يواجه قطاع غزة موجة جديدة من التصعيد العسكري الإسرائيلي الذي يضع اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي على المحك. وأفادت مصادر ميدانية باستشهاد عشرة مواطنين فلسطينيين في هجمات متفرقة شنتها قوات الاحتلال منذ فجر اليوم الثلاثاء، طالت مناطق سكنية وأوقعت ضحايا بين النساء والأطفال.
وتشير المعطيات إلى أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة استهدفت مواقع خارج نطاق السيطرة المباشرة لجيش الاحتلال، مما يعكس رغبة في توسيع رقعة العمليات. وزعم جيش الاحتلال أن هذه العمليات استهدفت عناصر من فصائل المقاومة كانوا يخططون لتنفيذ هجمات ضد قواته المتمركزة في محاور التماس.
وفي قراءة سياسية للمشهد، يرى مراقبون أن حكومة بنيامين نتنياهو تستغل حالة الانشغال الدولي بملفات إقليمية أخرى لتنفيذ أجندتها الميدانية في غزة. ويبدو أن التركيز الأمريكي المنصب حالياً على الملف الإيراني قد منح تل أبيب هامشاً أوسع للتحرك العسكري دون ضغوط دولية حقيقية.
من جانبه، أكد المحلل السياسي أحمد الطناني أن الاحتلال لم يحترم بنود الاتفاق منذ لحظة توقيعه، مشدداً على أن الخروقات أصبحت سلوكاً يومياً. وأوضح الطناني أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على القصف، بل تشمل تضييق الخناق على المعابر الحدودية ومنع تدفق المساعدات الإنسانية الأساسية.
وأشار الطناني إلى أن البروتوكول الإنساني المرتبط باتفاق وقف إطلاق النار ظل حبراً على ورق في جوانب كثيرة، خاصة فيما يتعلق بنسب دخول الشاحنات. كما لفت إلى أن ملف إعادة الإعمار وفتح المعابر الحيوية لا يزال يواجه تعنتاً إسرائيلياً يهدف إلى إدامة الأزمة المعيشية في القطاع.
وفي سياق متصل، اعتبر الدكتور مهند مصطفى، المختص في الشؤون الإسرائيلية أن الاحتلال يسعى لتكريس واقع أمني جديد عبر عمليات اغتيال مبرمجة. وذكر مصطفى أن إسرائيل تضع قوائم استهداف محددة للفلسطينيين بهدف تفكيك البنية التنظيمية والمدنية المتبقية في غزة تحت غطاء ملاحقة التهديدات.
أما فيما يخص إدارة الشأن المدني، فقد برز ملف لجنة التكنوقراط الفلسطينية كأحد نقاط الخلاف الجوهرية بين الأطراف المعنية. وأكدت مصادر فلسطينية أن اللجنة أتمت كافة ترتيباتها الإدارية واللوجستية، إلا أن الفيتو الإسرائيلي لا يزال يمنع مباشرتها لمهامها داخل القطاع.
ويرى خبراء أن منع دخول اللجنة المدنية يهدف إلى إبقاء قطاع غزة في حالة من الفراغ الإداري لتبرير استمرار التدخل العسكري. فوجود إدارة مدنية فاعلة قد يسحب الذرائع الإسرائيلية التي تدعي غياب شريك قادر على ضبط الأوضاع الميدانية وتوزيع المساعدات.
من جهة أخرى، أشار المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية توماس واريك إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في ترتيبات القوة الدولية المقترح نشرها. وأوضح واريك أن هناك تعقيدات ترتبط بالتوافق الإقليمي والدولي حول آليات انتشار هذه القوات والمهام الموكلة إليها في ظل الظروف الراهنة.
وخلصت النقاشات السياسية إلى أن إسرائيل ترهن استقرار الأوضاع في غزة بمسارات إقليمية أوسع، لا سيما المواجهة مع إيران. ويبدو أن استراتيجية الاحتلال الحالية تعتمد على الحفاظ على سيطرة جزئية وعمليات استنزاف مستمرة حتى تتضح ملامح التفاهمات الكبرى في المنطقة.
المصدر:
القدس