آخر الأخبار

معاناة أهالي غزة مع الخط الأصفر وقصص استشهاد العرسان

شارك

تتجسد مأساة الفقد في قطاع غزة بأبشع صورها حين يمتزج ركام المنازل بدماء الأحلام الموؤودة، حيث تروي أفنان النجار قصة فقدان مزدوجة بدأت بخسارة بيت الزوجية الذي ابتلعه 'الخط الأصفر' الإسرائيلي، وانتهت بفاجعة استشهاد خطيبها محمود البريم قبل شهر واحد من موعد زفافهما المنتظر.

كان محمود البريم، البالغ من العمر 37 عاماً، يسابق الزمن لترميم عشه الزوجي وتهيئته لاستقبال شريكة حياته، مستقطعاً لحظات الفرح من قلب الحرب الطويلة، إلا أن تقدم آليات الاحتلال وتوسيع نطاق العمليات العسكرية حول منزله إلى ركام، ليتحول من مشروع حياة إلى جزء من خرائط الدمار.

في التاسع من أبريل نيسان، وبينما كان محمود يسير في شارع صلاح الدين متجهاً لعائلته لاختيار صالة الفرح، قطع دوي انفجار هائل مكالمته الأخيرة مع خطيبته، ليرتقي شهيداً وتتبدل زغاريد الاستعداد للعرس إلى صرخات وداع في أروقة مستشفى ناصر الطبي.

لم تكن قصة محمود وأفنان إلا فصلاً في كتاب المعاناة الواسع، حيث واجه الشاب عبد العظيم ضاهر مصيراً مشابهاً في حي الشجاعية، إذ أمضى أيامه الأخيرة قبل الزفاف في إصلاح منزل عائلته المتضرر، ليجد نفسه نازحاً في الليلة التي كان من المفترض أن تكون ليلة 'حنائه'.

اضطر ضاهر وعائلته للفرار تحت وطأة القصف المفاجئ وتمدد مربعات 'الخط الأصفر' نحو شارعهم، تاركين خلفهم الأثاث وتجهيزات العرس التي قُصفت لاحقاً، ليتحول الشاب من صاحب بيت يستعد للاستقرار إلى نازح يطارد فكرة السكن في ظل غلاء فاحش للإيجارات.

يصف عبد العظيم الواقع القاسي الذي يواجهه المتزوجون الجدد في غزة، حيث تجاوزت إيجارات الشقق السكنية حاجز 700 دولار شهرياً، وهو مبلغ يفوق قدرة العائلات المنهكة اقتصادياً، مما أجبره على العيش مع عائلته الممتدة في بناء يفتقر لأدنى مقومات الخصوصية.

وعلى صعيد آخر، يبرز الوجع الاقتصادي في حكاية عصام الحرازين، الذي بنى مصنعاً للخياطة في حي الزيتون على مدار سنوات طويلة، ليكون شريان حياة لثلاثين عائلة، قبل أن تحيله طائرات الاحتلال إلى كومة من الرماد والحديد الملتوي في يونيو من العام الماضي.

وضعت يدي على رأسه، واختلطت رائحة المسك بيدي، شاهدت وجهه الجميل، ولا أستطيع تصديق استشهاده حتى وهو أمامي.

الحرازين الذي بدأ مهنته طفلاً، استثمر كل ما يملك لإعادة تشغيل مصنعه خلال فترات الهدوء، مشترياً نظام طاقة شمسية بتكلفة باهظة، لكن صواريخ الاحتلال لم تمهله طويلاً، حيث دمرت الماكينات وأحرقت أطنان القماش، متبخرةً معها سيرة عمر كاملة من الكد والتعب.

تعبر ابنة الحرازين عن حالة الانكسار التي أصابت والدها بعد فقدان مشروعه، مؤكدة أنه فقد شغفه بالحياة ووزنه جراء الحزن، فالمصنع لم يكن مجرد مكان للعمل، بل كان هويته التي يعرفه بها أهل قطاع غزة والخليل كأحد أمهر الخياطين في المنطقة.

وفي زاوية أخرى من حي الزيتون، يحاول محمد ياسين استجماع شتات حياته بعد تدمير مطعمه الشهير في الشجاعية، فبعد أن كان يدير صرحاً يقصده الناس في أفراحهم ومناسباتهم، بات اليوم يقف خلف كشك صغير لبيع الحمص والفول لتأمين قوت أبنائه الستة.

ياسين الذي حاول ترميم مطعمه عدة مرات خلال فترات وقف إطلاق النار، وجد نفسه في كل مرة أمام موجة تدمير جديدة تقتلع محاولاته من جذورها، لكنه يصر على البقاء والعمل بأسعار منخفضة مراعاة لظروف جيرانه المنكوبين، معتبراً العمل صورة من صور الصمود.

تتشارك هذه الحكايات في قاسم مشترك واحد، وهو تعمد الاحتلال ضرب مقومات الحياة والاستقرار في اللحظات الأكثر هشاشة، حيث لا يقتصر الاستهداف على الحجر والشجر، بل يمتد ليطال الترتيبات البسيطة التي يحاول الفلسطينيون بناءها فوق الركام.

إن سياسة 'الخط الأصفر' وتوسيع المناطق العازلة أدت إلى تهجير آلاف العائلات قسرياً، وحرمت الشباب من حقهم في تكوين أسر مستقرة، في وقت تواصل فيه الماكينة العسكرية الإسرائيلية طحن أحلام المدنيين وتحويل مدنهم إلى مساحات مغلقة ومحرمة.

تبقى هذه القصص شهادة حية على إرادة البقاء لدى الغزيين، الذين رغم فقدان العرسان والبيوت والمصانع، لا يزالون يحاولون البدء من جديد من تحت الأنقاض، متحدين واقعاً يفرض عليهم الموت والنزوح في كل تفاصيل حياتهم اليومية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا