الثمين، الحديث عن "رفعة" العربية، و"شرفها"، و"أسرارها العجيبة".
هذا يعني أن ما بلغته العربية، بحكم الغلبة والتوحيد اللغوي للأقوام والثقافات الأخرى، لم يكن محل درس، بدليل أننا لا نملك سوى القليل عن اللغات الأخرى، سواء في المجال الإسلامي، أو المجاور له.
هذا ما استمر في درس العربية وتعليمها، على مدى قرون وفق ثقافة ما ورد، وكما ورد، ما راكم التراكم، كما أقول، وجعل عربية اليوم من دون "قواعد" مضبوطة ومقررة لها. وهو ما يثقل العربية وناطقيها ومتعلميها وكتابها، أبعد من حدود اللغة نفسها.
عربيتنا اليوم بلا قواعد مضبوطة ومقرة، وهذا يثقل ناطقيها ومتعلميها أبعد من حدود اللغة نفسها
بالطبع، التعريف لازم وممكن، إلا أنه صعب. ويزيد من الحاجة إليه، أن الاشتغال الفلسفي السابق كان يتوكل بالشعر، ويجعل منه ميدان التمثل العالي، فيما تساقط مثل هذا العمل لصالح الفن البصري، أو التقنية، في الأزمنة المتأخرة.
تزيد الحاجة إلى تعريف الشعر المتأخر، بسبب من تغيراته الشديدة، في البناء أو في خياراته الجمالية، الضمنية أو المعلنة. والاشتغال النظري في الشعر مطلوب في تعبيرات اللغة جميعها، ما دامت القصيدة تمثل أعلى اشتغال ممكن، حر ومفتوح، في اللغة وبها.
وإذا كان تعريف الشعر العمودي، والتفعيلي، أكثر يسرا، فهذا يعود إلى كونه ينبني، في عدد من مقدماته ومسبقاته، وفق نموذج مسبق، إلى هذا الحد أو ذاك. أما في القصيدة بالنثر، فلا نموذج مسبقا، غير الجمع بين الشعر والنثر، مثلما طلبه شارل بودلير في أول تعريف لها. وهو تعريف إشكالي، على بساطته الظاهرة.
وهو يعني تشكلات مفتوحة، لا توفر للدارس بالضرورة نقاطا أو معالم استدلال. بل توفر هذه القصيدة، في إنتاجاتها، وبمرور تجارب وخيارات، ما هو صعب التقعيد والتنميط، والتعريف بالتالي.
ولقد وجدت، في كتابي الثاني عن هذه القصيدة أن إخضاع هذه القصيدة لمحددات الشعر القديمة في المدونة العربية، لا يجعلها خارج الشعرية أبدا، بل يجعل شعريتها متحققة، ولكن وفق منظور يتعامل مع عناصر البناء، لا مع القواعد.
القصيدة بالنثر خرجت، أو أسقطت، قواعد الوزن والبيت والقافية، لكنها بنت نسق السطر، الممتد أو المنقطع. كما بنت احتمالات متنوعة للتركيب، بما ينمي طاقات الإنشاء الحر. كما لم تتقيد بمواضعات مسبقة، في النوع الشعري، بل جعلت من الشاعر متكلما، على أنه يتكفل بها، وفق المحددات التي يرتئيها أي مبدع في الأزمنة الحديثة والمعاصرة.
كما أن هذه القصيدة وفرت للنحو سيادته في البناء، مثلما وسعت من حياة الخيال فيها. تعريف الشعر ممكن، على أن ينصرف إلى مفهوم الكتابة، خارج مفهوم القريض، من جهة، وأن ينصرف إلى تكفل الشاعر بخيارات هذه الكتابة، لا بما تبيحه بلاغة مطبقة على الشعر وغيره.
يزيد على هذا، بل ربما الأهم في أي تعريف، هو أن الخيارات الجمالية باتت هي التي تحدد وجهات الكتابة الشعرية. مثال بسيط: قد تجد هذه الخيارات في اللغة المتجردة من البلاغة غرضا ومآلا، فيما تجد خيارات أخرى العكس من ذلك.
هذا ما نجده في خيارات جمالية في الفنون التشكيلية، وهذا ما نجده – من دون أن ندرسه كفاية – في القصيدة، وما لتعريف الشعر أن يتعامل معه.
لهذا حكاية طويلة ومتشعبة، قبل التفكر في وجوبها الدراسي في مساري التعليمي كما البحثي. هذا ما يبدأ في باريس، في نهايات عام 1976 حيث سارعت إلى التسجيل الجامعي لتحصيل شهادة الدكتوراه في الآداب العربية الحديثة، وكنت كمن يدخل – من دون علمه، من دون قصده – في مدرسة إعدادية، أو تأهيلية، في مجال الفن.
فأينما كنت، في الشارع، في أقبية المترو، في الإعلانات بالشارع، في الجريدة، في ما يتعدى المئات من المتاحف، كنت أحتاج لما يجعلني متلقيا لتجليات الفن المتنوعة. هذا ما اتجهت إليه في متابعاتي الصحفية، قبل أن أنصرف إلى الإقبال الدراسي عليه، حتى إنني كنت أمضي، في متاحف الفن وصالات عروضه ومكتباته العامرة، ما لا أصرفه للأدب عموما.
ما جعلني متعلقا بصورة بحثية بمجال الفن، هو أنني ما لبثت أن توصلت إلى التحقق من أن بعض حكاية الفن الإسلامي أو العربي المتأخر، دارت في باريس، مع بضعة مدن أوروبية أخرى.
فلقد خلصت، في البحث، إلى التنقيب في مدونة مزدوجة: قيام مدونة فرنسية وأوروبية عن الفن الإسلامي في غمار الاستشراق، من جهة، وانبناء مدونة دراسية عن الفن الإسلامي في المدن العربية والإسلامية وفق تكوينات ومحددات هذه المدونة الفرنسية والأوروبية، من جهة ثانية.
هذا هو مجال البحث الذي أتابع فيه حتى اليوم درسي، ويقودني في هذا التوجه التالي: لا يعنيني، في المقام الأول، درس "الشرق المتخيل"، بقدر ما يعنيني كيف بات الغرب، بعد أوروبا، متملكا فعليا، لا متخيلا، لما هو عليه هذا الفن: في ملكيته، أو في بناء معناه؟
الصحافة، في باريس، كانت مدرستي التأهيلية الأخرى. كنت قد بدأت العمل فيها، في بيروت، عام 1974، غير أنني امتهنتها، وتمرست فيها، في سنواتي الباريسية، حتى إنها كانت شاغلي الأول، إذا أمكن القول.
ما شغلني في الصحافة هو نبضها الزمني، ما يجعلني على علاقة حية، متوترة، منيرة أو فاشلة مع ما تكون عليه الحياة في العالم، في امتحاناتها اليومية والمتمادية. حدث لي غير مرة أن وجدتني أنتظر أمام كشك بيع الجرائد وصول النسخ الأولى من جريدة لوموند، فيما كان يحلو لي صباحا التمتع بقراءة جريدة أخرى: ليبراسيون.
كانت الجريدة الأولى تعلمني ضوابط المهنة والأمانة في النقل والمتابعة والموقف، فيما كانت الثانية تلبي عندي بعضا من الخفة (التي كنت أشعر بالحاجة إليها) في معالجة السياسة والثقافة عموما.
الصحافة، كما عهدتها في باريس، عالم في حد ذاته، ولا يجدي ربطه بغيره، مع أن هناك علاقات لازمة بين الصحافة والكتابة، بين الصحافة والسياسة، وبين الصحافة والزمن، وبين الصحافة والعالم.
لهذه العلاقات تأثيراتها الأكيدة في ما كتبت، وخارج الصحافة نفسها، إلا أنها باتت في جاري الكتابة والانشغالات، ولم تعد شيئا نافرا يمكن التحقق منه، والعثور عليه.
الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة مثل الفيلسوف؛ هو لا يبحث عن كنز مفقود، بل يقدح زناد اللغة
سؤال جدير بالطرح، وإن كانت المقارنة بين الأمس واليوم تخلص إلى حكم غير عابئ بتغير انشغالات الفكر، ومنه الفكر الفلسفي.
من المعروف أن ابتداء الخطاب الفلسفي بالعربية أتى، أو تولد إثر تفاعل مع التفلسف الإغريقي؛ وما اعتنى به كان يتمثل في بناء خطاب يستند إلى العقل ومقولاته، لا إلى الإيمان وأحكامه، على أن بينهما "الفصل" و"الاتصال".
أما في الأزمنة الحديثة، فقد تولد خطاب التفلسف بالعربية من سياقات مغايرة، ابتدأت بالتفاعل مع المتن الفلسفي الأوروبي الحديث، لكنها اعتنت بما يمكن للتفلسف أن يؤديه قي بناء الثقافة كما المجتمع، في أحوال العرب الجديدة.
فمن يعاين خريطة المذاهب الفلسفية والفكرية بالعربية منذ نهايات القرن التاسع عشر، يتحقق من أنها تستجيب لدافعين: التخير والانتخاب في المذاهب الفلسفية الأوروبية (بين ليبرالية، وماركسية، ووجودية وغيرها)، والتموقع في الراهن العربي (بين قومية، ويسارية، وإسلامية وغيرها).
وهذا يعني أن التفلسف، أو التفكر، بقي استعماليا بشكل مخصوص، ما لم يوفر للعقل احتكامه إلى مقولات محضة، أو متجردة من أي غائية. ولهذا هو أقرب إلى الدعاوة الممتزجة بالتفكر.
لأنتقل إلى القصيدة: قد تنبعث ابتداء من واقعة، إلا أنها، عندي، لا تنقلها، لا "تترجمها"، أو تتفكر فيها. بل تنطلق منها مثل الخطى في المشي الحر، أي الخيالي خصوصا، في ما يشبه التحليق أو التغوير، بما هو امتحان للذات المتكلمة في راهنها.
في مثل هذا الحراك الذي للقصيدة ما يوازي، أو يلتقي أحيانا، مع حراك التفلسف: فالشاعر يطرق بمطرقته الخاصة، مثل الفيلسوف، كما تحدث عنه نيتشه، أي أنه لا يقبل، ولا يرضى، بل يمانع ويشكك في السؤال، ويستطلع ما في الخفي: هو لا يبحث عن كنز مفقود، أو عن وديعة، وإنما يقدح زناد اللغة، مثلما الفيلسوف يقدح زناد العقل.
لهذا هناك جيرة وصحبة بين القصيدة والفلسفة، وهناك تواز وتباعد بينهما كذلك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة