آخر الأخبار

من بغداد إلى هافانا.. عقيدة الحصار الأمريكية وسلاح التجويع العابر للقارات

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

رغم استحواذ الحرب -التي بادرت بها بلاده إلى جانب إسرائيل ضد إيران- على تصريحاته بشكل شبه يومي، لم تتوقف تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لكوبا، التي ترزح تحت حصار أمريكي خانق، ترك آثاره على جميع مناحي الحياة وخلّف أزمة إنسانية حادة، سعيا لإسقاط الحكومة الكوبية.

وتمرّ كوبا -وفق مراقبين- في مسار سبق أن انتهجته الولايات المتحدة في دول عدّة من بينها العراق الذي واجه حصارا امتد 13 عاما، حُرم خلالها العراقيون من إمدادات الغذاء والدواء، وانتهى بغزو البلاد في عام 2003، متسببا في وفاة مليون ونصف مليون عراقي، بحسب بعض التقديرات.

وانقطعت إمدادات النفط عن كوبا مع نهاية يناير/كانون الثاني الماضي بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، وتهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط الخام إلى كوبا، وقد نجح هذا التهديد في ترهيب دول كالمكسيك، التي توقفت عن إرسال شحنات النفط، بعدما كانت تزوّد الجزيرة بـ44% من احتياجاتها النفطية.

وتسعى الولايات المتحدة -منذ الثورة الكوبية الاشتراكية عام 1961- إلى تغيير النظام في هافانا، عبر سلسلة من الإجراءات التقييدية والعقوبات، غير أن النظام يجد نفسه مؤخرا محاصرا وحيدا، لاسيما بعد اعتقال نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا التي كانت تزود كوبا بثلث حاجتها من النفط.

وتُلقي واشنطن باللوم في الوضع الاقتصادي الذي تواجهه الجزيرة على الحكومة الكوبية، مدعية أنها تحتكر موارد البلاد، في حين يطالبها الرئيس الأمريكي بالمبادرة إلى التوصل لاتفاق مع بلاده.

ترمب: كوبا التالية بعد إيران

وبينما فتحت إدارته مفاوضات مع القيادة الكوبية في الأسابيع الأخيرة، ألمح الرئيس الأمريكي -قبل نحو أسبوع- إلى إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية.

وقال خلال كلمة له في منتدى استثماري "لقد بنيت هذا الجيش العظيم، وقلت لن تضطروا أبدا إلى استخدامه، ولكن في بعض الأحيان يجب عليكم استخدامه. وكوبا هي التالية بالمناسبة".

إعلان

في حين نقل موقع "بوليتيكو" الأمريكي نهاية الشهر الماضي عن مصادر مطلعة قولها إن البيت الأبيض خفّض مستوى أولوية ملف كوبا في خضم الحرب مع إيران، لكنّ الإدارة لا تزال عازمة على تغيير النظام السياسي والاقتصادي الكوبي.

كوبا.. على حافة أزمة إنسانية

ويواجه 11 مليون كوبي معاناة متفاقمة إثر انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتعطُّل المدارس والمستشفيات، وتوقُّف النقل والحركة التجارية وسلاسل الإمدادات الغذائية، مما ينذر بخطر حدوث المجاعة.

وفي 22 مارس/آذار الماضي، انهارت شبكة الكهرباء في كوبا للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، فيما تقول السلطات الكوبية إن العقوبات الأمريكية تعيق عمليات إصلاح بنيتها التحتية الكهربائية المتهالكة.

ووفق تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز واستند إلى تحليل بيانات الملاحة وصور الأقمار الصناعية في فبراير/شباط الماضي، باتت الجزيرة تعيش على حافة أزمة إنسانية خانقة مع نفاد مخزونات الوقود.

وأظهرت بيانات تتبُّع السفن استيلاء الجيش الأمريكي على سفن داعمة لكوبا، في حين تجوب أخرى البحر بحثا عن وقود دون جدوى.

وأشار التقرير إلى تراكم القمامة في الشوارع، وارتفاع أسعار الغذاء، وتوقف المستشفيات عن إجراء العمليات الجراحية بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وتوقف مضخات المياه، بسبب نقص الديزل.

