تتحضر مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لحدث ديمقراطي استثنائي، حيث تستعد البلدية لإجراء انتخابات محلية هي الأولى من نوعها منذ نحو عشرين عاماً. تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه البلديات في القطاع واقعاً ميدانياً معقداً، ناتجاً عن الدمار الواسع الذي طال المعدات والآليات الأساسية اللازمة للعمل اليومي.
ويؤكد مسؤولون محليون أن التحدي الأبرز الذي يواجه الإدارة الحالية أو القادمة يكمن في استمرارية تقديم الخدمات الحيوية للسكان. فالمدينة التي تعاني من آثار الحصار الإسرائيلي الممتد، تجد نفسها أمام فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتزايدة للمواطنين في ظل تدهور البنية التحتية.
من جانبه، أوضح رئيس بلدية دير البلح، طارق شاهين أن استمرار الحصار يمثل العائق الأكبر أمام أي تحسن ملموس في جودة الخدمات المقدمة. وأشار إلى أن منع دخول المواد الأساسية المخصصة للإعمار يعطل كافة خطط إعادة تهيئة المرافق العامة التي تضررت بشكل كبير خلال السنوات الماضية.
وشدد شاهين في تصريحات صحفية على أن تحسين الواقع الخدمي مرتبط بشكل عضوي بسماح الاحتلال بإدخال المستلزمات الضرورية. وتشمل هذه القائمة قطع الغيار والزيوت والوقود المشغل للمضخات والآليات، بالإضافة إلى مواد البناء الأساسية مثل الإسمنت ومواسير الصرف الصحي.
وفي خضم هذا الانهيار الخدمي، تبرز انتخابات دير البلح كحالة فريدة، حيث تم اختيارها لتكون البلدية الوحيدة التي ستشهد اقتراعاً في هذه المرحلة الحساسة. ويثير هذا القرار تساؤلات في الشارع الفلسطيني حول قدرة المجلس البلدي الجديد على إحداث تغيير حقيقي في ظل الظروف الراهنة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 70 ألف ناخب يمتلكون حق التصويت والتوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم. وقد تم تجهيز 12 مركزاً انتخابياً لاستقبال المواطنين، حيث تتنافس أربع قوائم انتخابية على مقاعد المجلس البلدي في أجواء يترقبها الجميع بحذر.
وفي سياق متصل، صرح مدير لجنة الانتخابات المركزية في القطاع، جميل الخالدي، بأن هذه الانتخابات تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الخدمي لتصل إلى العمق السياسي. وأوضح أن إجراء الانتخابات في دير البلح بالتزامن مع الضفة الغربية يهدف إلى تعزيز الوحدة المؤسساتية بين شطري الوطن.
ويرى الخالدي أن هذا التزامن يربط قطاع غزة بالضفة الغربية سياسياً وقانونياً، مما يكسر حالة الجمود التي فرضها الانقسام لسنوات طويلة. وتعتبر هذه الخطوة رمزية هامة في مسار استعادة الحيوية للنظام السياسي الفلسطيني الذي عانى من ترهل واضح في مؤسساته المحلية.
وعلى صعيد الشارع، يتطلع المواطنون في دير البلح بآمال مختلطة بالواقعية إلى نتائج هذه الانتخابات، حيث يربطون نجاح أي مجلس جديد بقدرته على انتزاع تسهيلات تحسن حياتهم اليومية. ويعبر السكان عن حاجتهم الماسة لخدمات مياه وصرف صحي وطرق أفضل، رغم إدراكهم لحجم الضغوط الخارجية.
وتأتي هذه الانتخابات في ظرف استثنائي يمر به النظام السياسي الفلسطيني، وسط خلافات فصائلية سابقة حول قوانين الانتخابات. ومع ذلك، تظل صناديق الاقتراع في دير البلح خطوة تنظيمية هامة، وإن كانت الحلول الجذرية لمشاكل المدينة تظل مرتبطة بملف إعادة الإعمار الشامل.
المصدر:
القدس