نظم مئات النازحين الفلسطينيين في مخيم حلاوة شمال قطاع غزة، السبت، وقفة احتجاجية غاضبة للتنديد بالانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد المشاركون أن جيش الاحتلال يتعمد استهداف مراكز الإيواء بشكل يومي، مما أدى إلى حالة من الذعر الدائم بين آلاف العائلات التي لجأت إلى المنطقة بحثاً عن الأمان.
ورفع المحتجون لافتات تطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف نزيف الدماء، مشيرين إلى أن مخيم حلاوة يعد من أكبر تجمعات النازحين في المناطق الشمالية. وشدد المتظاهرون على أن الرصاص الإسرائيلي لا يفرق بين طفل وامرأة، محذرين من استمرار سياسة القتل الممنهج التي تمارسها القوات المتمركزة عند التخوم الشرقية.
وتأتي هذه التحركات الشعبية في ظل تصاعد وتيرة إطلاق النار تجاه المناطق الواقعة غرب 'الخط الأصفر'، وهو الخط الذي حدده اتفاق وقف إطلاق النار كمنطقة انسحاب للقوات الإسرائيلية. ورغم أن المخيم يقع ضمن النطاق المسموح للفلسطينيين بالتواجد فيه، إلا أن نيران الاحتلال تلاحق السكان داخل خيامهم المهترئة بشكل مستمر.
واستذكر المشاركون في الوقفة الفتى آدم حلاوة، البالغ من العمر 14 عاماً، والذي ارتقى شهيداً يوم الثلاثاء الماضي إثر إصابته برصاصة في الرأس أطلقها جنود الاحتلال. واعتبر الأهالي أن جريمة قتل الطفل حلاوة هي دليل صارخ على ضرب الاحتلال بعرض الحائط كافة التفاهمات الدولية التي رعت اتفاق التهدئة منذ أكتوبر الماضي.
وردد النازحون هتافات تؤكد تمسكهم بالبقاء في مناطق شمال غزة ورفضهم لأي محاولات تهجير جديدة تحت وطأة القصف والترهيب. وأوضح ممثلون عن النازحين أن خيار النزوح المتكرر لم يعد ممكناً في ظل انعدام الأماكن الآمنة واتساع رقعة الاستهداف التي تطال كل من يتحرك في الشوارع أو يحاول تأمين لقمة عيشه.
ووجهت الفعاليات الاحتجاجية نداءات عاجلة إلى المنظمات الحقوقية والأممية لزيارة المخيم ومعاينة حجم الدمار والترويع الذي يعيشه المدنيون. وأكدت الكلمات التي ألقيت خلال الوقفة أن المخيم يخلو تماماً من أي مظاهر عسكرية، وأن استهدافه يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حماية المدنيين في وقت السلم.
من جانبه، أفاد المواطن عمران جابر، وهو نازح من جباليا، بأن الواقع داخل المخيم مغاير تماماً لما يتم الترويج له حول المناطق الآمنة. وأوضح جابر لمصادر صحفية أن السكان يضطرون للنوم على الأرض لتفادي الرصاص الذي يخترق الخيام البلاستيكية، مؤكداً أن الاستهداف يتم على مدار الساعة دون توقف.
وفي سياق متصل، قال النازح عبد الرازق علوش إن الخروج من الخيمة لشراء الخبز أو قضاء الحاجات الأساسية بات مخاطرة حقيقية قد تودي بحياة صاحبها. ووصف علوش الوضع الراهن بأنه 'أقسى من أيام الحرب'، نظراً لحالة الغدر التي يشعر بها السكان الذين اعتقدوا أن اتفاق وقف إطلاق النار سيوفر لهم الحماية الأدنى.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن 'الخط الأصفر' بات نقطة انطلاق لعمليات قنص واستهداف مباشر، حيث يسيطر جيش الاحتلال على نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع شرقاً. وتتمركز الآليات العسكرية في مواقع قريبة تسمح لها بالإشراف المباشر على تجمعات النازحين، مما يجعل آلاف الفلسطينيين تحت رحمة النيران الإسرائيلية.
ووفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة، فإن خروقات الاحتلال منذ بدء سريان الاتفاق أسفرت عن استشهاد 773 فلسطينياً وإصابة أكثر من 2171 آخرين بجروح متفاوتة. وتؤكد هذه الأرقام أن التهدئة المعلنة لم تمنع جيش الاحتلال من مواصلة عملياته العسكرية التي تستهدف البنية السكانية المنهكة في شمال وجنوب القطاع.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد كشف في بيان سابق عن ارتكاب الاحتلال لأكثر من 2400 خرق للاتفاق، شملت عمليات قتل واعتقال وحصار وتجويع. وأشار البيان إلى أن هذه الانتهاكات تهدف إلى تقويض الاستقرار النسبي ومنع النازحين من العودة إلى حياتهم الطبيعية أو ترميم ما دمرته الحرب الطويلة.
يُذكر أن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل منذ أكتوبر 2023 قد خلفت دماراً هائلاً طال 90 بالمئة من البنية التحتية في قطاع غزة. ومع استمرار سقوط الشهداء والجرحى، يواجه النظام الصحي صعوبات بالغة في التعامل مع الإصابات الجديدة الناتجة عن خروقات وقف إطلاق النار المتكررة.
ويطالب الحقوقيون بضرورة وجود آلية دولية لمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المناطق المدنية المصنفة كـ 'مناطق آمنة'. ويرى مراقبون أن صمت المجتمع الدولي عن هذه الخروقات يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياسة القضم التدريجي للمناطق التي سحب قواته منها شكلياً.
وختم المشاركون وقفتهم بالتأكيد على أن صمودهم في شمال غزة هو رسالة تحدٍ للاحتلال، رغم انعدام مقومات العيش الكريم وغياب الحماية الدولية. وناشدوا الضمير العالمي للتحرك قبل فوات الأوان، خاصة مع تزايد أعداد المعاقين جراء الإصابات المباشرة التي يخلفها رصاص القناصة المتمركزين خلف السواتر الترابية.
المصدر:
القدس