تتزايد المؤشرات الميدانية والسياسية داخل الأوساط الإسرائيلية نحو إمكانية استئناف العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة، حيث لم تعد التهديدات مجرد تصعيد إعلامي بل باتت تعكس رغبة في إعادة ترتيب الأولويات الأمنية. وتأتي هذه التحركات في ظل تداخل معقد بين جبهات المواجهة في غزة ولبنان وإيران، مما يجعل قرار العودة للقتال جزءاً من معادلة إقليمية متعددة المستويات.
ونقلت مصادر عن مسؤولين في هيئة الأركان الإسرائيلية أن جولة جديدة من المواجهة باتت في حكم الحتمية، رغم التحذيرات من الكلفة البشرية والمادية العالية. وتواجه المؤسسة العسكرية تساؤلات صعبة حول جدوى الحسم في بيئة قتالية مدمرة ومكتظة، مما يثير جدلاً داخلياً واسعاً حول الأهداف النهائية لأي تصعيد قادم.
في المقابل، تبرز مسألة نزع سلاح المقاومة كعقبة رئيسية في طريق أي تفاهمات مستقبلية، حيث تصر تل أبيب على هذا الشرط كمدخل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وترى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن تجريد القطاع من السلاح هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما ترفضه القوى الفلسطينية جملة وتفصيلاً.
من جهتها، أكدت حركة حماس أن سلاحها شرعي ومرتبط بوجود الاحتلال على الأرض الفلسطينية، مشددة على أنه ليس ورقة للمساومة في المفاوضات الجارية. وأوضحت الحركة أن الإصرار الإسرائيلي على ربط التهدئة بنزع السلاح يعرقل المسارات السياسية ويتناقض مع المبادرات الدولية الرامية لإنهاء الحرب بشكل مستدام.
وأشارت الحركة إلى أنها أوفت بالتزامات المرحلة الأولى من الاتفاق، بما في ذلك ملف الأسرى، في حين تماطل إسرائيل في إدخال المساعدات الإنسانية الكافية. وتعتبر حماس أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تندرج ضمن إطار سياسي شامل يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع وبدء عملية إعادة إعمار حقيقية.
ويرى مراقبون أن حصر النقاش في الجوانب الأمنية فقط يفرغ التفاهمات من مضمونها ويقوض فرص الاستقرار الدائم في المنطقة. فالمطالب الفلسطينية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار لتصل إلى انتزاع الحقوق الوطنية وكسر الحصار المفروض على القطاع منذ سنوات طويلة، وهو ما ترفض إسرائيل الإقرار به حتى الآن.
وفي سياق متصل، اعتبر المحلل السياسي أحمد الحيلة أن العودة للحرب تبدو مسألة معقدة للغاية، خاصة مع تعثر جيش الاحتلال في تحقيق أهدافه العسكرية على الجبهة الشمالية في جنوب لبنان. وأضاف أن الفشل في حسم المعارك هناك يلقي بظلاله على قدرة القيادة الإسرائيلية على اتخاذ قرار بفتح جبهة غزة مجدداً بشكل واسع.
كما لفت الحيلة إلى أن تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران يضيف مزيداً من الزخم لطبول الحرب، حيث تتقاطع المصالح الإسرائيلية مع التوجهات الأمريكية التصعيدية تجاه إيران. ويرى أن أي انفجار عسكري جديد سيؤدي حتماً إلى انهيار المبادرات السياسية القائمة، بما في ذلك المشاريع التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية.
وتشير التقديرات إلى أن التسريبات الأمنية حول استئناف القتال تُستخدم أحياناً كأداة ضغط سياسي في مفاوضات القاهرة، لإجبار الطرف الفلسطيني على تقديم تنازلات جوهرية. وتوظف إسرائيل خطاب القوة لمحاولة تحسين شروطها التفاوضية في ظل توازنات إقليمية قلقة ومفتوحة على كافة الاحتمالات الميدانية.
على المستوى السياسي، يظل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المحرك الأساسي لهذا التصعيد، حيث يرى في استمرار حالة الحرب وسيلة لضمان بقائه في سدة الحكم. ويواجه نتنياهو ضغوطاً من اليمين المتطرف لمواصلة العمليات العسكرية حتى 'النصر المطلق'، وهو شعار يراه الكثير من الخبراء العسكريين غير واقعي في ظل الظروف الراهنة.
وتعتمد إسرائيل حالياً نمطاً مختلفاً في إدارة الصراع يعتمد على الاغتيالات المحددة والقصف الجوي المركز، مع العمل على توسيع المناطق العازلة داخل قطاع غزة. ويهدف هذا التكتيك إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً دون الانزلاق الكامل إلى حرب استنزاف برية طويلة الأمد قد لا يتحملها المجتمع الإسرائيلي.
ميدانياً، قام الجيش الإسرائيلي بتحريك ما يعرف بـ'الخط الأصفر' إلى عمق أكبر داخل القطاع، مما مكنه من السيطرة على مساحات واسعة وعزل مناطق عن بعضها البعض. وتعتبر هذه الخطوات جزءاً من استراتيجية فرض الأمر الواقع وتغيير جغرافيا القطاع لضمان سيطرة أمنية طويلة الأمد تتجاوز فكرة العمليات العسكرية المؤقتة.
ويبقى المشهد في غزة محكوماً بتداخل الحسابات العسكرية والسياسية، حيث يغيب المسار الواضح الذي قد يفضي إلى تسوية مستقرة تنهي معاناة السكان. وفي ظل هذا الجمود، تظل الاحتمالات مفتوحة على جولات قتالية جديدة قد تكون أكثر ضراوة من سابقاتها، خاصة مع إصرار كل طرف على مواقفه المبدئية.
ختاماً، يظل الواقع الإنساني المتدهور في غزة هو الضحية الأولى لهذا التجاذب السياسي والعسكري، حيث يدفع المدنيون كلفة التهديدات المتكررة بالعدوان. ومع استمرار الحصار وتعثر إعادة الإعمار، يظل القطاع برميلاً من البارود ينتظر شرارة الانفجار القادم في ظل غياب أفق سياسي حقيقي ينهي الاحتلال.
المصدر:
القدس