كشفت مصادر رسمية في العاصمة السورية دمشق عن توجه جدي لدراسة الانضمام إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، وهو التحالف الذي يجمع حالياً كلاً من تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان. وأكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني أن هذا الخيار مطروح على طاولة البحث الاستراتيجي، مشيراً إلى أن بلاده لم تتخذ بعد قراراً نهائياً، لكنها تزن الإيجابيات والتحديات المرتبطة بهذه الخطوة.
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في وقت حساس تعاني فيه سوريا من ضغوط أمنية متزايدة واعتداءات إسرائيلية متكررة على أراضيها. ويرى مراقبون أن طرح هذا الخيار علناً يعكس رغبة دمشق في البحث عن مظلة أمنية إقليمية توفر لها نوعاً من الردع العسكري والسياسي في مواجهة التهديدات الخارجية، خاصة مع تصاعد التنافس الإقليمي حول مستقبل الترتيبات الأمنية في البلاد.
أفادت مصادر مطلعة بأن توقيت الإعلان السوري يرتبط بشكل وثيق بالتطورات الميدانية الأخيرة وتكثيف القصف الإسرائيلي الذي استهدف مواقع حيوية. ويبدو أن دمشق تسعى من خلال هذه المناورة إلى إرسال رسائل واضحة لخصومها بأنها تمتلك خيارات استراتيجية للتحالف مع قوى إقليمية كبرى تمتلك ثقلاً عسكرياً ونووياً واقتصادياً لا يستهان به.
على الصعيد العسكري، يمثل الانضمام المحتمل فرصة لسوريا للحصول على دعم دفاعي متطور وأسلحة ثقيلة تفتقر إليها في الوقت الراهن نتيجة العقوبات والعزلة الدولية. وبما أن معظم الدول الغربية تمتنع عن تقديم الدعم العسكري لدمشق، فإن التحالف مع تركيا وباكستان قد يفتح آفاقاً جديدة لتحديث المنظومات الدفاعية السورية وإعادة بناء المؤسسة العسكرية.
في المقابل، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية المؤسسات العسكرية السورية للانخراط في تحالف بهذا الحجم والتعقيد. فالجيش السوري لا يزال في مرحلة التعافي وإعادة الهيكلة بعد حرب استنزاف دامت نحو أربعة عشر عاماً، مما يجعل قدرته على الوفاء بالتزامات دفاعية متبادلة مع دول كبرى محل نقاش بين المحللين العسكريين.
يشير محللون سياسيون إلى أن التحالف الذي تقوده الترويكا (الرياض وأنقرة وإسلام آباد) يستند إلى قدرات دفاعية متكاملة وفريدة في المنطقة. فتركيا تمثل قاعدة متقدمة في الصناعات الدفاعية والمسيرات، بينما تشكل باكستان العمق النووي للتحالف، في حين توفر السعودية الغطاء المالي والسياسي الأكبر، وهو ما يجعل انضمام سوريا إضافة جيوسياسية معقدة.
من الناحية التركية، أفادت مصادر بأن أنقرة قد تنظر بإيجابية لانضمام دمشق، حيث سيعزز ذلك من نفوذها في الملف السوري ويجعل التنسيق الأمني الميداني أكثر فاعلية. هذا التقارب الدفاعي قد يسهم في حلحلة العديد من الملفات العالقة بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بأمن الحدود والعمليات العسكرية المشتركة ضد التنظيمات المسلحة.
على الجانب الآخر، تبدي إسرائيل قلقاً واضحاً من هذا التوجه، حيث ترى في تقوية الدولة السورية عسكرياً تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وتخشى الدوائر الأمنية في تل أبيب من أن يوفر هذا الاتفاق غطاءً شرعياً لامتلاك دمشق أسلحة كاسرة للتوازن، مما قد يحد من حرية الحركة الجوية الإسرائيلية في الأجواء السورية مستقبلاً.
يرى خبراء أن الخطوة السورية قد تُفسر كنوع من الاصطفاف الإقليمي الجديد الذي قد يؤدي إلى تصعيد مع أطراف أخرى، لا سيما إيران. فدخول دمشق في حلف يضم قوى سنية كبرى قد يغير من طبيعة التوازنات القائمة وعلاقة سوريا بحلفائها التقليديين، مما يضع صانع القرار السوري أمام موازنة دقيقة بين المكاسب الدفاعية والتبعات السياسية.
هناك وجهة نظر أخرى تستبعد انضمام سوريا في المدى القريب، معتبرة أن التصريحات الرسمية هي مجرد «جس نبض» للمجتمع الدولي والإقليمي. وتؤكد هذه الرؤية أن الأولوية القصوى لدمشق حالياً هي ترسيخ الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار، قبل الدخول في التزامات عسكرية قد تجر البلاد إلى صراعات إقليمية أوسع نطاقاً.
تتجه الأنظار الآن نحو العواصم الثلاث (الرياض وأنقرة وإسلام آباد) لمعرفة مدى ترحيبها بطلب دمشق المحتمل، خاصة في ظل التعقيدات المرتبطة بالعلاقات الدولية. فقبول عضوية سوريا يتطلب توافقاً استراتيجياً حول دور دمشق المستقبلي في المنطقة، ومدى قدرتها على أن تكون شريكاً أمنياً موثوقاً في ظل الظروف الراهنة.
أشارت مصادر إعلامية إلى أن إسرائيل قد تلجأ لتكثيف ضرباتها الاستباقية لمنع أي تحول نوعي في القدرات الدفاعية السورية قبل نضوج الاتفاق. هذا التصعيد المحتمل يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، حيث قد تتحول الساحة السورية إلى ميدان لتبادل الرسائل الخشنة بين القوى الإقليمية المنضوية في التحالف وخصومها.
في سياق متصل، يرى مراقبون أن توسع «اتفاق مكة» ليشمل دولاً أخرى مثل مصر والأردن قد يكون وارداً في المستقبل، لكنه يصطدم حالياً بحالة التريث التي تفرضها التطورات في غزة ولبنان. فالحكومات العربية تراقب بحذر سلوك حكومة نتنياهو، وتفضل عدم اتخاذ خطوات استراتيجية قد تُفهم كإعلان مواجهة شاملة في الوقت الحالي.
يبقى قرار انضمام سوريا رهناً بالتوافقات الكبرى والضمانات التي يمكن أن يقدمها التحالف لدمشق، والعكس صحيح. إنها مرحلة انتقالية بامتياز، تسعى فيها سوريا لاستعادة دورها الإقليمي من بوابة الدفاع والأمن، مستغلة التغيرات المتسارعة في موازين القوى العالمية والإقليمية التي أفرزتها الأزمات الأخيرة.
المصدر:
القدس