أما في السياحة التي تعد مصدرا حيويا للدخل بالنسبة لكوبا، فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز لآراء فنادق وشركات سياحة وطيران وعاملين في قطاع السياحة في كوبا، أن كافة الأنشطة تقريبا تعطلت فجأة بسبب نقص الوقود، وقد يكون ذلك بمثابة ناقوس منذر بموت لقطاع متعثر بالفعل لكنه يشكل أهمية لما تبقّى من اقتصاد كوبا المدمر.

وحققت السياحة لكوبا 1.3 مليار دولار من النقد الأجنبي في عام 2024، وهي آخر مرة يعلن فيها عن هذه الإحصاءات بالدولار، ويمثل هذا المبلغ قرابة 10% من عائدات التصدير.

ولم تجذب كوبا إلا 1.8 مليون زائر في عام 2025 بعد أن كانوا 2.2 مليون في العام الذي سبقه، لتصل الأعداد بذلك إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقدين.

هل الحصار الأمريكي لكوبا قانوني؟

على مدى 33 عاما خلت، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية لصالح رفع الحصار الاقتصادي الأمريكي عن كوبا باعتباره غير قانوني، وكان آخر تصويت في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ اعتُمد قرار يطالب بإنهاء الحصار بأغلبية 165 صوتا من أصل 193 دولة عضوا في الأمم المتحدة.

كيف تواجه كوبا الحصار؟

وسبق للمسؤولين الكوبيين أن أعلنوا اتخاذ خطط شاملة وواسعة النطاق لترشيد استهلاك الطاقة، تُعطي الأولوية للوقود والكهرباء في الخدمات الأساسية والمنقذة للحياة، عبر تعزيز استخدام الطاقة الشمسية وإجراءات أخرى، غير أن الأزمة تبدو أكبر من قدرة الحكومة على التكيّف.

ونهاية الشهر الماضي، وصلت ناقلة نفط روسية إلى ميناء كوبي لتسليم أول شحنة نفط خام إلى الجزيرة منذ 2 يناير/كانون الثاني، لكنّ هذه الكمية التي سمحت واشنطن بدخولها قد لا تكفي لمعالجة أزمة الطاقة الناجمة عن الحصار النفطي الأمريكي منذ مطلع العام.

ويُجنّب قرار ترمب السماح لروسيا بتسليم النفط إلى كوبا واشنطن مواجهة مع موسكو، ويُوفّر ارتياحا مؤقتا في هافانا، لكن محللين يرون أن الشحنة لن تمنح كوبا أكثر من انفراجة لبضعة أسابيع فقط.

مبادرات كوبية

والجمعة بدأت كوبا في الإفراج عن سجناء بموجب عفو أعلنته عن أكثر من ألفي سجين، ضمن أكبر عفو منذ 10 سنوات، في وقت قالت فيه الولايات المتحدة إنها تراقب الخطوة عن كثب، لترى ما إن كانت ستشمل معتقلين سياسيين.

إعلان

ومسألة المعتقلين السياسيين من النقاط الشائكة في المفاوضات بين واشنطن وهافانا، وإطلاق سراحهم كلهم أو أغلبهم سيعتبر ⁠تنازلا كبيرا من كوبا في محادثات جارية بين البلدين.

هل يشبه حصار العراق؟

أدى الحصار الأمريكي على العراق بين عامي (1990-2003) إلى نتائج مخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية، وتعمقت مظاهر التردي والترهل إلى الحد الذي أفقد المجتمع العراقي سمات المجتمع المتحضر المتماسك الذي كان عليه قبل غزو الكويت.

وكان النفط العراقي يمثل 60% من إجمالي الناتج المحلي و95% من إيرادات النقد الأجنبي، حيث كان اقتصاد البلاد يعتمد اعتماداً كبيراً على القطاع الخارجي ويتأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية.

ووفقا لأرقام مؤسسات دولية رسمية، فقد عاش العراق في فترة ما قبل الحصار سنوات من الازدهار في شتى مجالات الحياة.

ويرى مراقبون أن كوبا باتت تمثل نموذجا آخر شبيها بالعراق، من حيث السياسة الأمريكية ذاتها الساعية إلى الإخضاع بالحصار وقطع أسباب الحياة عن المدنيين، وصولا إلى استخدام القوة في سبيل إذعان الأنظمة المستهدَفة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا