تصاعدت حدة السجال السياسي في العاصمة المصرية القاهرة، عقب الكشف الرسمي عن وجود وحدات من القوات الجوية المصرية متمركزة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وجاء هذا الإعلان خلال زيارة تفقدية قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي رفقة نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد لمفرزة المقاتلات المصرية، بهدف الاطلاع على جاهزيتها القتالية وتعزيز القدرات العملياتية المشتركة.
وأثار هذا الإعلان ردود فعل غاضبة من قوى المعارضة، حيث أعلنت 'الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية'، التي تضم ائتلافاً من الأحزاب القومية واليسارية، رفضها القاطع لهذا التواجد العسكري. وأعربت الجبهة في بيان رسمي عن انزعاجها مما وصفته بـ 'التكتم' على وجود هذه القوات، محذرة من مغبة توريط الجيش المصري في نزاعات إقليمية لا تخدم المصالح الاستراتيجية العليا للبلاد.
وشددت القوى المعارضة على أن إرسال قوات عسكرية إلى الخارج يمثل خرقاً صريحاً للمادة 152 من الدستور المصري، والتي تمنع إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. واعتبرت الأحزاب أن تجاوز هذه الإجراءات يمثل عصفاً بالضمانات الدستورية التي تحمي الجيش من الانفراد بالقرارات المصيرية.
من جانبه، حذر حزب 'التحالف الشعبي الاشتراكي' من أن أي انخراط للجيش في مهام قتالية خارجية يتطلب توافقاً وطنياً شاملاً، وهو ما يغيب في الحالة الراهنة. وأشار المستشار السياسي للحزب إلى أن الضوابط القانونية وضعت خصيصاً لمنع استنزاف مقدرات القوات المسلحة في صراعات قد تضر بالأمن القومي المصري على المدى البعيد.
وفي سياق متصل، وجه مكتب شباب حزب الكرامة الناصري انتقادات لاذعة للتحالفات الإقليمية الحالية، معتبراً أن التنسيق مع أطراف تدعم ميليشيات 'الدعم السريع' في السودان يمثل تهديداً مباشراً للحدود الجنوبية. وأكد الحزب أن من يمول الفوضى في دول الجوار أو يضغط في ملف سد النهضة لا يمكن اعتباره حليفاً يستحق إرسال الجنود المصريين للدفاع عنه.
كما لفتت القوى السياسية إلى أن التواجد العسكري المصري في الخليج قد ينهي دور القاهرة كوسيط محايد في الأزمات الإقليمية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين إيران وقوى دولية. وأوضحت المصادر أن هذا التمركز قد يجعل المصالح المصرية، بما في ذلك قناة السويس ومضيق باب المندب، عرضة لتهديدات مباشرة نتيجة الانحياز لطرف دون آخر.
حزب 'الدستور' الليبرالي دخل بدوره على خط الأزمة، معرباً عن قلقه العميق إزاء غياب الشفافية حول طبيعة وأهداف تواجد هذه القوات. وطالب الحزب الجهات الرسمية بالإفصاح الفوري عن حقيقة المهام الموكلة للمفرزة الجوية، مؤكداً على حق المواطنين في المعرفة والاطلاع على القرارات التي تمس أرواح أبناء القوات المسلحة.
ودعا الحزب مجلس النواب المصري إلى تفعيل دوره الرقابي والتحقق من قانونية هذا الإجراء العسكري، مشدداً على أن الحفاظ على أرواح الجنود يجب أن يظل الأولوية القصوى للدولة. واعتبر أن الانزلاق في محاور عسكرية قد يؤدي إلى خسائر فادحة لا تحمد عقباها في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة التي تمر بها المنطقة.
وأشارت تقارير حزبية إلى أن الموقف الشعبي المصري يميل إلى رفض المشاركة في أي حروب بالوكالة، خاصة تلك التي قد تخدم أجندات خارجية. وذكرت الجبهة الشعبية أن المصريين يدركون خطورة إضعاف الدول المركزية في المنطقة، وأن أي استهداف لدول إقليمية كبرى قد يتبعه استهداف مباشر لمصر ودول عربية أخرى وفق المخططات المعلنة.
وانتقدت الأحزاب ما وصفته بـ 'عدم التوازن' في السياسة الخارجية المصرية تجاه الأزمات الراهنة، معتبرة أن التواجد العسكري في الإمارات ينسف أي أساس للحياد. وأكدت أن حماية الأمن القومي تبدأ من تأمين الجبهة الداخلية وحماية الحقوق المائية والحدود المباشرة، بدلاً من التوسع في تمركزات عسكرية خارجية تثير الجدل الدستوري.
وفي ظل صمت الجهات الرسمية عن الرد على هذه الانتقادات الدستورية، تزايدت التساؤلات حول ما إذا كان هناك تواجد عسكري مماثل في دول خليجية أخرى لم يتم الإعلان عنه بعد. وتطالب القوى السياسية بفتح نقاش وطني موسع تحت قبة البرلمان لتوضيح استراتيجية الانتشار العسكري المصري في الخارج ومدى توافقها مع الالتزامات الدستورية.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تضع العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان على المحك، خاصة في ظل المطالبات المتكررة باحترام نصوص الدستور. وتعتبر المعارضة أن التفويضات العسكرية يجب أن تكون محددة المدة والهدف، ولا يجوز أن تتحول إلى تمركزات دائمة دون غطاء تشريعي وقانوني واضح يضمن حماية السيادة الوطنية.
كما حذرت الأحزاب من أن العبث بمقدرات المنطقة لصالح مشاريع دولية قد يؤدي إلى خنق النفوذ المصري في البحر الأحمر، وهو ما يمثل تهديداً استراتيجياً لا يمكن التغاضي عنه. وشددت على ضرورة مراجعة كافة التحالفات التي قد تؤثر سلباً على المصالح الاقتصادية المرتبطة بالممرات الملاحية الدولية التي تديرها مصر.
ختاماً، يبقى ملف القوات المصرية في الخارج أحد أكثر الملفات حساسية في الشارع المصري، حيث تتداخل فيه المشاعر الوطنية بالضوابط القانونية. وتنتظر القوى السياسية رداً رسمياً يوضح طبيعة الاتفاقيات العسكرية الموقعة مع الجانب الإماراتي، ومدى خضوعها للرقابة البرلمانية المقررة دستورياً لضمان عدم الانفراد بقرارات الحرب والسلم.
المصدر:
القدس