منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، فرضت السلطات الإسرائيلية واقعاً أمنياً مشدداً على الفلسطينيين في الداخل المحتل، استهدف بشكل مباشر تصفية أي نشاط وطني أو تضامني. هذا التصعيد حوّل المناسبات الوطنية، وعلى رأسها يوم الأسير الفلسطيني، إلى مساحات محاصرة بالملاحقات القانونية والتشريعات التي توصف بالعنصرية.
تشير المعطيات الصادرة عن نادي الأسير الفلسطيني إلى أن عدد الأسرى من فلسطينيي الداخل يناهز حالياً 200 أسير، من بينهم 28 أسيرة يواجهن ظروفاً اعتقالية صعبة. ومن بين هؤلاء المعتقلين، يقبع 20 أسيراً تحت وطأة أحكام جائرة تتراوح بين المؤبد و40 عاماً، مما يعكس حجم الاستهداف الممنهج لهذه الشريحة.
لا يزال سبعة من 'قدامى الأسرى' الذين اعتُقلوا قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 يقبعون خلف القضبان، محرومين من صفقات التبادل أو الإفراجات السياسية. ومن أبرز هؤلاء الأسيران ياسين وإبراهيم بكري من بلدة البعنة، اللذان يقضيان حكماً خيالياً يصل إلى 9 مؤبدات و30 عاماً إضافية.
كشف مركز 'عدالة' الحقوقي عن توسع غير مسبوق في استخدام سياسة الاعتقال الإداري ضد فلسطينيي 48، حيث نظرت المحاكم في أكثر من 300 قضية منذ بدء الحرب. هذه الأداة القمعية تُستخدم لتغييب النشطاء والمؤثرين دون توجيه تهم محددة، مما خلق حالة من الردع والتخويف في الأوساط الشعبية.
يروي الأسير المحرر قدري أبو واصل كيف تحول شهر أبريل من تظاهرة شعبية نابضة إلى صمت مطبق يخيم على القرى والمدن العربية. فقد غابت مراسم إيقاد شعلة الحرية وزيارات عائلات الأسرى التي كانت تشكل ركيزة أساسية في تعزيز الهوية الوطنية والترابط الاجتماعي بين الفلسطينيين.
لم يقتصر التغييب على يوم الأسير فحسب، بل طال ذكرى يوم الأرض التي مرت باهتة بلا مسيرات قطرية أو ندوات تثقيفية لأول مرة منذ عقود. وتذرعت السلطات الإسرائيلية بحالة الطوارئ وظروف الحرب لمنع الحشود من التجمع في الجليل الأعلى، وهو ما اعتبره مراقبون عودة لسياسات الحكم العسكري.
أفادت مصادر حقوقية بأن آلاف حالات الاعتقال والملاحقة السياسية سُجلت في الداخل المحتل، وطالت شباناً لمجرد تعبيرهم عن مواقف تضامنية عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا المناخ الأمني جعل من أي مبادرة لنشاط وطني مغامرة قد تنتهي بصاحبها في أروقة التحقيق أو السجون الإدارية.
تجاوزت السياسات الإسرائيلية ملاحقة الأفراد لتصل إلى استهداف عائلات الأسرى عبر مصادرة المخصصات المالية وتشديد ظروف الزيارة أو منعها تماماً. هذه الإجراءات تهدف إلى عزل الأسرى عن محيطهم الاجتماعي وكسر إرادة الصمود لدى ذويهم، ضمن سياسة عقاب جماعي ممنهجة.
في مشهد يختصر واقع القمع، تحرر الأسير إبراهيم أبو مخ من باقة الغربية بعد أربعين عاماً من الأسر دون أي مظاهر احتفالية أو استقبال شعبي. فقد فرضت الشرطة قيوداً صارمة منعت رفع الأعلام أو التجمع، مما حول لحظة الحرية المنتظرة إلى مشهد صامت يعكس ثقل القبضة الأمنية.
يؤكد المحامي فؤاد سلطاني أن الشارع الفلسطيني في الداخل كان يقدّم قضية الأسرى كعنوان جامع لا يختلف عليه أحد، لكن الزخم الجماهيري تراجع بفعل الترهيب. وأوضح أن الفعاليات التي كانت تستمر لأسبوع كامل وتتوج بإيقاد الشعلة، أصبحت الآن مجرد ذكريات يستعيدها الناشطون بحسرة.
الشهادات التي تُنقل من داخل السجون تتحدث عن 'موت بطيء' يعيشه الأسرى في ظل عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي وممارسات تنكيلية قاسية. هذه الظروف أدت إلى إضعاف دور الحركة الأسيرة كبوصلة للمشروع الوطني، مما تسبب في حالة من الارتباك داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
الاستهداف الإسرائيلي لم يترك مساحة للعمل الإنساني السلمي، حيث يواجه المشاركون في الوقفات الاحتجاجية الرافضة للحرب أحكاماً قضائية قاسية. وتتحول ساحات التعبير تدريجياً إلى نقاط مواجهة مباشرة مع الشرطة، مما دفع الكثيرين للانكفاء خوفاً من الملاحقة التي قد تدمر مستقبلهم المهني والأكاديمي.
يرى ناشطون أن ما يجري منذ السابع من أكتوبر هو محاولة لإعادة صياغة وعي الأجيال الشابة عبر ترهيبهم وفصلهم عن قضاياهم الوطنية الكبرى. ومع ذلك، تبقى الذاكرة الجمعية عصية على النسيان رغم غياب الفعاليات الميدانية، حيث تنتظر الجماهير فرصة لاستعادة نبض الشارع.
بين ذاكرة الماضي المثقلة بالنضال وواقع الحاضر المحاصر بالخوف، يقف فلسطينيو الداخل أمام تحدي الحفاظ على الثوابت في ظل 'نكبة أمنية' جديدة. إن إطفاء شعلة الحرية في الميادين لا يعني انطفاءها في القلوب، لكنه يؤشر على مرحلة هي الأصعب في تاريخ المواجهة داخل الخط الأخضر.
المصدر:
القدس