عوني المشني: الهدف المركزي للحرب لم يكن فقط مرتبطاً بسلاح "حماس" أو بقدراتها العسكرية وإنما بخلق ظروف تؤدي إلى التهجير من غزة
سامر عنبتاوي: قضية التهجير لا تزال حاضرة بقوة داخل العقلية السياسية للحكومة الإسرائيلية بهدف تقليص الوجود الفلسطيني في القطاع
داود كُتّاب: أزمة نقص الغذاء والدواء وانتشار الأمراض في القطاع تأتي ضمن سياسة ممنهجة تقوم على تشديد الحصار وإضعاف قدرة السكان على البقاء
سليمان بشارات: استمرار الجرائم بحق سكان القطاع يحمل أبعاداً سياسية ومجتمعية واقتصادية لاستنزاف المجتمع الفلسطيني ليبقى هشاً وقابلاً للتأثير والسيطرة
عدنان الصباح: اتفاق وقف إطلاق النار خديعة سياسية هدفها نقل الفلسطينيين من أهوال الحرب المباشرة إلى مرحلة استنزاف المجتمع داخلياً
لبيب طه: الخروج من الأزمة الراهنة يتطلب توافقاً فلسطينياً حقيقياً يقوم على برنامج وطني جامع مع التعامل بواقعية مع التحولات بعد السابع من أكتوبر
رام الله - خاص بـ"القدس"-
على وقع تواصل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يتعمق مشهد المأساة الإنسانية ويزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، مع استمرار القصف والحصار وتراجع مقومات الحياة الأساسية في مختلف مناطق القطاع، وسط مخاوف من أن ذلك يأتي في سياق الهدف الأساسي للحرب وهو التهجير.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن إسرائيل تسعى من خلال سياساتها الحالية إلى إبقاء غزة في حالة إنهاك دائم، عبر تعميق الأزمات الإنسانية والاقتصادية وفرض واقع يحد من قدرة الفلسطينيين على الصمود والاستقرار، مشيرين إلى أن الحرب لم تعد مرتبطة فقط بالمواجهة العسكرية، بل باتت جزءاً من معادلة سياسية وإقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات الأمن والنفوذ ومستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة.
وفي موازاة ذلك، تتفاقم معاناة المدنيين مع اتساع رقعة الفقر والنزوح ونقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع، كما تتعالى الدعوات إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي أكثر فاعلية لوقف الحرب، وتوحيد الجهود السياسية والإنسانية لإنقاذ غزة من أزمة مفتوحة بلا أفق واضح.
محاولات للدفع نحو التهجير
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة لم تصل بعد، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى تحقيق أهدافها الحقيقية، مشيراً إلى أن استمرار القصف والحصار والتجويع والعمليات العسكرية يرتبط أساساً بمحاولة فرض واقع جديد يقوم على دفع الفلسطينيين نحو التهجير وإخراج حركة حماس من المشهد السياسي والعسكري.
وبحسب المشني، فإن القراءة الإسرائيلية للحرب تقوم على اعتبار أن أهداف العملية العسكرية لم تُنجز بالكامل، موضحاً أن الهدف المركزي للحرب لم يكن فقط مرتبطاً بسلاح حماس أو بقدراتها العسكرية، وإنما بخلق ظروف تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، سواء بشكل كامل أو بالحد الأدنى الممكن الذي يسمح بإحداث تغيير ديمغرافي وسياسي في القطاع.
ويشير المشني إلى أن إسرائيل، رغم إدراكها صعوبة تحقيق تهجير شامل للفلسطينيين، ما زالت تسعى إلى استثمار أدوات الحرب المختلفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من هذا الهدف، عبر مواصلة التضييق على السكان، وتصعيد عمليات القتل والقصف، وتعميق الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع منذ بداية الحرب.
ويوضح المشني أن العامل الثاني الذي يفسر استمرار الحرب يتمثل في سعي إسرائيل إلى إنهاء وجود حركة حماس سياسياً وعسكرياً، مشيراً إلى أن تعثر هذا الهدف وبقاء الحركة حاضرة ومتماسكة، رغم حجم الدمار والحصار، جعل الحرب تدخل في حالة من الاستنزاف المفتوح دون حسم واضح.
ويربط المشني بين ما يجري في غزة والتطورات الإقليمية الأوسع، معتبراً أن الحرب في القطاع لا يمكن فصلها عن الصراع الدائر في المنطقة، سواء في لبنان أو إيران، موضحاً أن هناك قاسماً مشتركاً في السياسات الإسرائيلية يقوم على محاولة إنهاء ما يُعرف بمحور المقاومة عبر قضية "نزع السلاح".
ويشير المشني إلى أن الضغوط الإسرائيلية والأمريكية تتخذ أشكالاً متعددة في الساحات المختلفة، ففي لبنان يبرز ملف سلاح حزب الله، وفي إيران تبرز الضغوط المتعلقة بالقدرات العسكرية والتسليحية، وفي غزة يتكرر مطلب نزع سلاح المقاومة، معتبراً أن هذا الترابط يؤكد أن الحرب على القطاع ليست معزولة عن المشهد الإقليمي العام.
إسرائيل ومأزق عدم تحقيق الأهداف
ويرى المشني أن إسرائيل تواجه مأزقاً حقيقياً في تحقيق أهدافها، لافتاً إلى أن حزب الله في لبنان تمكن من إحداث مفاجآت ميدانية أربكت الحسابات الإسرائيلية، كما أن إيران أظهرت، خلال المواجهات الأخيرة، قدرة على الصمود والمناورة، فيما تمكنت حركة حماس في غزة من الاستمرار لأكثر من عامين رغم الحصار والدمار الواسع وعمليات الإبادة الجماعية.
ويؤكد المشني أن مستقبل غزة مرتبط بشكل مباشر بنتائج الصراع الإقليمي ككل، مشدداً على أن أي تسوية أو حل في القطاع لن يكون منفصلاً عن مآلات المواجهة الأوسع في المنطقة.
غياب الدور العربي الفاعل
وفيما يتعلق بسبل وقف المجازر وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يعتبر المشني أن الأزمة الأساسية تكمن في غياب الدور العربي الفاعل، إلى جانب حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، موضحاً أن العالم العربي بات ضعيف التأثير في ملفات لبنان وغزة والخليج، في وقت تعاني فيه الساحة الفلسطينية من الانقسام السياسي والتجاذبات الداخلية.
ويشدد المشني على أن وقف الحرب وإنهاء المأساة الإنسانية في غزة يتطلبان موقفاً عربياً داعماً لموقف فلسطيني موحد، يقوم على رؤية سياسية وقيادة فلسطينية موحدة، مؤكداً أن غياب هذين العاملين يشكل جوهر الأزمة الحالية ويمنح الاحتلال فرصة للاستمرار في سياساته داخل القطاع.
إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني
يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن استمرار الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة يؤكد أن الاحتلال لم يوقف حربه على القطاع، ولم يتراجع عن أهدافه السياسية والعسكرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية والمنطقة بشكل عام، معتبراً أن ما يجري في غزة يأتي ضمن مخطط أوسع يستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويوضح عنبتاوي أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، بما فيها الاستهدافات والاغتيالات ومنع إدخال المواد الأساسية، إلى جانب توسيع ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء" وتعزيز الهيمنة الأمنية، تعكس استمرار سياسة الاحتلال القائمة على تحويل قطاع غزة إلى "بيئة طاردة للحياة"، من خلال التضييق على السكان ودفعهم نحو الهجرة وترك الأرض.
ويشير عنبتاوي إلى أن ما جرى من اغتيالات واستهدافات خلال الأيام الأخيرة يمثل خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الاحتلال لم يلتزم حتى بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، الأمر الذي يعكس غياب أي نية إسرائيلية حقيقية للانتقال إلى مراحل تهدئة أو حلول سياسية لاحقة.
ويلفت عنبتاوي إلى أن قضية التهجير ما تزال حاضرة بقوة داخل العقلية السياسية للحكومة الإسرائيلية، وأن الهدف الأساسي يتمثل في تقليص الوجود الفلسطيني في قطاع غزة ودفع السكان إلى الرحيل، لافتاً إلى أن الاحتلال يحاول استخدام مجموعات مرتبطة به للمساهمة في التضييق على المواطنين داخل القطاع.
ذريعة نزع السلاح
ويبيّن عنبتاوي أن إسرائيل تواصل تبرير سياساتها عبر ربط كل الإجراءات بملف سلاح المقاومة، رغم أنها لم تنسحب من القطاع ولم توقف عدوانها، وفي الوقت ذاته تطالب بنزع السلاح، معتبراً أن هذا الطرح يُستخدم كذريعة لاستمرار العمليات العسكرية والإجراءات العقابية بحق السكان.
ويؤكد عنبتاوي أن الاحتلال يفرض قيوداً مشددة على إدخال المواد الغذائية والأساسية، رغم وجود تفاهمات واتفاقات تحدد الكميات المسموح بدخولها، مشيراً إلى أن عملية إدخال المساعدات تخضع عملياً "للمزاج الإسرائيلي"، كما أن هناك تقييدات كبيرة على حركة المرضى المحتاجين اضطراراً للعلاج في الخارج.
ويلفت عنبتاوي إلى أن إسرائيل تعرقل كذلك عمل لجنة التكنوقراط الخاصة بإدارة قطاع غزة، ولا تسمح لها بالدخول أو ممارسة مهامها، إلى جانب تعطيل أي أدوار لما يسمى "مجلس السلام" الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن هذه السياسات تهدف إلى تقويض أي مشروع سياسي أو إداري يمكن أن يشكل مدخلاً للحل أو إعادة الإعمار.
إمكانية تصاعد استهداف غزة
وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح عنبتاوي تصاعد عمليات الاستهداف في قطاع غزة بما قد يقود إلى عودة المواجهة العسكرية المباشرة، في ظل شعور الفلسطينيين بانعدام الخيارات الأخرى، محذراً من أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الدمار والمعاناة الإنسانية.
ويشير عنبتاوي إلى أن الاحتلال يستغل انشغال العالم بالحرب الإقليمية وتداعياتها من أجل تمرير مشاريع التهجير في غزة والضفة الغربية، داعياً إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي أكثر جدية، خاصة من الدول الضامنة للاتفاق، للضغط على الولايات المتحدة من أجل إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
ويشدد عنبتاوي على ضرورة تعزيز الموقف الفلسطيني الموحد تجاه قطاع غزة، ووقف المناكفات الداخلية، والعمل على صياغة خطاب فلسطيني جامع يهدف إلى دعم صمود السكان، والضغط لإدخال المساعدات والمواد الأساسية والأموال اللازمة لإعادة إعمار القطاع.
شكل من أشكال العقاب الجماعي
يشدد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب على أن السياسات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة تمثل، وفق القانون الدولي، شكلاً واضحاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب اتفاقيات جنيف، مؤكداً أن الاحتلال يواصل منذ عام 1967 التنصل من التزاماته القانونية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
ويوضح كُتّاب أن اتفاقية جنيف الرابعة تنص بشكل صريح على حماية السكان المدنيين وتجريم سياسة العقاب الجماعي، إلا أن إسرائيل ترفض عملياً الالتزام بهذه المعايير، كما أن المحاكم الإسرائيلية لا تمارس أي ضغط حقيقي لإجبار الحكومات المتعاقبة على احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
إسرائيل لا تميز بين المدنيين والمقاتلين
ويشير كُتّاب إلى أن إسرائيل تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم كتلة واحدة دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهو ما يتيح لها، من وجهة نظرها، تبرير الإجراءات العسكرية والحصار الجماعي والتضييق على السكان تحت ذرائع أمنية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة.
