شهدت الأشهر الأخيرة تحول رياضة التنس إلى اختبار قسري للتحمل البدني، حيث طالت الإصابات أسماء رنانة مثل كارلوس ألكاراز (المعصم)، نوفاك ديوكوفيتش (الكتف)، وجاك دريبر (الركبة). ورغم التطور الهائل في علوم الرياضة، إلا أن معدلات الإصابة في تصاعد مستمر، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل اللعبة.
يرتدي كارلوس ألكاراز جبيرة على معصمه الأيمن، ويُشكّ في مشاركته في الدفاع عن لقبه في بطولة رولان غاروس الشهر المقبل.
وتواجه أماندا أنيسيموفا، التي وصلت إلى نهائي إحدى البطولات الأربع الكبرى مرتين العام الماضي، المشكلة نفسها.
كما لم يلعب نوفاك ديوكوفيتش منذ أكثر من شهر بسبب إصابة في كتفه، بينما توقفت عودة جاك دريبر التي طال انتظارها بعد غياب دام ستة أشهر بسبب كدمة في عظم ذراعه اليسرى، فجأة الأسبوع الماضي بسبب التهاب في وتر ركبته اليمنى.
تعد الإصابات جزءا لا مفر منه من الرياضة، فالفارق بين الأداء الأمثل والإجهاد المفرط ضئيل للغاية لدرجة أن الأخطاء لا مفر منها. لكن معدل الإصابات على أعلى المستويات يتزايد باطراد، على الرغم من كل التطورات في علوم الرياضة.
تشير دراسة من جامعة برشلونة (عام 2024) إلى حقائق مقلقة تبرهن على حجم الضغط البدني:
يصف دومينيك كينغ (مركز هالتون للتنس) الوضع بأنه "مسرح جريمة" تتداخل فيه عوامل كثيرة. ويحدد الخبير هوارد غرين أربعة "جناة" رئيسيين يعملون كعصابة منظمة:
1- التحميل الميكانيكي المتفجر: أصبحت اللعبة أكثر ديناميكية، حيث يواجه اللاعب مئات الحركات عالية الكثافة (تسارعات وكبح مفاجئ).
ويرى غرين أن اللاعبين أصبحوا "رياضيين خارقين" يولدون قوة هائلة، لكن أجسامهم تضطر لامتصاص هذه القوة، تماما كما يحدث في رياضة "الرغبي" العنيفة.
2- فخ الجدول الزمني والمباريات الليلية: يؤدي تكثيف البطولات الإلزامية (مثل فئات 1000 و500) إلى استنزاف اللاعبين. كما أن ارتفاع نسبة المباريات الليلية (20% من مباريات الغراند سلام) يضرب جودة الاستشفاء والنوم، مما يسبب "إصابات التنسيق"؛ فعندما يتعب الجهاز العصبي، تفشل العضلات في حماية المفاصل أثناء الضربات القوية.
3- التكنولوجيا والمعدات: يشير الدكتور مارك كوفاكس (خبير يعمل مع ديوكوفيتش) إلى أن تطور "أوتار المضارب" سمح بأساليب لعب غير تقليدية تضع ضغطا غير مسبوق على الجزء العلوي من الذراع والكتف، بعيدا عن ميكانيكا الجسم التقليدية.
4- الارتفاعات المفاجئة في الحمل والضغط البيئي: الانتقال السريع بين أسطح الملاعب (من تراب إلى عشب) يتطلب تكيفا بنيويا لا يمنحه الجدول الزمني الوقت الكافي. كما أن الضغط الذهني والسفر الدقيق يزيدان من سرعة تراكم الحمل البدني فوق قدرة الجسم على التكيف.
يؤكد غايل مونفيس (39 عاما) أن الجولة أصبحت "متطلبة بدنيا بشكل وحشي"، حيث يرسل الجميع بقوة هائلة حتى في المستويات الدنيا (فيوتشرز وتشارلنجر).
أما ماتيو بيريتيني فيسلط الضوء على خطورة الضغط البدني في سن المراهقة، حيث يُطلب من ناشئين (أجسادهم لا تزال في طور النمو) أداء تمارين وحمل بدني يفوق قدرة عضلاتهم غير المكتملة.
يمثل هوارد غرين فريق القوة الذي يرى أن الحل يكمن في "تمارين القوة عالية الكثافة" والأوزان الثقيلة لتهيئة الجسم للصدمات، بدلا من التمارين البسيطة.
في المقابل يحذر كوفاكس من المبالغة في تقليل التدريب، لأن ذلك يجعل اللاعب "هشا" وغير مستعد لبيئة المنافسة الحقيقية التي لا ترحم.
رياضة التنس الحديثة لم تعد مجرد صراع فني، بل هي سباق تسلح بدني. وكما يقول كينغ، التحدي الأكبر الآن هو كيف يحقق اللاعب مسيرة رائعة دون أن ينتهي به المطاف عاجزا عن الحركة في سن الأربعين.
المصدر:
الجزيرة