تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن تحركاً دبلوماسياً لافتاً مع انطلاق أولى المباحثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، حيث يمثل الجانب الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر أمام نظيرته اللبنانية ندى حمادة معوض. تأتي هذه اللقاءات في وقت حساس للغاية، حيث تسعى الحكومة اللبنانية لانتزاع قرار بوقف إطلاق النار ينهي العدوان الإسرائيلي الموسع الذي انطلق في الثاني من مارس الماضي.
يعد يحيئيل ليتر، الذي تسلم مهامه الدبلوماسية في واشنطن في نوفمبر 2024 خلفاً لمايك هرتسوغ، أحد أبرز الوجوه اليمينية في الساحة السياسية الإسرائيلية. ليتر هو كاتب ومفكر سياسي من أصول أمريكية، هاجر إلى الأراضي المحتلة قبل نحو أربعة عقود، واستطاع خلالها بناء مسيرة مهنية جمعت بين العمل العسكري والديني والسياسي.
ولد السفير الإسرائيلي الحالي في ولاية بنسلفانيا الأمريكية عام 1959، وقرر الهجرة إلى إسرائيل وهو في الثامنة عشرة من عمره. انخرط ليتر في صفوف جيش الاحتلال، وبالتوازي مع ذلك تابع دراسات دينية معمقة في كريات شمونة حتى نال شهادة الحاخامية، مما يعكس تداخلاً وثيقاً في شخصيته بين الأيديولوجيا الدينية والتوجهات السياسية.
على الصعيد الأكاديمي، حصل ليتر على درجة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة حيفا عام 2006، حيث ركزت أبحاثه على نقاط التقاء الفكر الديني بالسياسة. هذا التكوين المعرفي جعله مقرباً من مراكز الأبحاث اليمينية والمحافظة في إسرائيل، مثل منتدى كوهيليت ومركز القدس للشؤون العامة، وهي مؤسسات ترسم ملامح السياسات اليمينية المتطرفة.
تاريخ ليتر السياسي مرتبط بشكل وثيق برئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، حيث شغل منصب رئيس ديوانه إبان تولي الأخير حقيبة المالية. كما عمل مساعداً لرئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون خلال فترة عضويته في الكنيست، مما منحه خبرة واسعة في دهاليز صنع القرار الإسرائيلي والتعامل مع الملفات الاستراتيجية.
تثير الخلفية الأيديولوجية لليتر قلقاً في الأوساط الدبلوماسية، إذ تشير تقارير إلى عضويته السابقة في رابطة الدفاع اليهودية التي أسسها المتطرف مئير كاهانا. هذه المنظمة كانت مدرجة لفترة طويلة على قوائم الإرهاب الأمريكية بسبب تورطها في عمليات اغتيال وهجمات عنيفة، قبل أن تُرفع لاحقاً من القائمة نتيجة توقف نشاطها المعلن.
يُعرف السفير الإسرائيلي بكونه أحد غلاة المستوطنين، حيث اتخذ من مستوطنة تقع شمال مدينة رام الله بالضفة الغربية مقراً لإقامته لسنوات طويلة. ولم يكتفِ بالسكن بل ساهم في تأسيس 'صندوق إسرائيل الواحد'، وهو مؤسسة مخصصة لجمع التبرعات المالية لدعم المشاريع الاستيطانية وتثبيت وجود المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فيما يخص الرؤية السياسية الإقليمية، يعد ليتر من أشد المتحمسين لاتفاقيات التطبيع المعروفة بـ 'اتفاقيات أبراهام' التي رعتها إدارة ترامب السابقة. ويرى ليتر أن هذه الاتفاقيات نجحت في إحداث شرخ في الدعم الشعبي الإسلامي للقضية الفلسطينية، وهو يدعو علانية إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة والمطلقة على الضفة الغربية.
الحياة الشخصية لليتر ارتبطت بشكل مأساوي بالتطورات الميدانية الأخيرة، حيث قُتل ابنه الرائد موشيه ليتر خلال المعارك في شمال قطاع غزة العام الماضي. ولدى السفير ثمانية أبناء، انخرط ستة منهم في الخدمة العسكرية ضمن جيش الاحتلال، مما يعزز من تبنيه لمواقف متشددة حيال استمرار العمليات العسكرية في المنطقة.
خلال جنازة ابنه في القدس، وجه ليتر رسالة حادة ومباشرة إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن، طالبه فيها بعدم ممارسة أي ضغوط على إسرائيل لوقف الحرب. واعتبر في كلمته أن المعركة الحالية هي صراع وجودي بين ما وصفه بـ 'النور والظلام'، مشدداً على ضرورة منح إسرائيل الحرية الكاملة في استخدام القوة العسكرية.
رغم موقعه الدبلوماسي الرفيع، لم يسلم ليتر من المساءلة الداخلية، حيث استدعته وزارة الخارجية الإسرائيلية في مايو 2025 بناءً على تعليمات تأديبية. وجاء هذا الاستدعاء لمناقشة تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها خلال مقابلة 'بودكاست'، مما يشير إلى استمرار نهجه التصادمي حتى في إطار العمل الدبلوماسي الرسمي.
المصدر:
القدس