ويبيّن كُتّاب أن أزمة نقص الغذاء والدواء وانتشار الأمراض في القطاع ليست نتائج جانبية للحرب، بل تأتي ضمن سياسة ممنهجة تقوم على تشديد الحصار وإضعاف قدرة السكان على البقاء، لافتاً إلى أن إدخال المواد الغذائية والأدوية عبر تجار يدفعون مبالغ كبيرة لما وصفهم بـ”تجار الحرب” جعل أسعار السلع الأساسية خارج قدرة العائلات العادية.
ويرى كُتّاب أن هذا الواقع خلق حالة من التفاوت الحاد داخل المجتمع الغزي، حيث بات الحصول على الغذاء والدواء مرتبطاً بالقدرة المالية، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من فقدان مصادر الدخل وانهيار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
ويدعو كُتّاب المسؤولين الفلسطينيين إلى مواصلة التحرك السياسي والإعلامي للمطالبة بإنهاء الحصار بشكل علني ومتواصل، كما يطالب مؤسسات المجتمع المدني بتكثيف الضغط الشعبي والحقوقي، محملاً المجتمع الدولي مسؤولية التحرك لإجبار إسرائيل على الالتزام بالمعاهدات الدولية الخاصة بحماية المدنيين ووقف السياسات التي تزيد من معاناة سكان قطاع غزة.
إبقاء جبهة غزة مفتوحة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن استمرار الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية وانتشار الأمراض ونقص الغذاء، يعكس توجهاً إسرائيلياً قائماً على إبقاء جبهة غزة مفتوحة وفاعلة، وعدم السماح بعودة الاستقرار إلى القطاع في المرحلة الحالية، باعتبار أن غزة ما تزال –من المنظور الإسرائيلي– جزءاً من معادلة إقليمية أوسع ترتبط بمستقبل القضية الفلسطينية وترتيبات الشرق الأوسط.
ويوضح بشارات أن إسرائيل خاضت حربها على قطاع غزة ضمن مفهوم "الشرق الأوسط الجديد"، ولذلك فإن رؤيتها تجاه القطاع لا تنفصل عن بقية الملفات الإقليمية المفتوحة، سواء المتعلقة بإيران أو الجبهة الشمالية مع لبنان أو شكل التحالفات السياسية الجديدة في المنطقة.
ويشير بشارات إلى أن إسرائيل تربط أي استقرار محتمل في غزة بنتائج هذه الملفات، الأمر الذي يجعل الحرب، أو حالة "اللا حرب واللا سلم"، خياراً قائماً ومستمراً بالنسبة لها.
ويشير بشارات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى استثمار عامل الزمن من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال تكريس سيطرته العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، بما يتيح له إعادة تشكيل المعادلة السياسية لمستقبل غزة.
ويلفت بشارات إلى أن إسرائيل تعمل، وفق هذا التصور، على تثبيت واقع قد يشمل بقاء الاحتلال العسكري لفترة طويلة، وربما إعادة الاستيطان إلى القطاع، مستشهداً بمحاولة الاحتلال الإبقاء على السيطرة على ما بين 50 إلى 60 بالمئة من مساحة غزة.
منع الفلسطينيين امتلاك كيان متصل جغرافياً
ويبيّن بشارات أن الرؤية الإسرائيلية تقوم أيضاً على منع الفلسطينيين من امتلاك أي كيان سياسي متصل جغرافياً يمكن أن يشكل نواة لنظام سياسي فلسطيني متكامل، موضحاً أن إسرائيل، حتى في حال التوصل إلى وقف للحرب بصيغته الحالية، لا تريد منح الفلسطينيين مساحة جغرافية مستقرة وقابلة للحياة السياسية والإدارية.
ويؤكد بشارات أن استمرار الجرائم بحق سكان القطاع لا يرتبط فقط بالأهداف العسكرية، وإنما يحمل أبعاداً سياسية ومجتمعية واقتصادية، تهدف إلى استنزاف المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدراته وبنيته الاقتصادية والاجتماعية، بحيث يبقى هشاً وقابلاً للتأثير والسيطرة مستقبلاً وفق الرؤية الإسرائيلية.
إنهاك الطاقات الفلسطينية
ويشير بشارات إلى أن حالة عدم الاستقرار المستمرة تؤدي إلى إنهاك الطاقات الفلسطينية واستنزاف الاقتصاد والدخل والبنية التحتية، إلى جانب استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة الفلسطينية، معتبراً أن إسرائيل تسعى من خلال ذلك إلى منع إعادة تشكل أي قوة فلسطينية قد تمثل تهديداً مستقبلياً لها انطلاقاً من قطاع غزة.
وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح بشارات استمرار بقاء ملف غزة مفتوحاً ما لم تتضح الرؤية الإسرائيلية المرتبطة بالحرب على إيران والجبهة الشمالية مع لبنان، إضافة إلى مشروع إسرائيل في الضفة الغربية، معتبراً أن هذا السيناريو هو الأقرب في المرحلة الحالية.
ويشير بشارات إلى وجود سيناريو آخر يتمثل بإمكانية التوصل إلى صفقة سياسية شاملة تضم الولايات المتحدة وإيران وعدداً من دول المنطقة، الأمر الذي قد يفتح الباب لاحقاً أمام بلورة تصور جديد لمستقبل قطاع غزة، إلا أنه يشدد على أن هذا المسار ما يزال غير واضح المعالم والنتائج، وقد يحتاج إلى وقت طويل حتى ينضج سياسياً.
خديعة سياسية
يوضح الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن ما جرى الترويج له منذ اتفاق وقف إطلاق النار في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يكن سوى "خديعة سياسية" هدفت إلى نقل الفلسطينيين من أهوال الحرب المباشرة إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على الحصار والتجويع واستنزاف المجتمع الفلسطيني داخلياً، محذراً من أن استمرار الواقع الحالي يقود القطاع إلى مزيد من الانهيار والفوضى والصراع البيني.
ويشير الصباح إلى أن التحركات السياسية التي رافقت "خطة ترمب"، إلى جانب القرارات الدولية والاتفاقات التي جرى توقيعها ضمن أجواء احتفالية، لم تنجح في وقف الحرب فعلياً، بل أسهمت في إعادة تشكيل أدواتها، بحيث انتقلت من القصف الواسع والمجازر المباشرة إلى سياسة تقوم على الخنق التدريجي للسكان عبر الحصار ومنع مقومات الحياة الأساسية.
تراجع حضور القضية الفلسطينية
ويلفت الصباح إلى أن الحرب على إيران وما رافقها من تصعيد إقليمي في لبنان والمنطقة، أدى إلى تراجع حضور القضية الفلسطينية، وخصوصاً ما يجري في غزة، عن صدارة الاهتمام الدولي والإعلامي، مؤكداً أن العديد من وسائل الإعلام الدولية باتت تتعامل مع القطاع باعتباره ملفاً هامشياً، فيما انشغل العالم بالأزمات الجديدة والتوترات الإقليمية المتسارعة.
وبيّن الصباح أن الاحتلال، منذ تلك المرحلة، انتهج سياسة مختلفة في إدارة الحرب على غزة، تقوم على استمرار القصف وإطلاق النار بشكل متواصل، إلى جانب تعميق الحصار والتجويع والتعطيش وتوسيع دائرة المرض وانعدام الإيواء، فضلاً عن استهداف عناصر الشرطة والأجهزة التي يمكن أن تسهم في الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي.
حالة دائمة من انعدام الأمن والفوضى والخوف
ويؤكد الصباح أن هذه السياسات تهدف إلى إبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة دائمة من انعدام الأمن والفوضى والخوف، مشيراً إلى أن الاحتلال يعمل كذلك على تشجيع مجموعات وعصابات داخل القطاع للقيام بأعمال من شأنها ضرب حالة التماسك المجتمعي وإضعاف المقاومة وإرباك المواطنين.
ويرى الصباح أن الهدف النهائي لهذه الإجراءات يتمثل في دفع الفلسطينيين، تحت ضغط الجوع والخوف والظروف الإنسانية القاسية، إلى القبول بالإملاءات السياسية المفروضة عليهم، مؤكداً أن استمرار العزلة الدولية والانشغال العالمي بملفات أخرى سيمنح الاحتلال مساحة أوسع لتنفيذ مشاريعه وإطالة أمد الأزمة.
استعادة الوحدة وتعزيز التماسك الداخلي
ويحذر الصباح من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعداً في حالة الصراع الداخلي الفلسطيني إذا استمرت الأوضاع الحالية، حيث أن الاحتلال يسعى إلى خلق واقع من الانقسامات والمواجهات البينية بما يضعف القضية الفلسطينية ويمنح إسرائيل وقتاً إضافياً لترسيخ سياساتها على الأرض.
ويؤكد الصباح أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز التماسك الداخلي، إلى جانب إعادة بناء حالة التضامن العربي والإسلامي والدولي مع غزة والقضية الفلسطينية، مشدداً على أن غياب موقف فلسطيني موحد سيقود إلى "كارثة حقيقية" تهدد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
الاحتلال بات "مطلق اليد"
يوضح الكاتب والمحلل السياسي لبيب طه أن استمرار الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة يعود بالدرجة الأولى إلى غياب أي قوة قادرة على ردع إسرائيل أو فرض أثمان عليها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، مشيراً إلى أن الاحتلال بات "مطلق اليد" في فلسطين والمنطقة، الأمر الذي سمح باستمرار عمليات القتل والتدمير والإبادة دون وجود ما يحدّ منها أو يوقفها.
ويؤكد طه أن حرب الإبادة على قطاع غزة لم تنتهِ حتى الآن، وإنما تغيرت وتيرتها فقط، لافتاً إلى أن أهالي القطاع دخلوا في "متاهة" لا تبدو لها نهاية قريبة في ظل غياب مؤشرات حقيقية على قرب انتهاء المأساة الإنسانية المتفاقمة.
الانشغال الإقليمي والدولي بملفات أُخرى
ويشدد طه على أن الانشغال الإقليمي والدولي بملفات أخرى ساهم في تراجع الاهتمام بما يجري في غزة، موضحاً أن الولايات المتحدة منشغلة بقضايا إقليمية أخرى، أبرزها الملف الإيراني، فيما تعاني الدول العربية من أزماتها الداخلية، الأمر الذي انعكس على حجم التحرك السياسي تجاه الحرب.
ويرى طه أن الخروج من الأزمة الراهنة يتطلب توافقاً فلسطينياً حقيقياً يقوم على برنامج وطني جامع يهدف إلى إنهاء الاحتلال والتخلص من آثار الدمار والحرب، داعياً إلى التعامل بواقعية مع التحولات السياسية والجيوسياسية التي شهدتها المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023.
تغيّر كبير في العالم والمنطقة
ويشير طه إلى أن العالم والمنطقة تغيرا بصورة كبيرة، وأن أولويات القوى الدولية والإقليمية لم تعد كما كانت في السابق، ما يستدعي مراجعة الخطاب السياسي الفلسطيني وآليات العمل الوطني، بعيداً عن التمسك بالشعارات التقليدية أو تغليب المصالح الفصائلية والشخصية على المصلحة الوطنية العليا.
ويؤكد أن استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني يخدم أطرافاً متعددة تستفيد من بقاء الوضع القائم، موضحاً أن إسرائيل تعد من أبرز المستفيدين من حالة التشتت الفلسطيني وتعارض البرامج السياسية الداخلية.
ويشير طه إلى وجود جهات وفئات داخل غزة تستفيد من استمرار الأزمة، من بينها تجار ومحتكرون وجهات أخرى، معتبراً أن تشابك المصالح واستمرار حالة الانقسام يسهمان في إطالة أمد المأساة الإنسانية التي يعيشها المواطنون في القطاع منذ سنوات، في ظل ظروف غير مسبوقة على المستوى الإنساني.
المصدر:
القدس