حذر مايكل لينك، مقرر الأمم المتحدة السابق المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من مخططات إسرائيلية تهدف إلى محو الوجود الفلسطيني بكافة مكوناته، مشدداً على أن المجتمع المسيحي الفلسطيني يواجه تهديدات متزايدة تهدف إلى دفعه للرحيل القسري. وأوضح لينك أن تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين ضد رجال الدين والمنشآت الكنسية يأتي في سياق سياسة ممنهجة لتغيير هوية الأرض.
وأكد المسؤول الأممي السابق أن استهداف المسيحيين في القدس وبقية الأراضي المحتلة يرتبط في جوهره بكونهم فلسطينيين يرفضون التخلي عن أرضهم، وليس فقط بسبب انتمائهم الديني. وأشار إلى أن هذه الهجمات تندرج ضمن إطار أوسع من الانتهاكات التي تستهدف حرمان الشعب الفلسطيني بأكمله من حقه المشروع في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وفيما يخص حادثة الاعتداء الأخيرة على راهبة فرنسية في القدس الشرقية، كشف لينك أن السلطات الإسرائيلية لم تشرع في التحقيق الجدي إلا بعد ممارسة ضغوط دولية مكثفة. واعتبر أن هذا التباطؤ يعكس حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها المستوطنون، حيث نادراً ما تخضع الانتهاكات اليومية ضد الفلسطينيين لمساءلة قانونية حقيقية.
ولفت لينك إلى أن مدينة القدس شهدت هذا العام سابقة خطيرة تمثلت في منع إقامة قداس 'أحد الشعانين' في كنيسة القيامة، وهو إجراء لم يحدث منذ قرون طويلة. واعتبر أن هذه التقييدات، التي شملت أيضاً إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة لمدة 40 يوماً بذريعة التوترات العسكرية، تهدف إلى تقويض حرية العبادة وفرض واقع سياسي جديد.
وشدد المقرر السابق على أن المساعي الإسرائيلية لتعميق الاحتلال تأتي في ظل غياب المساءلة الدولية، وهو ما شجع الحكومة اليمينية على تصعيد إجراءاتها القمعية. وأوضح أن هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعمليات التهجير التي بدأت عام 1948 حين طُرد مئات آلاف الفلسطينيين من ديارهم دون السماح لهم بالعودة.
وذكر لينك أن إسرائيل، رغم انضمامها للأمم المتحدة في أواخر الأربعينيات، لا تزال تضرب بعرض الحائط كافة القرارات الدولية المتعلقة بحق العودة وحماية المدنيين تحت الاحتلال. وأضاف أن فرض ظروف معيشية قاسية وحصار القرى والبلدات هي أدوات تستخدمها سلطات الاحتلال لدفع المسيحيين والمسلمين على حد سواء نحو الهجرة الطوعية.
ووصف لينك المجتمعات المسيحية الفلسطينية بأنها من أقدم التجمعات المسيحية في العالم، وهي جزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والاجتماعي للشعب الفلسطيني. وأكد أن أي محاولة لإضعاف هذا المكون هي استهداف مباشر للتاريخ الفلسطيني العريق ومحاولة لتمزيق الهوية الوطنية الجامعة التي توحد الفلسطينيين بمختلف معتقداتهم.
وانتقد لينك الدعم الذي تتلقاه إسرائيل من بعض الجماعات المسيحية الصهيونية في أوروبا وأمريكا الشمالية، معتبراً أن هذا الدعم يساهم في استمرار الانتهاكات. ودعا إلى ضرورة وجود مساءلة سياسية واقتصادية تجاه هذه المنظمات التي تمول النشاط الاستيطاني وتوفر غطاءً أيديولوجياً لممارسات الاحتلال العنصرية ضد السكان الأصليين.
وأشار إلى أن القانون الدولي الإنساني والجنائي يعتبر بوضوح أن إقامة المستوطنات ونقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة يشكل 'جريمة حرب' لا تسقط بالتقادم. وأكد أن صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الجرائم يمنح الضوء الأخضر للمستوطنين لمواصلة اعتداءاتهم على دور العبادة والممتلكات الفلسطينية دون خوف من الملاحقة.
وفي سياق متصل، أفادت مصادر بأن الشرطة الإسرائيلية كانت قد أعلنت في وقت سابق عن توقيف مستوطن يبلغ من العمر 36 عاماً للاشتباه في اعتدائه على راهبة فرنسية بدوافع عنصرية. ونشرت المصادر صوراً توثق إصابة الراهبة بجروح في الرأس، مما أثار موجة من التنديد الدولي والمطالبات بحماية رجال الدين في المدينة المقدسة.
وأوضحت وزارة العدل الإسرائيلية أنها أحالت الملف إلى القضاء، في خطوة يراها مراقبون محاولة لامتصاص الغضب الدولي المتصاعد. وتعمل الراهبة المعتدى عليها في المدرسة الفرنسية للأبحاث الكتابية والأثرية، وهي مؤسسة عريقة في القدس تعرضت لمضايقات متكررة من قبل جماعات يهودية متطرفة في الآونة الأخيرة.
واعتبر لينك أن ردود الفعل الدولية تجاه ما يتعرض له المسيحيون في فلسطين لا تزال 'محدودة' ولا ترقى لمستوى الجرائم المرتكبة على الأرض. ومع ذلك، أشاد بمواقف البابا واتصالاته المستمرة مع الكهنة في قطاع غزة خلال الحرب، معتبراً أن هذا التواصل يمثل دعماً معنوياً حيوياً للمحاصرين الذين يواجهون آلة الحرب.
وختم لينك تصريحاته بالتأكيد على أن المجتمع المسيحي الفلسطيني يستحق تضامناً عالمياً أوسع، نظراً للدور التاريخي الذي يلعبه في الحفاظ على عروبة القدس ومقدساتها. وحذر من أن استمرار الصمت سيؤدي إلى إفراغ الأرض المقدسة من سكانها الأصليين، مما يهدد السلم والأمن الدوليين ويقضي على أي أمل في تحقيق سلام عادل.
يُذكر أن السنوات الأخيرة سجلت تصاعداً غير مسبوق في الاعتداءات على المقبرة البروتستانتية والكنائس في القدس، بالإضافة إلى البصق على الحجاج ورجال الدين. وتطالب الكنائس المحلية المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوضع حد لهذه الممارسات التي تتم تحت حماية قوات الأمن الإسرائيلية وبتحريض من وزراء في الحكومة الحالية.
المصدر:
القدس