لم تكن رحلة الحج لأهالي مدينة القدس في العهد العثماني مجرد قرار شخصي يعتمد على القدرة المالية، بل كانت عملية إدارية وتاريخية منظمة تبدأ من أروقة المحاكم الشرعية. فقد كان لزاماً على كل من ينوي التوجه نحو الديار الحجازية المثول أمام القاضي الشرعي للحصول على إذن رسمي يتيح له مغادرة المدينة المقدسة.
ويوضح الباحث والمؤرخ إيهاب الجلاد أن هذه الرحلة كانت تخضع لرقابة صارمة وتدقيق دقيق من قبل السلطات المحلية في ذلك الوقت. حيث كان القاضي يتولى مراجعة طلبات المتقدمين والتحقق من ظروفهم الشخصية ومدى أحقيتهم في الانضمام إلى القافلة السنوية المتوجهة نحو مكة المكرمة.
وتشير السجلات التاريخية إلى أن أعداد الحجاج المقدسيين كانت محدودة للغاية، حيث لم يتجاوز عدد المسجلين سنوياً حاجز الخمسين شخصاً في أفضل الحالات. ويعود هذا التواضع في الأرقام إلى حجم التحديات والمخاطر الأمنية والظروف الطبيعية القاسية التي كانت تواجه المسافرين عبر الصحاري لأسابيع متواصلة.
ومن المثير للاهتمام أن القاضي كان يُلزم بعض المتقدمين بأداء قسم شرعي مؤكد يثبت أنهم لم يؤدوا فريضة الحج في سنوات سابقة. وكان الهدف من هذا الإجراء هو ضمان توزيع عادل للفرص المتاحة، نظراً للمحدودية اللوجستية والقدرة الاستيعابية للقوافل المؤمنة عسكرياً.
أما عن مسار الرحلة، فقد كان الحجاج المقدسيون يشقون طريقهم أولاً نحو الشمال باتجاه مدينة دمشق للانضواء تحت لواء قافلة 'الحج الشامي' الكبرى. وتعتبر هذه القافلة من أضخم التجمعات في العالم الإسلامي آنذاك، حيث كانت تضم عشرات الآلاف من الحجاج تحت قيادة 'أمير الحج' وبحماية جنود عثمانيين.
ويرى المؤرخون أن نجاح الدولة العثمانية في تأمين وصول وعودة الحجاج كان يمثل إنجازاً سياسياً وعسكرياً يبرهن على قوة الإدارة المركزية. وقد ارتبطت هذه الفريضة برمزية اجتماعية كبرى، تجلت في شخصيات مثل الوزير الحاج سليمان باشا الذي ترك بصمة معمارية في ترميم المصلى القبلي بالمسجد الأقصى.
وفي سياق متصل بموسم الحج الحالي، أعلنت مصادر رسمية في المحكمة العليا السعودية أن يوم الاثنين الموافق 18 مايو هو غرة شهر ذي الحجة. وبناءً على هذا الإعلان، سيكون الوقوف بصعيد عرفات يوم الثلاثاء 26 مايو، على أن يحل أول أيام عيد الأضحى المبارك يوم الأربعاء 27 مايو الجاري.
المصدر:
القدس