تواجه عائلات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي موجة جديدة من القلق الوجودي، عقب الإعلان عن إجراءات عسكرية تهدف إلى تفعيل عقوبة الإعدام. وتعيش عائلة الأسير أسامة بني فضل، المعتقل منذ أواخر عام 2023، حالة من الترقب المرير مع استمرار تأجيل جلسات محاكمته، في ظل غياب أي تواصل مباشر أو زيارات عائلية منذ اعتقاله.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بالتعاون مع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، عن البدء الفعلي في إجراءات تطبيق عقوبة الإعدام على المعتقلين الفلسطينيين. جاء ذلك بعد توقيع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال على تعديل أمر عسكري خاص بالضفة الغربية، مما يمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار هذه العقوبة رسمياً.
وتكشف هذه الخطوة أن المصادقة السابقة للكنيست على 'قانون إعدام الأسرى' في مارس الماضي لم تكن كافية لسريانه في الأراضي المحتلة. وبما أن الضفة الغربية تخضع لمنظومة الأوامر العسكرية وليس للقانون المدني الإسرائيلي، فقد استلزم الأمر صدور 'أمر تعليمات الأمن' ليصبح الحكم نافذاً داخل أروقة المحاكم العسكرية.
من جانبه، أوضح المحامي المختص بشؤون الأسرى حسن عبادي أن هناك فرقاً جوهرياً بين التشريع الذي أقر في الكنيست والأمر الصادر عن الحاكم العسكري. وأشار إلى أن القانون الذي أقره الكنيست لم يدخل حيز التنفيذ الكامل بعد لعدم توقيع رئيس الدولة عليه، مما دفع الحكومة للجوء إلى المسار العسكري الالتفافي لتجاوز العقبات القانونية.
ووصف عبادي هذا التوجه بالعنصري، كونه يستهدف المتهمين العرب حصراً عندما تكون الضحية يهودية، وهو ما يضرب عرض الحائط بمبادئ العدالة الدولية. كما اعتبر أن لجوء الاحتلال للأوامر العسكرية يهدف إلى إرضاء اليمين المتطرف وتجاوز الانتقادات القانونية التي وجهتها المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية.
وحذر حقوقيون من أن إدخال عقوبة الإعدام إلى المحاكم العسكرية يمثل سابقة خطيرة تتناقض مع كافة المعاهدات الإنسانية المعترف بها دولياً. وتثار تساؤلات قانونية معقدة حول آليات التنفيذ، وتشكيل هيئات القضاة، ومدى ضمان حق الدفاع للمتهمين في ظل منظومة عسكرية تفتقر لأدنى معايير المحاكمة العادلة.
وعلى الرغم من أن بعض القراءات القانونية تشير إلى أن الأمر العسكري قد لا يطبق بأثر رجعي، إلا أن المخاوف تظل قائمة من إمكانية توسيعه ليشمل كافة المعتقلين. ويرى مراقبون أن الاحتلال يسعى لتبديل مبرراته القانونية باستمرار لضمان شمول العقوبة لأكبر عدد ممكن من الأسرى، خاصة أولئك الذين تتهمهم بتنفيذ عمليات نوعية.
وأكد الناطق باسم الهيئة ثائر شريتح أن الاحتلال يمارس 'الإعدام الصامت' منذ سنوات طويلة عبر سياسات الإهمال الطبي المتعمد والتعذيب الجسدي. واعتبر أن الخطوة الأخيرة ليست سوى محاولة لتقنين هذه الممارسات الإجرامية ومنحها غطاءً تشريعياً وقضائياً أمام المجتمع الدولي الذي يلتزم الصمت تجاه هذه الانتهاكات.
وفي سياق متصل، سجلت المؤسسات الحقوقية استشهاد نحو 120 أسيراً داخل السجون منذ السابع من أكتوبر 2023 نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية والاعتداءات المباشرة. وتعكس هذه الأرقام واقعاً دموياً تعيشه الحركة الأسيرة، حيث تحولت السجون إلى ساحات للانتقام الممنهج بعيداً عن الرقابة الدولية.
سياسياً، تُعد هذه الخطوة مؤشراً واضحاً على تصاعد حدة التطرف داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تسعى لإنكار الوجود الفلسطيني بالكامل. ويرى محللون أن هذه التشريعات تهدف إلى نسف أي أفق سياسي مستقبلي وتكريس سياسة القبضة الحديدية ضد الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
وعلى الصعيد الدولي، انطلقت حملات قانونية لمواجهة هذا الأمر العسكري، شملت تقديم تقارير للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. كما نجح التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين في جمع أكثر من مليون توقيع لمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف هذه المجزرة القانونية الوشيكة.
ووصف نادي الأسير الفلسطيني التعديلات العسكرية الجديدة بأنها 'تصعيد خطير' يهدف إلى تحويل القتل خارج إطار القانون إلى سياسة رسمية معلنة. وأشار النادي إلى أن الاحتلال يستغل الظروف الراهنة لتمرير قوانين كانت تعتبر في السابق محل جدل واسع حتى داخل المنظومة الإسرائيلية نفسها.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تظل عائلات آلاف الأسرى معلقة بين الأمل واليأس، بانتظار تحرك دولي حقيقي يضع حداً لهذه التشريعات. وتؤكد آخر الإحصائيات أن عدد الأسرى تجاوز 9400 أسير، يعيشون في ظروف تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، بانتظار مصير مجهول ترسمه أوامر عسكرية عنصرية.
المصدر:
القدس