تشير القراءة العميقة لسلوك الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة على مدار عامين إلى ترسيخ عقيدة أمنية جديدة تتجاوز كافة الخطوط الحمراء للقانون الدولي. هذه القاعدة التي باتت راسخة في العقل الصهيوني، تعتمد على الصمت الدولي تجاه جرائم الإبادة الجماعية والمذابح المستمرة، مما يجعل التراجع عنها أمراً مستحيلاً في ظل الدعم الأمريكي المطلق.
تعتبر 'الخطوط الصفراء' التي حددها بنيامين نتنياهو امتداداً طبيعياً لسياسة أرئيل شارون الذي بدأ ببناء جدار الفصل العنصري عام 2002. ذلك الجدار الذي التهم نحو 46 في المئة من مساحة الضفة الغربية والقدس المحتلة، ممهداً الطريق لسياسات الاستيطان المتغول التي قضت على أوهام السلام المزعوم.
إن الإعلان الإسرائيلي عن خطوط أمنية في الجنوب اللبناني يوازي تماماً النهج المتبع في قطاع غزة، حيث تُطبق سياسة الأرض المحروقة والتدمير الشامل. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تهجير السكان وتحويل المدن والقرى إلى مناطق غير قابلة للحياة تحت ذريعة 'أمن إسرائيل' التي تمنحها واشنطن حق تجاوز كل الأعراف.
العالم اليوم يقف متفرجاً على 'الخط الأصفر' في غزة، وهو الخط الذي يرسم حدود القتل اليومي والاستعلاء على المنطق الإنساني. هذا المنطق الأمني يقوم على إبادة المناطق التي يتم السيطرة عليها عسكرياً لضمان عدم عودة السكان الأصليين إليها، وهو ما يطبق فعلياً في غزة ولبنان ويمتد تدريجياً نحو الجولان والجنوب السوري.
الهاجس الأمني الإسرائيلي القائم على احتلال الأرض وقتل سكانها واستيطانها، يزيح كافة الأوهام التي حاولت الولايات المتحدة فرضها على مدار سبعة عقود. إن استدراج الشعب الفلسطيني والشعوب العربية إلى حواف الكارثة بات نهجاً ثابتاً يثخن جسد المنطقة بالجراح والمذابح المستمرة دون رادع حقيقي.
تؤكد الوقائع أن شهية التوسع الإسرائيلي غير نهائية، حيث أعلن نتنياهو صراحة عن رغبته في تغيير الواقع الجيوسياسي للمنطقة منذ بدء العدوان في عام 2023. هذا التغيير لا يتوقف عند حدود فلسطين، بل يمتد ليشمل لبنان وسوريا وصولاً إلى محاولات الهيمنة الجوية على إيران بإسناد عسكري أمريكي مباشر.
تجاوزت إسرائيل كافة الخطوط الحمراء عبر سن قوانين فاشية، مثل قانون إعدام الأسرى، مما يعكس استخفافاً تاماً بالمنظومة الدولية والأنظمة الإقليمية. لقد أمنت القيادة الإسرائيلية عواقب المجتمع الدولي الذي تصفه المصادر بالمنافق، مما شجعها على التمدد الجغرافي خارج حدود فلسطين التاريخية.
ترسم خطوط جرائم الإبادة الإسرائيلية مصيراً تراجيدياً للجغرافيا العربية، حيث يتم تقديم تدمير البنى التحتية ونسف القرى كتدابير لازمة لـ 'الدفاع عن النفس'. هذه السياسة تمنح الجيش الإسرائيلي ضوءاً أخضر لمواصلة التدمير حتى في أوقات الهدنة أو وقف إطلاق النار المفترض، لفرض واقع الإذعان على المنطقة.
تتراوح ردود الفعل العربية تجاه هذه التحولات بين التصريحات الخجولة ومذكرات الاحتجاج الصامتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي الوقت الذي تنهي فيه إسرائيل خطوط الهدنة مع سوريا ولبنان، تجد السلطة الفلسطينية نفسها محاصرة داخل عجزها الأساسي في ظل إعادة احتلال كامل للأرض.
تدرك القيادة السياسية والأمنية في تل أبيب أن تكتيك 'القضم السريع' للأراضي العربية هو الأنسب لاستراتيجيتها التوسعية بعيدة المدى. هذا التكتيك يعتمد على نقل المعركة دائماً إلى خارج الحدود، وتوجيه ضربات استباقية للخصوم في جبهات متعددة تشمل غزة ولبنان وسوريا، مع محاولة استبدال العداء التاريخي مع الاحتلال بخصومات إقليمية أخرى.
رغم هذا التغول العسكري، ينمو إدراك شعبي عالمي يهز صورة إسرائيل المزيفة ويكشف طبيعتها الاستعمارية الوحشية من أوروبا إلى أفريقيا. هذا الوعي المتزايد يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة استحالة التعايش مع عقيدة صهيونية تقوم على القتل والتهجير والاستيطان كأدوات أساسية للبقاء.
لا يمكن تحويل 'الوتد الاستعماري' إلى جسر للسلام في المنطقة طالما أن مؤشراته الحاسمة تقوم على التوسع والهيمنة المطلقة. إن محاولات فرض 'سلام' مشوه تحت تهديد السلاح هي مجرد غطاء لمشروع 'إسرائيل الكبرى' الذي يسعى لابتلاع ما تبقى من الجغرافيا العربية المحيطة بفلسطين.
إن إفشال هذه المخططات التوسعية مرهون بقدرة الشعوب العربية وأنظمتها على تحديد خطوطها الوطنية بوضوح بعيداً عن الألوان الباهتة في المواقف. فالمواجهة اليوم لم تعد تتعلق بحدود جغرافية بسيطة، بل بوجود حضاري وسياسي مهدد بالزوال أمام تمدد الخطوط الصفراء والحمراء للاحتلال.
في الختام، يظل الرهان على الوعي الشعبي والمقاومة الميدانية هو السبيل الوحيد لمحو خطوط العدوان التي تتمدد كسرطان في جسد المنطقة. إن التاريخ يثبت أن القوة العسكرية مهما بلغت، لا يمكنها إخضاع الشعوب التي ترفض التنازل عن حقها في الأرض والحياة الكريمة، مهما بلغت تضحيات المواجهة.
المصدر:
القدس