آخر الأخبار

تمدد شبكات الفساد في السودان... مليارات منهوبة واقتصاد ظل يلتهم الإيرادات

شارك

بينما تئن الدولة السودانية تحت وطأة حرب مدمرة وأزمات معيشية طاحنة، يبرز “غول الفساد” عدواً خفياً يقوض ما تبقى من هيكل الاقتصاد الوطني ويستنزف موارد البلاد المنهكة. وبين غياب الأجهزة الرقابية وتآكل الشفافية، تمددت شبكات المصالح والمحسوبية لتشمل قطاعات سيادية وحيوية، مستغلة حالة السيولة الأمنية والهشاشة المؤسسية التي يعيشها السودان.
ووفقاً لتقرير مدركات الفساد لعام 2025، احتل السودان موقعاً متأخراً في التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، ليصنف ضمن الدول الأضعف أداء في مكافحة الفساد على مستوى العالم من بين 182 دولة شملها التقييم. وجاء السودان ضمن أسوأ 14 دولة في الترتيب العام، وهو نفس الترتيب الذي كان عليه في العام 2016، ما يضعه في الشريحة الدنيا إقليمياً ودولياً.

ويرجع التقرير هذا الوضع إلى هشاشة البنى المؤسسية في السودان، وتآكل سيادة القانون، واستمرار النزاعات المسلحة، موضحاً أن البيئات غير المستقرة توفر مجالاً أوسع لتمدد شبكات الفساد والمحسوبية وتعطيل آليات الإدارة الرشيدة. ويأتي هذا التقييم بينما يواجه السودان أزمات اقتصادية حادة تشمل تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر، بالتوازي مع مطالبات داخلية وخارجية بإطلاق إصلاحات مؤسسية عميقة وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية. يقول الخبير الاقتصادي والاجتماعي بابكر محمد إسماعيل لـ”العربي الجديد”، إن الوضع الاقتصادي المتدهور في السودان من أهم أسبابه انتشار الفساد الذي واكبه ضعف المؤسسات المنوط بها مكافحة الفساد.

ويشير إسماعيل إلى الفساد السياسي المتعلق ببيع الأدبيات المنظمة للعمل السياسي والإداري الذي يخالف التشريع القانوني وضوابط قيم العمل، بجانب الفساد المالي الذي يأتي مخالفاً للأحكام والقواعد المالية في تنظيمات الدولة إدارياً ومخالفة ضوابط وتعليمات الرقابة المالية. ويقول إن السودان، رغم تمتعه بموارد هائلة، إلا أنها ظلت على مدار السنوات تتعرض لمخالفات واضحة، خاصة في قطاع التعدين والجبايات غير القانونية والأراضي، إلى جانب تفشي الفساد في دواوين الدولة، المتعلقة بضعف الرواتب وعدم توظيف الكفاءات المهنية في المكان المناسب، في وقت تتجاذب فيه السياسات المنظمة للعمل عملية المحاصصات في توزيع الحقائب الوزارية.

ظاهرة متكررة

ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد الصادر في العام 2011، جاء ترتيب السودان 177 من أصل 183 دولة من حيث الفساد، وفي إصداره لعام 2013 أيضاً جاء ترتيبه 174 من أصل 177 دولة، وفقاً لمؤشرات الحكم التي أجراها البنك الدولي، والتي استخدمت مقياساً يندرج تحت 100 نقطة، أحرز السودان رقماً يندرج بين صفر و10. وسبق أن كشف تقرير حديث صادر عن ديوان المراجعة القومي في السودان عن وجود مخالفات مالية وإدارية كبيرة داخل الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، وذلك خلال مراجعة حسابات الشركة لعام 2024. وبحسب التقرير، فقد تم صرف مبلغ يقدر بنحو 440 مليار جنيه سوداني (نحو 440 مليون دولار) دون وجود أية مستندات أو مشروعات معتمدة تبرر هذا الصرف، وهو ما اعتبره الديوان مخالفة صريحة للضوابط المالية والإدارية المعمول بها.

وسلط التقرير الضوء على خطورة هذه التجاوزات التي تهدد مبادئ الشفافية والحوكمة في واحدة من أهم الشركات السيادية المسؤولة عن إدارة قطاع التعدين والموارد المعدنية في السودان، مطالباً بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الاختلالات ومساءلة الجهات المعنية. ويقول المحلل الاقتصادي هيثم فتحي لـ”العربي الجديد” إن ظاهرة الفساد في القطاعات الحكومية متكررة، مثل طلب الخدمات المجانية، وإعادة الطرح غير المبررة، والإعلانات غير المنتظمة للعطاءات الحكومية، فهي تضعف مصداقية المؤسسات وتعيق المنافسة العادلة. ويرى أن الفساد أصبح عاملاً محدداً لجميع خطط التنمية، وأن الخسارة الكبرى تتمثل في تسبب الفساد بفقدان الشعب الثقة التامة بمؤسسات الدولة، وأن المواطن بات يستشعر وجود الدولة من خلال جهود مكافحة الفساد وما تنجزه الأجهزة الخدمية من منجزات على الأرض.

ويؤكد ضرورة الرقابة الداخلية في المؤسسات الحكومية، وتنظيم إجراءات الرقابة الوقائية السابقة واللاحقة، ورفع مستويات المسؤولية والنزاهة والشفافية حمايةً للأموال العامة، وتشديد القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، وإصدار قوانين جديدة مثل قانون الشركات وقانون العقوبات الإدارية، وإطلاق منصة إلكترونية تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة، وتطبيق أنظمة الحوكمة الرشيدة في القطاعين العام والخاص، بما في ذلك تعزيز دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مراقبة الحكومة ورصد الفساد، وإنشاء دوائر خاصة لمكافحة الفساد في القطاعات الحكومية المختلفة، وتعزيز الشفافية في عملية الشراء العام وتطبيق قوانين المنافسة العادلة للحد من الفساد. ويؤكد أن الفساد يلقي بظلاله السلبية على القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والخدمات العامة، مما يؤدي إلى تراجع جودة الحياة وزيادة معدلات الفقر والبطالة، كما يعوق جذب الاستثمارات، ما يضعف فرص النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

حرث في البحر

أما الاقتصادي الفاتح عثمان، فيرى أن الفساد في الدولة السودانية قديم ومتجذر بقوة ومستند إلى غياب الشفافية وضعف المحاسبة وعدم اكتمال تكوين المؤسسات المعنية بمحاربة الفساد، وعجز ما هو موجود من قوانين عن محاربة الفساد لوجود ثغرات عديدة فيها تجعل القانون عاجزاً أمام المفسدين من منتسبي الدولة السودانية. ويرى أن محاربة الفساد ليست سهلة وليست صعبة في ذات الوقت، وأنها لن تنجح قط بدون وجود إرادة من السلطة العليا، أي مجلسي السيادة والوزراء، لأن محاربة الفساد بدون دعم وتبني القيادة السياسية العليا يظل مجرد حرث في البحر. وأكد أن الفساد في الدولة موجود في كل مؤسسة إيرادية أو تنموية بنسب متفاوتة، ولكن محاربة الفساد يجب أن تبدأ من مجلس الوزراء أولاً ثم حكومات الولايات.

ويقر المختص في مكافحة الفساد في السودان أمين إسماعيل باستشراء الفساد في كل دواوين الدولة نتيجة ضعف الأجهزة الرقابية وغيابها، كما أن مؤسسات الدولة الرقابية غير مكتملة، خاصة في ما يتعلق بالجانب التشريعي والبرلماني. ويرى أهمية إنشاء مفوضية لمكافحة الفساد لتضع الأطر القانونية والمؤسسية وتساعد في خلق رقابة وإيقاف التجاوزات، لكنه يرى أن الحكومة تسعى من خلال سياساتها إلى وقوع عدد كبير من الموظفين والعاملين فيها في بؤرة الفساد، خاصة فيما يلي مرتبات العاملين دون مراعاة للارتفاعات الكبيرة في الأوضاع المعيشية وازدياد وتيرة الفقر بين غالبية الفئات العاملة في دواوين الدولة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام المنصرم، ندد رئيس المجموعة السودانية للشفافية والسياسات، سليمان بلدو، باستمرار الفساد في السودان خلال الحرب، مؤكداً أن هذه الممارسات امتداد لـ”الفساد المؤسسي” الذي أسسه نظام الإنقاذ السابق. وأوضح بلدو خلال “قمة السودان للنزاهة” التي نظمها مركز المشاريع الدولية الخاصة في أوغندا أن “اللصوصية المؤسسية مستمرة”، وأن الحرب لن تتوقف إلا بخروج الأجهزة الأمنية والعسكرية من الاقتصاد. وأشار إلى أن هيئة الصناعات الدفاعية أصبحت مورداً رئيسياً للمؤسسة العسكرية خارج الإطار الحكومي، بينما تطورت قوات الدعم السريع، التي أسسها النظام السابق، إلى شركات كبرى تعمل في التعدين والطرق، لتسيطر شركات الجيش و”الدعم السريع” معاً على أكثر من 82% من موارد الدولة خارج خزينة الحكومة.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا